• انت الآن تتصفح عدد نشر قبل 575 أيام

إليك في الغربة

عبدالله عبدالكريم السعدون

    لن أتحدث في هذا المقال عن برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث، فقد سبقني إليه الكثير من الكتّاب، فهو واحد من أهم البرامج التي أمر بها خادم الحرمين للنهوض بالمواطن والوطن. وتعد وزارة التعليم العالي من أهم الوزارات التي استفادت من الوفرة المالية التي تعيشها المملكة، سواء في زيادة أعداد المبتعثين ، أو في مضاعفة عدد الجامعات ثلاث مرات على الأقل، وتوزيعها بشكل عادل بين مناطق المملكة المتباعدة، مما أسهم في تنمية تلك المناطق، والحد من الهجرة للمدن الكبيرة، وفي تحقيق أحلام الكثير من أبناء وبنات هذا الوطن وهي الالتحاق بالتعليم الجامعي، ولو عملت كل وزارة ومصلحة حكومية مثل ما فعلت وزارة التعليم العالي لأصبحت المملكة من الدول المتقدمة خلال سنوات.

حينما تبتعث الدول أبناءها وبناتها إلى الدول المتقدمة، فإنها تطمح إلى تلاقح العقول والأفكار، وإلى الاستفادة مما لديهم من عناصر القوة، فهل ستؤدي الأمانة وتصعد بوطنك إلى مصاف الدول المتقدمة؟ أم تبقى بلادك ضمن الدول النامية إلى أن يشاء الله؟ ليكن طموحك بحجم مساحة وطنك، وأحلامك عالية بعلو منزلته.

سأتحدث إليك أيها المبتعث للخارج، وكأنني أراك وقد حملت حقيبتك على ظهرك وسرت بين ممرات الجامعة من محاضرة إلى أخرى، ومن معمل إلى آخر، أراك وقد أخذت مجلسك بجانب شباب أو شابات، بعضهم من أهل البلد والبعض الآخر من دول أخرى كالصين واليابان. وسوف أقول لك بعض ما قلته لابني الذي ابتعث إلى الولايات المتحدة قبل عشر سنوات: تذكر الحكمة التي تقول"أنت لا تضع قدمك في النهر مرتين" أي أن هذه الفرصة لن تتاح لك إلا مرة واحدة، بل إنك لا تعيش في هذه الدنيا سوى مرة واحدة، فلا تضيعها في التجارب الفاشلة وستجد الكثير من النماذج الناجحة والفاشلة أيضا. اقرأ سير الناجحين التي دونوها في صفحات الكتب، فابحث عنها وحاول أن تستفيد منها، وأنت واحد من المحظوظين الذين أتيحت لك الفرصة فلا تضيعها.

عليك بالوسطية والاعتدال، فلا هو تفريط يقود للمعاصي والشهوات، ولا هو غلو يشلّ تفكيرك ويعزلك عن الحياة العامة ومباهجها المباحة، ويقفل عليك أسباب النجاح. تذكر أن الدين يسر وأنك في عبادة ما حسنت النيّة، وأنك تسعى لمزيد من القوة في كل مناحي الحياة، فالعلم والمعرفة هما سلاح هذا الزمان وكل زمان، والقوة الحقيقية هي فيك أنت، في عقلك وروحك وبدنك وعقيدتك ومالك. عليك بأفضل هواية وأكثرها فائدة "القراءة" فلا تتقدم الأمم إلا بها، ولن تجد أفضل منها لشغل وقت فراغك، وهي الطريق إلى الامتياز في أدائك، وإن لم تصدقني فاسأل الجالس إلى جانبك إن كان من المتفوقين كم من الوقت يمضيه داخل المكتبة؟ القراءة ستنير لك طرقا كثيرة لكي تسلكها، القراءة ستوسع آفاقك الضيقة، وستعيد رسم أولوياتك بشكل أفضل.

أنت لم تذهب إلى هناك لتنال الشهادة فقط، فالمادة العلمية هي المادة، الرياضيات هي الرياضيات في كل جامعة، لكن من المهم أن تعرف قيم الجامعة التي التحقت بها، والأهم هو أن تعرف أسباب قوتهم، والتي تتمثل في ثقافة مختلفة، ثقافة تحترم الوقت وأهميته، وتقدس العمل وتعطيه ما يستحقه من جهد وإتقان وبروح الفريق، ثقافة تؤمن أن المعرفة لا تكتسب إلا بالتفكير العميق والبقاء ساعات وساعات في المعامل وبين رفوف المكتبات، أهم عناصر القوة لديهم عقولهم المتفتحة التواقة إلى المعرفة، وإياك أن تخجل من طرح الأسئلة أو طلب المساعدة فذلك دليل القوة والثقة بالنفس في ثقافتهم.

لا تنسَ نصيبك من الرياضة فإن لبدنك عليك حقاً ولنفسك عليك حقاً، الرياضة بالنسبة لهم أسلوب حياة ، وعنصرا مهماً لقضاء الوقت فيما هو مفيد، وعلاج لكثير من أمراض العصر، الجسمية والنفسية.

ستجد لديهم قيماً كثيرة هي التي ساهمت في وصولهم إلى ما هم فيه من تقدم ورخاء، فاحرص على معرفتها والعودة بها إلى بلدك، حذار أن تعود بأسوأ ما عندهم، المخدرات والمسكرات والتدخين، التدخين بوابة إن ولجتها فستقودك إلى ما هو أسوأ، وسيأخذ التدخين من رصيدك الصحي ما أنت بحاجة إليه في قادم الأيام. تجنب الشواذ وبائعات الهوى فهؤلاء يبيعونك المرض والمعاصي والشقاء.

عليك أن تحترم أنظمتهم وأن تكون خير سفير لدينك ووطنك، واعلم أنهم لن يصدقوك إلا إذا اتفقت أقوالك مع أفعالك، وتذكر أن الدين المعاملة، وتذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن) والناس تعني الجميع.

حاول أن تترك بعض ما اكتسبته من ثقافتك الماضية خلفك، وخصوصاً التفرقة المقيته والتعصب مهما كان مصدرهما، سواء كانا قبلية أو مناطقية أو فئوية، وإياك أن تنقل معك معاركنا مع طواحين الهواء التي لا فائدة منها.

استمتع بالفن الرفيع، ومارس الرياضة في الهواء الطلق، وابتعد عن تجمعات شباب دول العالم النامي إلا في المناسبات العامة، لأن أكثرها للأسف ضياع وقت وجهد ومال، وإن أتيح لك أن تسكن لدى عائلة فلا تتردد، وخصوصاً في الأشهر الأولى لوصولك فهي الأسرع لتعلم لغة البلد وثقافته.

أعلم أنك تحمل هموما كثيرة، لكن أكثرها سيصبح جزءاً من الذكريات، ولا تخشَ البطالة بعد عودتك طالما أنك تبذل الجهد وتسعى للتفوق، بل قد تكون سبباً في خلق عشرات أو مئات الوظائف لك ولغيرك من الشباب، التحدي من أجمل ما في الحياة.

حينما تبتعث الدول أبناءها وبناتها إلى الدول المتقدمة، فإنها تطمح إلى تلاقح العقول والأفكار، وإلى الاستفادة مما لديهم من عناصر القوة، فهل ستؤدي الأمانة وتصعد بوطنك إلى مصاف الدول المتقدمة؟ أم تبقى بلادك ضمن الدول النامية إلى أن يشاء الله؟

ليكن طموحك بحجم مساحة وطنك، وأحلامك عالية بعلو منزلته.


حفظ طباعة تكبيير
قيّم هذا الموضوع
 

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الرياض" الإلكتروني ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر، وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى الضغط على زر "التنبيه" أسفل كل تعليق

عدد التعليقات : 20
(جديد) ترتيب التعليقات : الأحدث أولا , الأقدم أولا , حسب التقييم
عفواً ترتيب التعليقات متاح للأعضاء فقط...
سجل معنا بالضغط هنا
  • 1

    صدقني اخوي عبدالله الطالب يعرف كل هذه النصائح المشكلة تكمن في وزارة التعليم العالي هذا البرنامج الكريم من والد كريم اكبر من امكانيات وزارة التعليم العالي إداريا وتخطيطا العمل عشوائي و ارتجالي في هذه الوزارة المهمة وسوف يقلل من المحصول العلمي المخطط لة من قبل خادم الحرمين الشريفين لهذا المشروع الجبار

    M.Altharwa (زائر)

    UP 0 DOWN

    05:12 صباحاً 2010/07/28

  • 2

    يجب ان يدرك جميع المبتعثين اهميت الابتعاث والاستفاده منه بالممارسه الايجابيه

    شكرااا عبدالله (زائر)

    UP 0 DOWN

    05:16 صباحاً 2010/07/28

  • 3

    جزاك الله خير

    بندر (زائر)

    UP 0 DOWN

    05:33 صباحاً 2010/07/28

  • 4

    من اجمل ما قرأت..
    .
    كلام جميل.. يحث على التمسك بالدين وترك الفجور وأخذ كل ماهو مفيد من الغرب وتجنب المساوئ..
    .
    شكراً لك..

