• انت الآن تتصفح عدد نشر قبل 596 أيام

في الطريق إلى تحديد الهدف

عبدالله عبدالكريم السعدون

    في الطريق من باريس إلى الرياض ركب بجانبي رجل نحيل الجسم خفيض الصوت دمث الأخلاق حسن المحيا، ومن عادتي أن أبدأ الحديث مع من يركب بجانبي وأبادره بالتحية وأمهد الطريق لحديث يمتد لساعات هو زمن الرحلة، وقد يمهد لصداقة تستمر سنوات، سلمت عليه فرد التحية بأحسن منها، عرفت أنه من اليمن الشقيق ويعمل في المملكة العربية السعودية وفي مجال التجارة، مظهره يدل على الغنى، يسافر في الدرجة الأولى، وعرفت فيما بعد أنه ميسور الحال ولديه أعمال ناجحة.

التجارة من أهم مصادر الدخل والقضاء على البطالة، ولو مكّنا أبناء وبنات هذا الوطن من امتلاك محلاتهم الخاصة بهم والعمل فيها لقضينا على نسبة كبيرة من الفقر والبطالة، لكن ذلك بحاجة إلى التفكير المرن

بعد العشاء وبعد أن نام أكثر الركاب، وبعد أن أنس بي وأعجبه كثرة إنصاتي لما يقول سرد علي باختصار قصته مع الفقر والغنى، وتنقله بين شح المال ووفرته.

طلب من المضيفة كوب قهوة ثم بدأ بسرد قصته حيث قال: غادرت اليمن إلى هذا البلد الطيب المملكة ولي من العمر اثنتا عشرة سنة، أتذكر جيداً ذلك الصباح حين ودعت والدتي وإخوتي الصغار، رأيت والدتي تبكي للمرة الأولى وتستحلف الرجال أن يهتموا بي، مشيت حافياً تركت تلك القرية الوادعة خلفي وجعلت الشمس على جبيني الأيمن ، وسرت مع القافلة نمشي بالنهار ونستضيف أهل الخير بالليل، ووصلت إلى جازان على حدود المملكة حيث يعمل عمي وله دكان صغير يبيع فيه مستلزمات الحياة اليومية، يساعده ابنه الذي كان أكبر مني بثلاث سنوات، عملت في المحل سنتين، وفي إحدى المرات سقط من يدي مصباح زجاجي وتهشم، فنهرني ابن عمي وحين رددت عليه مدافعاً عن نفسي هجم علي بغضب وعضّني في فروة رأسي وعلقني بين الأرض والسماء، كنت صغير الجسم نحيلاً كما ترى، أمال رأسه نحوي وقال: ألا ترى أثر العضة قلت لا، فأخذ يدي ومررها على رأسه وقال: هذا هو أثر العضة باقيا حتى اليوم، ثم أضاف: بعد المشاجرة غير المتكافئة تملكني الغضب وغادرت مدينة جازان إلى الرياض، أيقظت العضّة قدراتي الكامنة وأطلقتها من عقالها، كانت فاتحة خير حررتني من الخوف والتبعية، بدأت أعمل في الرياض في أي مهنة أجدها، كنت أتعلم بسرعة، عملت في البيع والشراء كعامل لدى الآخرين، لكن كان لدي هدف أريد تحقيقه وهو أن يكون لي متجري الخاص بي، وأن أملك من المال ما يكفي ويزيد لأبعث به لوالدتي، وقد تحقق لي ذلك حينما عملت عند رجل كريم من أهل هذا البلد الطيب، أخبرته بما أنا عازم عليه فقال لي: أنت رجل مكافح وكريم وأمين وسيتحقق لك ذلك بشرط أن تضع الهدف أمام عينيك وأن تعمل بجد وإخلاص وأمانة لتحقيقه.

عملت بنصيحته، وافتتحت فيما بعد محلاً صغيراً خاصاً بالعطور أعمل فيه ليل نهار، كنت أراه ينمو ويكبر في كل يوم، كانت الابتسامة جواز دخولي إلى قلوب الآخرين، تعلمت كيف أعفو وأتسامح مع من يسيء إلي، كبر المحل التجاري ووظفت فيه عددا من أبناء بلدي، وتفرغت للسفر والبحث عن فرص جديدة ، دخلت في شراكة مع أناس طيبين وانتقلت من حسن إلى أحسن، قبل أسابيع كنت في الصين واليوم في باريس، وبعد أسبوع سأتوجه إلى موسكو، قلت له: هل رأيت ابن عمك وشكرته على العضّة التي أيقظتك من سباتك؟ أجاب: لا حاجة إلى شكره فهو يذكّرني بها كلما رآني، ويقول لي إن كل ما حصلت عليه من خير وما أصبت من نجاح كان بسبب تلك المشاجرة والعضّة بشكل خاص، أما أنا فأعزو هذا النجاح لعوامل أخرى كثيرة.

أعلن قائد الطائرة ربط الأحزمة، ولاحت أنوار مدينة الرياض من بعيد، كانت رحلة قصيرة جداً بودي لو طالت لأعرف المزيد عن هذا العصامي الذي يختصر قصة شعب مكافح، وطيبة وكرم شعب مضياف، قصة تترجم كيف يكون النجاح، الذي ليس له سوى طريق واحد، طريق العمل بجد وأمانة.

قلت له وهو يهم بمغادرة الطائرة: الحياة تبدأ بخطوة، ولو لم تقم بتلك الخطوة في ذلك الصباح الجميل من قريتك قبل أربعين عاماَ لما قمت بهذه الرحلة اليوم، ضحك وقال صدقت النجاح بحاجة إلى إرادة التغيير، وإلى الشجاعة في اتخاذ القرار، ورسم الهدف، ووضع الخطة وتنفيذها بكل عزيمة وأمانة وصبر وإصرار، وإن تعرضت لعضّة فاجعلها دافعاً للنجاح، لا سبباً في النكوص والفشل. من صبر على وعورة الطريق في بدايته ومشاه حافياً، استمتع بالسفر على المقاعد الوثيرة لاحقاً، لا توجد طرق قصيرة للنجاح.

التجارة من أهم مصادر الدخل والقضاء على البطالة، ولو مكّنا أبناء وبنات هذا الوطن من امتلاك محلاتهم الخاصة بهم والعمل فيها لقضينا على نسبة كبيرة من الفقر والبطالة، لكن ذلك بحاجة إلى التفكير المرن، والخطط التي يشارك فيها القطاع الخاص وصندوق الموارد والجهات الأخرى المسؤولة عن محاربة البطالة، لإيجاد معاهد تدريب لكل نشاط تجاري، مع التركيز على التدريب على رأس العمل، لينتهي البرنامج بامتلاك الشاب أو الشابة محله الخاص به.

حرمان الشخص من العمل الشريف خطأ فادح، يجعله نهب الفراغ والحاجة، وخصوصاً لمن هم في مقتبل العمر، ومن النساء المطلقات والأرامل والمحتاجات.


حفظ طباعة تكبيير
قيّم هذا الموضوع
 

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الرياض" الإلكتروني ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر، وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى الضغط على زر "التنبيه" أسفل كل تعليق

عدد التعليقات : 16
(جديد) ترتيب التعليقات : الأحدث أولا , الأقدم أولا , حسب التقييم
عفواً ترتيب التعليقات متاح للأعضاء فقط...
سجل معنا بالضغط هنا
  • 1

    مقال وسرد رائع، تخيلت نفسي راكباً مستعماً معكم !
    نعم.. التجاره مصدر دخل عالي... لكن من يغير عقلية الاعتماد على الدولة والراتب ؟ ومن يقدم الدعم المشروط والمرتكز على الخبرة ؟ تحيه لمركز المنشآت الصغيرة والمتوسطه بالمؤسسة العامة للتعليم الفني والتقني... فجهودهم واضحة.

    فهد سليمان العيسى (زائر)

    UP 1 DOWN

    05:05 صباحاً 2010/07/07

  • 2

    مقال رائع ومحفز للعمل
    شكرا جزيلا للأستاذ عبدالله
    لا فض قلمك وبانتظار جديدكم

    متأمل (زائر)

    UP 0 DOWN

    07:02 صباحاً 2010/07/07

  • 3

    ما اسرع تغير الاحوال
    قبل خمسين عاما كان التوجة نحو التعليم
    فيما كان الاباء والاجداد يحترفون التجارة
    كان الامل والتطلع نحو المستقبل يماؤنا
    فاذا بالايام تنتكس وتصبح الدعوة الى حرف ومهن الاجداد هى السائدة
    ترى مالذى سنورثة للاجيال القادمة بعد انعكاس المعايير

    ابو ايمن (زائر)

    UP 0 DOWN

    07:50 صباحاً 2010/07/07

  • 4

    فد يتخذ "العصامي" المقلد خطوة مماثلة، ويسافر للسعودية أو لبلد عربي خليجي آخر..
    لكن من يضمن له "العضة"؟؟
    موضوعك شيق وكنت سأتصنت عليكما لو جلست في مقعد أمامكما.. وأسأل سؤالي هذا
    تحياتي

    amana (زائر)

    UP 0 DOWN

    08:30 صباحاً 2010/07/07

  • 5

    صباح الخير كلام جميل وصحيح ولكن الاجانب احتلو كل شي كل شي واخذو جميع الفرص التي لم تعطى للمواطن مثل نظام المستثمر؟ الصبر مفتاح الفرج بلا حدود مشكور على هذا المقال اكثر من رائع تحياتي

    مواطن نظامي (زائر)

    UP 0 DOWN

    09:06 صباحاً 2010/07/07

  • 6

    فعلا وجود الهدف هو الدافع و المحرك للانجاز و الالتزام
    شكرا على طرحك المحفز و المتميز

    زهاء (زائر)

    UP 0 DOWN

    09:12 صباحاً 2010/07/07

  • 7

    مقال جميل ,, لو تسأل معظم الشباب أيش هدفك بالحياه ؟؟
    عندك هدف كاتبه على ورقة وكل يوم صباح تصحى وتقراه ؟؟
    لأجابك ب ااا.. ورفع رأسه فوق وقام يلتفت يمين ويسار..
    يمكن كثير من الشباب عندهم طموح واراده.. لكن مافي هدف واضح..
    وضوح الهدف وقابليته للتحقيق والتخطيط الزمني الكافي لتحقيق الهدف

    قدحه (زائر)

    UP 0 DOWN

    09:50 صباحاً 2010/07/07

  • 8

    شبابنا لايريدون العمل بالتجاره لأنها تحتاج الى صبر وإرتباط إنهم يريدون التعليم على الدوله الوظيفه عليهاواكبر الهم سياره وجهاز نقال حديث وتشخيص والدوران فى الشوارع السياحيه هنا تكمن المشكله ويقال بطاله فلو يتفكرو فى قصة هذا الرجل العصامي فلا يقبل قول الأجانب سيطروا على كل شىء إنهاقل الرغبه فى العمل 0

    خالد فهد (زائر)

    UP 0 DOWN

    10:30 صباحاً 2010/07/07

  • 9

    سرد القصه فيه عبره للشباب بان الانسان ابن سعيه فكلما اجتهد وحرص على العمل نجح وعاش بكرامه ولكن الملاحظ ان التجار المتسعوديين يساعدون مواطنيهم اما التجار السعوديين فالعكس حاصل لايعطوا فرصه ولاتمويل لذا يبقوا عاطلين هذا اليمني كفيله سعودي ويمنحه تاشيرات خروج وعوده مقابل الله اعلم تحياتي

    ابوعبيدالجبل (زائر)

    UP 0 DOWN

    12:04 مساءً 2010/07/07

  • 10

    جميل ان تقرا المغزى من المقال على شكل قصة
    وهذا اسلوب رائع من خبره كبيره والقارئ يحاول ان يعرف من المقصود فكانت مقال +قصه+ لغز

    omar - بريطانيا (زائر)

    UP 0 DOWN

    12:39 مساءً 2010/07/07

  • 11

    الهدف ثم الهدف هذه الكلمه التى نسمعها دائما. ان الهدف قد لايتحقق بسرعه مما يظنه كثير من الناس ان الوصو الى الهدف يقد يأخذ زمن كثير فاحرص على بلوغه مهما طال الزمن مثل الدراسه او التجاره او الوظيفه.شكرا جزيلا. ايها الكاتب المتألق على اطروحاتك الجميله

    عادل السعدون (زائر)

    UP 0 DOWN

    01:40 مساءً 2010/07/07

  • 12

    شباب الوطن :
    @ في الطريق إلى تحديد الهدف بأذن الله ومشيئته @

    ( من اجل الوطن) (زائر)

    UP 0 DOWN

    01:55 مساءً 2010/07/07

  • 13

    ياعزيزي أنت تظن أن التجارة امرها بالسهولة التي أنت سردتها ,, أنا بنظري أن من يريد التجارة بالأموال فليودع صحتة وشبابه ومتعته بالحياة ,,أنزل ببصرك الى طبقات مجتمعك وانظر الى قيمة دخلهم وفيما ينفقونه !وأضف أننا شعب سعودي لنا أعتزاز بأنفسنا فلا نقبل بالقليل لكن أنا معك أن المتعة في شرف المحاولة !!

    فوق السحاب (زائر)

    UP 0 DOWN

    03:52 مساءً 2010/07/07

  • 14

    شكرا على القصة الجميله والمشجعه لنا في عالم التجااارة
    شكرا لك مره ثانيه

    فواز العتيبي (زائر)

    UP 0 DOWN

    04:33 مساءً 2010/07/07

  • 15

    مقال رائع وبلادنا ولله الحمد فيه الخير الكثير لكن بعض الناس لايبحثون عنه بل يريدون هذا الشيئ يأتي اليهم دون تعب وبحث والى صاحب التعليق رقم 9 تعليقك جيد لكن كلمة متسعودون تدل على عنصرية نتمنى منك تلافيها وشكرا

    أبو عثمان (زائر)

    UP 0 DOWN

    06:06 مساءً 2010/07/07

  • 16

    هل ياترى نفس الفرص مازالت متوافرة لأبنائنا؟؟
    وهل ولى زمن الفرص وطارت الطيور بأرزاقها؟؟
    سؤال يطرح نفسة.




التعليق مقفل لانتهاء الفترة المحددة له

 

إعلانات



الخيارات

للتواصل ارسل SMS إلى الرقم 88522 تبدأ بالرمز (293) ثم الرسالة

إعلانات