الرئيسية > فن

جد وهزل

الشاعر مسكين


عبدالله الجعيثن

ورد في كتاب (الأغاني ٣/٤٥) أن والي المدينة في العصر الأموي عبدالصمد بن علي كان عنيفاً أهوج وقاسياً، وأصابه الأرق ذات ليلة فطلب من يسامره حتى ينام، وجبلوا له شاعراً فقيراً وشرحوا له المهمة ففرح رجاءً أن ينال مالاً إذا أثبت جدارته بمسامرة الوالي، فشرط عليه الوالي أن يخفض صوته إذا رآه يكاد ينام، وأن يصمت تماماً إذا نام ولكن لا يخرج فقد يستيقظ حضرته فيشغله من جديد كما يشغل الراديو.

قام الشاعر بالمهمة المطلوبة حتى نام الوالي القاسي فصمت تماماً، ولكن هذا الشاعر التعيس بعد فترة عطس عطسة منكرة جعلت الوالي ينهض من نومه فزعاً، ويغضب بشدة ويقول للشاعر:

- يا صعلوك أتفزعني؟!

- فقال المسكين:

- لا والله يا مولاي ولكن هذا عطاسي خلقه الله قوياً جداً..!

رد الوالي والشرر يتطاير من عينيه:

- كذاب! والله لأقطعنّ رأسك إن لم تأتني ببينة على أن عطاسك قوي جداً ودائماً..

وأمر بسجنه حتى الصباح، ثم أُخرج مخفوراً ليأتي بالبينة التي زعمها فطاف بالسوق لا يدري ما يفعل وهو مغلول محروس، فلقيه ابن الريّان المكي وكان يعرفه جيداً، فقال له: ما بالك مغلول اليدين وما هذا العسكري معك؟ فشرح له الشاعر وضعه المحرج ومطالبة الوالي له بالحجة، فقال:

أنا أشهد لك..

فمضيا حتى دخلا على عبدالصمد فقال ابن الريان: أنا أشهد له.. قال: بم تشهد له؟

فقال: أشهد أنني رأيته عطس مرة عطسة فسقط من قوتها ضرسه..!

فضحك عبدالصمد وخلى سبيله..

ثم إنّ هذا الشاعر التعيس الذي قدر الله له أن يعيش في عصر ذلك الوالي البخيل القاسي، دبج قصيدة مدح رائعة في الوالي تعب فيها كثيراً ورجا منها خيراً كثيراً يدفن فقره إلى الأبد..

استأذن على الوالي ودخل بعد جهد وألقى قصيدته العصماء، وبمجرد انتهائه منها دخل الحرس يجرون رجلاً خطيراً من الخوارج كان الوالي يتمنى القبض عليه تمني أمريكا القبض على أسامة بن لادن..

فرح الوالي فرحاً شديداً وقال لوزيره:

- أعط هذا مئة دينار وأضرب عنق هذا..

وهرول الوالي يريد الخروج ليرسل للخليفة خبر القبض على الخارجي الخطير فتمسك به الشاعر وقال:

- بأبي وأمي أخرجني معك..

فصرخ به عبدالصمد:

- ولماذا ويلك؟!

فقال: أخشى أن يُغْلط بيننا فيُضرب عنقي ويُعطى هذا مائة دينار والغلط في هذا لا يُسْتَعاد..! فضحك عبدالصمد وأخذه معه وصرف له مائة دينار وهي أكبر مكافأة يقبضها هذا الشاعر المسكين (لا تساوي روعته)..

هذا الذي نتحدث عنه مشهور اسمه (مسكين الدارمي) وترجمته في الجزء الثالث من كتاب (الأغاني) ص٤١..

وكان هذا الشاعر نفسه بخيلاً فقيراً ولكنه ظريف، ولعله أول شاعر في التاريخ سخر شعره للإعلان، فقد كانت النساء في ذلك العصر يستخدمن (الخمار) الملون.. الأخضر أو الأحمر أو الأبيض أو الأصفر.. و(الخمار) هو ما يُغَطّى به شعر الرأس.. وكان يستورد من الخارج.. وحدث أن أحد التجار استورد كمية كبيرة منه وحين وصلت فوجئ أنها كلها سوداء اللون فاسودَّ وجهه إذ أيقن بكساد بضاعته وضياع ماله..