    مبتعث في Sydney (زائر)

    UP 0 DOWN

    07:24 صباحاً 2010/07/28

  • 5

    لو تمثل كل مبتعث بهذه القيم و النصائح الأبويه لأضحينا في غضون سنوات معدودة دولة من طراز ماليزيا و كوريا الجنوبيه. شكرا سعادة الكاتب على هذا الصدق في التوجيه...إنها دعوة أبويه صادقه للمبتعث في البعد عن مراتع الزلل و الحرص على مالدى-وهو كثير- القوم من قيم جد نحتاجها.

    fahad Al-Romi (زائر)

    UP 0 DOWN

    07:55 صباحاً 2010/07/28

  • 6

    الله يذكرك بالخير ياعبدالكريم ونعم الرجل والله يذكر الاسهم بالخير هي اللي عرفتنا عليك ايام شارع الاعشي
    دائما متابع مقتلاتك
    محبك فزوووله ابو محمد

    فزوله (زائر)

    UP 0 DOWN

    09:59 صباحاً 2010/07/28

  • 7

    احسنت ايها المبدع ولافض فوك بماذكرته عن وزارة التعليم العالي ورجالها العمليين اللذين نفذوا رغبة ولي الامر والمواطنيين بانشاء جامعات داخلية وبعث فرابة 100الف سفير وناقل للتجارب والخبرات
    والحقيقة مهما كانت تكلفة الابتعاث والتعليم فهي لاتقدر بثمن لكونها تختصر الزمن وتنقل الافكار وتدفعنا للمفدم

    عبد الرحمن السليم (زائر)

    UP 0 DOWN

    10:07 صباحاً 2010/07/28

  • 8

    كلمات أكثر من رائعة ونبراس لاخواننا المبتعثين
    شكرا

  • 9

    هذة النصاىْح قيمة جدا ولكي تتحقق رويتك لابد من توجية هذة النصاىْح الى مبتعثي عام الثمانين الذي هم الان بيدهم القرار وفي اعتقادي بانهم سوف يكون عقبة امام مجتمعنا لتحقيق الهدف المطلوب لانصبح من الدول المتقدمة والشعوب المتحضرة الغير متناقضة في تصرفاتة اليومية

    ابو محمد (زائر)

    UP 0 DOWN

    11:02 صباحاً 2010/07/28

  • 10

    لو طبع هذا المقال واعطي لكل شاب يبتعث خارج بلده واعتبرها وصية يحملها من حكيم وصل بجده ومثابرته الى مرتبة عظيمة لربما وجدنا شبابا راقيا يستشعر عظم المسئولية يقول غوستاف لوبون خلق كل امة هو علة تطورها وهوالذي يحدد مستقبلها.عقلاء العالم يقرون ان الاخلاق هي عنوان الانسان

    علي شمسان (زائر)

    UP 1 DOWN

    11:05 صباحاً 2010/07/28

  • 11

    أسعد الله صباحك يابو نايف وكعادتك مبدع دائماً وعلى فكرة ماتذكر سالفة المحرولين

    عبدالله القثامي (زائر)

    UP 0 DOWN

    11:21 صباحاً 2010/07/28

  • 12

    هذه المقالة من اجمل المقالات التي قرأتها واتمنى ان يتم تزويد وزارة التعليم العالي بنسخة منها لوضعها ضمن كتيب ويسلم لكل طالب مبتعث لتعم الفائدة من هذه النصيحة الابوية الصادقة من رجل نحسبه والله حسيبه من المميزين في هذا الوطن الغالي.

    شاهين (زائر)

    UP 0 DOWN

    01:18 مساءً 2010/07/28

  • 13

    الاخ عبدالله مقال رائع وشامل يستحق ان يبطبع كارشادات لكل مبتعث.الحقيقه ومن اوساط الواقع لدينا شباب رائعين تصقلهم حياة الغربه ويظهر جوهرهم الثمين في الخارج تنبثق منهم بخور الشهامه والفزعه وانعكاس لحياتنا الدينيه التي لاتقدر بثمن ولا يحتاجون الا دعواتكم الصادقه ومثل هذه الذكره النافعه
    اخوك المبتعث

    Mohammad F alali (زائر)

    UP 0 DOWN

    02:24 مساءً 2010/07/28

  • 14

    يسر الله لك الخير ورزقك الفردوس الاعلى على المقال
    الله يحفظ ابنائي ويرجعهم بالسلامه
    ويحفظ الجميع

    اللؤلؤه

    UP 0 DOWN

    02:32 مساءً 2010/07/28

  • 15

    بالرغم من أهمية ما ورد بالمقال من نصائح وتوجيهات , الا أن استراتيجية الابتعاث على أهميتها الشديدة للنهوض بالوطن لم تأخذ حقها من الدراسة فبدون إنشاء جهات رقابية،تنظيمية،تنفيذية تتمتع بكافة الصلاحيات لادارة هذا المشروع العملاق وفق أسس علمية تتضاءل أهمية المخرجات ويقل العطاء المنشود.

    عبد الله (زائر)

    UP 0 DOWN

    08:07 مساءً 2010/07/28

  • 16

    يجب ألا ينتهى دور وزارة التعليم العالى على الابتعاث فقط فلابد من حشد الجهود لمتابعة الاداء العلمى للطلاب أولاً بأول ووضع الانظمة الكفيلة بحفز الاداء الاكاديمى وتشجيع المتفوقين منهم وإبراز جهودهم واستقطابهم لاحقاً فى الجهات التى تناسبهم وتقويم ممن لم يحالفهم الحظ بالسبل المناسبة.

    عبد الله (زائر)

    UP 0 DOWN

    08:30 مساءً 2010/07/28

  • 17

    شكرا

    مازن مازن

    UP 0 DOWN

    08:40 مساءً 2010/07/28

  • 18

    والكاتب حفظه الله بوطنيته المعهوده قد يتطرق لاحقاً الى الهياكل التنظيمة اللازمة لادارة هذا المشروع الوطنى الجبار الذى أن اٌقيم على اسس ومعايير تتناسب مع أهميته فقد ينقل الوطن الى مصاف الدول المتقدمة حضارياً بأسرع مما يتوقع الجميع،

    عبد الله (زائر)

    UP 0 DOWN

    08:46 مساءً 2010/07/28

  • 19

    احسنت ايها الكاتب العظيم وإنها مقالة تعدل كتبا وانا مع القائلين بان علي وزارة التعليم العالي طباعة وتوزيع نسخة من المقال لكل طالب مبتعث حول العالم , وإلي ان يتحقق ذلك اتمني من كل قرا المقال من الطلاب وأولياء الامور وغيرهم إرساله بالايميل الي كلمن يعرف من المتعثين والطلاب عموما لتعم الفائدة وشكرا.

    معتصم السدمي - واشنطن - (زائر)

    UP 0 DOWN

    09:27 مساءً 2010/07/28

  • 20

    اقول يا عبد الله
    احسن خبر سمعته ان بريطانيا ليست ضمن الدول التي يختارها المبتعث في البرنامج
    والله ان التدريس الليلي على ايامنا احسن منها
    اما مثالك بالصين واليابان فقد اضحكني لانه في الحقيقه ما فيه غير الصين وهم بقايا الصين الوطنيه
    حتى الانقليز لا يدرسون مع الخارجيين
    الشيء اللي انا شفته ما يسوى ابد بل ان الحقد المبثوث حتى في العرب المستوطنين ضد صرح الاسلام( المملكه) يكاد يخنق الطالب السعودي
    الغلاء الفاحش مشكله كبيره
    مثلا كيس خبز فيه 5 ارغفه كبر ارغفة الشاورما عندنا سعره ببريطانيا 6 ريال




التعليق مقفل لانتهاء الفترة المحددة له

 

إعلانات



الخيارات

للتواصل ارسل SMS إلى الرقم 88522 تبدأ بالرمز (293) ثم الرسالة

إعلانات