السبت 5 شعبان 1431 هـ - 17 يوليو 2010م - العدد 15363

الصقر

عبدالله عبدالكريم السعدون

    كان مساءً ربيعياَ جميلاَ على تل رمال نفود، يطل على غابات من مزارع النخيل، وشمس الأصيل تلملم أشعتها وتغوص في الجانب الآخر من النفود، جلست مع مجموعة من الشباب ومع أحدهم صقراً أجلسه على كرسي صمم خصيصاً لهذا الغرض، ووضع على عينيه برقعاً بحيث لا يرى، فيظل هادئاً مستكيناً يدعو منظره للرحمة والشفقة، ومع القهوة ورؤية النار طاب الحديث وحلّ وقت السمر، وليكون الحديث ممتعاً ومفيداً، فكرت كيف أجعل من الصقر وبرقعه محور حديثنا، سألتهم وكنت أكبرهم سناً: ماذا يوحي لكم منظر هذا الصقر؟ وكيف استطاع الإنسان أن يروضه، وهو من أقوى الطيور وأشرسها؟

لماذا تنطلق أمم إلى الأعالي وتتأخر أخرى؟ مع أن الإنسان هو الإنسان والزمان هو الزمان، وطريق التقدم واضح، سلكته دول قبلنا، وستسلكه دول كثيرة بدأت مسيرة التقدم بعدنا، أليست الثقافة وما تبعث من أنوار أو تحوك من براقع هي التي تتحكم في معظم تفاصيل حياة الشعوب؟

ألا ترون وجه مقارنة بينه وبين الإنسان؟ يأتي الإنسان إلى هذه الحياة وهو حرّ طليق، ومنذ اليوم الأول لولادته تبدأ القيود وتحاك البراقع التي تحجب ضوء الشمس وتشل الحركة، براقع تحاك له في البيت، وأخرى تحاك له في مراحل التعليم المختلفة، قال أحدهم: لكن هذه القيود ضرورية لكي لا يؤذي الإنسان نفسه وغيره، وقال آخر: الإنسان جاهل ولا بد من تعليمه، ومن سبقنا طبق ما تعلمه من تجارب وها نحن نطبقها على من بعدنا.

سألتهم: لماذا تنطلق أمم إلى الأعالي وتتأخر أخرى؟ مع أن الإنسان هو الإنسان والزمان هو الزمان وطريق التقدم واضح، سلكته دول قبلنا، وستسلكه دول كثيرة بدأت مسيرة التقدم بعدنا، أليست الثقافة وما تبعث من أنوار أو تحوك من براقع هي التي تتحكم في معظم تفاصيل حياة الشعوب؟ الأنوار تجلو الظلمة، والبراقع تبقي الإنسان مستكينا قابعاً في الظلمة كطيرنا هذا.

قال أحدهم: أظن أن الجهل أشد هذه البراقع تأثيراً، وقال آخر الكسل هو ما يمنع الإنسان من الانطلاق، وقال آخر: هو الفساد يشل مفاصل الأمة وغياب الحرية يحميه.

قلت لهم: لا تبتعدوا كثيراً ماذا عناّ نحن الجالسين هنا؟ هل نستخدم كامل طاقاتنا وقدراتنا التي أودعها الله فينا، أم أن ثقافتنا قد ألبستنا ما ألبستم هذا الطائر؟ هل حققنا ما نصبو إليه؟ هل وضع كل واحد منا هدفاَ يسعى لتحقيقه؟ هل استثمر كل منا كامل قدراته وطاقاته ووقته؟ هل نلوم الزمان على ما نحن فيه من جهل وتخلف؟ ألسنا نلقي بإخفاقاتنا على الآخر حتى في أبسط الأمور ككرة القدم على سبيل المثال؟

قلت لهم: لو لي من الأمر شيء لرفعت البرقع عن هذا المسكين وجعلته حراً طليقا يسبح في سماء الله الواسعة، ضحك مالك الصقر وقال: لو أطلقته لعاد إلينا أسرع مما تتصور، لقد اعتاد على هذه الحياة وألفها، وصار له اسم أناديه به، تأقلم مع حياة الظلمة والأسر، وصار يعيش في ظلام ليله الطويل، واستأنس بهذا الليل ولا يريد له بديلاً، وسيحتاج إلى تدريب مكثف ليتخلص مما برمج عليه. ضحكت وقلت لصاحبنا: أظن أن صقرك المبرقع يحكي واقع كثير من الأفراد والأمم.

وعدت إلى الجالسين ثانية أسألهم: ماهي أهم مكونات ثقافتنا التي تضيء الطريق وتجلو الظلمة أو تحوك البراقع وتضع العقبات أمام التقدم؟

أجاب أحدهم: إنه ما نتلقاه من معارف وعادات وتقاليد ومعتقدات وفنون وأخلاق وقوانين، وما نكتسبه من قدرات كأعضاء في هذا المجتمع.

والتعليم بمختلف مراحله من أهم أسس بناء الثقافة التنويرية التي تجلو الظلمة وتضيء الطريق، لكن واقعه لدينا يفوت فرصة عظيمة للمساهمة في إبراز القدرات وخلق جيل مفكّر محب متسامح، يصعد بالوطن لمصاف الدول المتقدمة، فتطبيق أساليب عفا عليها الزمن، وتركيزه على إعطاء المعلومة للطالب جاهزة دون جهد أو مشاركة أوتطبيق، يفوت الفرصة على الطالب من فائدة المعلومة وجعلها أسلوب حياة. ثم ما هو نصيب المواد التي تفتح العقول وتبني الأجسام وتؤصل لأخلاق هذا الدين العظيم؟ ألا ترون تناقضاً واضحاً بين ما نقول وما نفعل؟ألا ترون أننا نركز على الكم لا الكيف؟

الرضوخ للأمر الواقع، واعتقاد أنه الأفضل، وعدم بذل الجهد للتغيير من أعظم أسباب التخلف، ولو كان التغيير سهلاً لتغير أكثر الناس للأفضل، ولصاروا من الأصحاء الناجحين النتجين.

لنحدث التغيير المناسب، علينا أن نقرأ سير الناجحين وتاريخ الأمم التي سبقتنا ومنها الأمة الإسلامية، قراءة فيها الكثير من التمعن والنقد لأخذ ما يناسب هذا العصر وترك ما لا يناسبه، ولنستخلص العبر.

قلت لأولئك الشباب، وقد بدأ الملل يتسرب إليهم: لن أفسد سهرتكم الجميلة، لكن أحاول أن أعرض عليكم ما تعلمته لأكثر من خمسين عاماً، ومن الكتب التي قرأتها، ومن عشرات الناجحين الذين صحبتهم وتأثرت بهم. قراءة كتاب واحد مفيد قد تفتح أمام كل واحد منكم فرصاً لا تقدر بثمن، وقد ترفع القراءة عن أعينكم براقع وضعت عليها منذ عقود طويلة، وما لم يحاول كل واحد منكم جاهداً أن يغيّر في برمجة ذلك الجبار القابع في رأسه، فلن يحدث التغيير المطلوب، التغيير يبدأ من داخلك أولا، يبدأ بتغيير أسلوب تفكيرك، وتفكيرك سيؤثر على رؤيتك للحياة، ورؤيتك للحياة ستؤثر على سلوكك، وسلوكك سيؤثر على أدائك، وأداؤك سيؤثر على إنجازاتك في الحياة، وأنت ستؤثر في المجتمع، فإما صقر يحلّق حراً طليقاً في الأعالي، أو صقراً مدجناً يعيش على الكفاف، ويقضي معظم وقته في ظلام دامس.