فأعمل فكره كثيراً ثم لجأ لمسكين الدارمي وطلب منه أن يتغزل في امرأة ذات خمار أسود مقابل مبلغ محترم من المال، فرح مسكين وقال قصيدته المشهورة التي أولها:

«قل للمليحة في الخمار الأسود

ماذا فعلت براهب متعبد»

وشاع شعره وذاع وعني به المغنون وقد كان الغناء وقتها رائجاً في الحجاز فلم تبق في المدينة مليحة إلا اشترت خماراً أسود فارتفع سعره ونفد كل ما جلب التاجر.. ولا ندري هل قبض الشاعر المسكين أجر الإعلان أم غدر به التاجر؟

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 17

  • 1
    ههه
    حظه أسود مثل الخمار الذي روج له.
    /
    قراءة ممتعة

    أخو بتلا القيسي - عضو

    04:37 صباحاً 2010/07/27


  • 2
    صباحك ورد
    اضحك الله سنك وشرح صدرك
    ظريف جدا
    اتسائل الم يفطن الخليفة الى ان السن يحتاج لقوة سحب وليست دفع لاسقاطه؟

    مولي - زائر

    05:06 صباحاً 2010/07/27


  • 3
    مقال جميل جداً ومتألق واتمنى ان اقراء هذا الكتاب في اسرع وقت

    abdulaziz8070 - عضو

    06:43 صباحاً 2010/07/27


  • 4
    اضحك الله سنك,ولا اسقطه من عطسة.
    عوافي على هالمقالة.

    ابومعااذ - زائر

    06:44 صباحاً 2010/07/27


  • 5
    من أجمل ما قرأت، كنت أتمنى أن أرى تاريخ تلك الفترة من السنة موقعا في سطرا ما رغم تحفظي على مصدر المعلومات (كتاب الأغاني) لما فيه من الميل لجانب اللهو
    إذا لم يخب ظني، فإن إسم الشاعر هو ربيعة بن عامر التميمي ويلقب بالغازل الناسك توفي عام 90ه حسب كثير من الروايات وفي رواية أن بيت الشعر ينسب لسعيد بن المسيب

    حمزة مشرف - عضو

    08:01 صباحاً 2010/07/27


  • 6
    اراك وقد اصلت للاعلان يعني يعتبر العرب اول من استخدام الاعلان للترويج والتسويق وهكذا يكون العرب في الريادة دائما ثم لا يلبثوا ان يتاخروا ويتقدم الاخرون

    emadeldin14 - عضو

    08:24 صباحاً 2010/07/27


  • 7
    لا حول ولا قوة الا بالله والي بخيل وشاعر بخيل -وافق شن طبقة-

    كل الاسامي موجودة - عضو

    08:47 صباحاً 2010/07/27


  • 8
    استمتعت بما كتبت يدك تحياتي.

    عبدالله - زائر

    08:59 صباحاً 2010/07/27


  • 9
    قل للمليحة في الخمار الأسود
    ماذا فعلت بناسك متعبد
    قد كان شمر للصلاة ثيابه
    حتى قعدت له بباب المسجد
    ردى عليه ثيابه وصلاته
    لا تقتليه بحق دين محمد

    خالد - زائر

    09:09 صباحاً 2010/07/27


  • 10
    القصيدة ورد فيها ناسك او زاهد و ليس راهب
    قل للمليحة بالخمار الاسود..ماذا فعلت بناسك متعبد
    قد كان شمر للصلاة ثيابه..حتى خطرتي له بباب المسجد
    ردي عليه صلاته وصيامه..لا تقتليه بحق دين محمد

    majed - زائر

    09:56 صباحاً 2010/07/27


  • 11
    رااائع يالجعيثن

    محتاج أمر علاج لمعالجة قلبي - زائر

    11:20 صباحاً 2010/07/27


  • 12
    ياسلام عليك يا استاذ اضحكتن شكرا لك

    القاع البارد - زائر

    11:58 صباحاً 2010/07/27


  • 13
    الاغاني للاصفهاني من اجمل واروع الكتب..مشكور استاذ عبدالله وكثر من الهزل خلنا نفك مع ذا الحر..تحياتي

    TEA BAG - عضو

    12:14 مساءً 2010/07/27


  • 14
    رائع..!
    بوركت..

    لحن كأيام الخريف - عضو

    12:16 مساءً 2010/07/27


  • 15
    احب قراءة كل ماتكتب اجدمتعة وفائدة يكفي هذاالشاعرالمسكين ان اعلانه اعطى مفعوله حتى اليوم!!!

    ندى العبدالعزيز - عضو

    12:34 مساءً 2010/07/27


  • 16
    جميلا انت جمال البدر في ليله سطوعه

    الدمقراطي - زائر

    04:36 مساءً 2010/07/27


  • 17
    قصة جميلة وابيات رائعه
    بارك الله فيك

    سعودي - زائر

    07:34 مساءً 2010/07/27



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة