السينما خطاب شعري يتسم بقدر لا حد له من السيولة والمرونة، كما تمتلك كوسيلة تعبير، من سحرية ومجاز الصورة، وموسيقية الضوء أيضاً، ما يغنيها عن الإفراط في استخدام اللغة، إلا أن عبدالله العياف الذي يتميز بمذهبه البصري قد بالغ بعض الشيء في مسرحة فيلمه القصير (عايش) لدرجة أنه كاد أن يتحول إلى عرض مونودرامي، حيث راهن على تحشيد جماليات النص اللغوية والجسدية في شخصية (عايش) التي اضطلع بأدائها الفنان ابراهيم الحساوي باقتدار، سواء على مستوى الحركة الجسمانية، والإيمائية، أو فحوى العبارات وطريقة التلفظ بها. ولا شك أن موضعة (عايش) بين فضائي (المشرحة والحضانة) أو بمعنى أدق من الوجهة الدرامية، انتشاله من صحبته المزمنة للأموات، إلى حواضن الميلاد، قد أنتج مفارقة موضوعية فنية على درجة من الأهمية، كما أعطى للفيلم، الذي كتبه عبدالله العياف أيضاً، طابع (الدراما السينمائية) حيث تم إدخال الحيزين (المشرحة/الحضانة) دائرة الضوء، بالمعنى الفني، فاكتسبا سمتهما الشاعرية، وبالتالي تم توريط البطل في علاقة مع شخصيات تمتلك شروطها الذاتية، التي تتنافى مع فكرة احتلاله السكوني للمكان، المتأتي أصلاً من التطبّع مع القدر، كما تفرض منطقها الخاص لمعنى الموت والحياة، حيث يتمثل ذلك الفارق في أدائها اليومي، المهني والشخصي، الأمر الذي ولّد حركة هروبية خلاقة، ذهاباً وإياباً، بما ترمز إليه من مراودات الحضور والغياب. الحركة هي روح السينما، والتعبير عنها على درجة من الارتباط بالإيقاع. وعندما يكتفي الفيلم بتحشيد اللقطات الساكنة في شريط بصري يتحول إلى مجرد موضوع مصوّر، أو هكذا بدت الكاميرا في بدايات الفيلم مهمومة بتصوير مظاهر الحياة الاعتيادية، أو السيرة اليومية لكائن هامشي في لقطات شبه سكونية للبخار المتصاعد من إبريق الشاي، والمنبّه النائم على الطاولة، والصورة العتيقة التي تأبى الثبات على قاعدتها، وكذلك قميص حارس الأمن المعلق بعناية، حيث لم تلتحم تلك المشاهد بشكل عضوي في لحمة الفيلم بقدر ما بدت كعلامات إرشادية، أو اكسسوارات تكميلية لتوضيح صورة (عايش) رغم قصر الشريط السينمائي، ما عدا صورة المجسّم الصغير للموتورسيكل، التي جاءت بمثابة علامة مستزرعة عن بعد لأمنية شبه مستحيلة، تم تعزيزها بلقطة الموتورسيكل النائم في الفترينة كإشارة إلى حلم مؤجل، إلى أن تمت ترجمتها فيما بعد بامتلاكه لموتورسيكل حقيقي، حيث انتظمت تلك المتوالية المتباعدة من الصور المصطنعة في سياق، لتشكل في نهاية المطاف مجراها البصري الطبيعي ومنطقها السينمائي. أما حركة (عايش) الرتيبة والحذرة المتمثلة في مسح الأرضيات، وتسليم الجثامين، والتنقّل بصحبة زملائه بين الردهات والممرات، فقد أرادها حركة انتقال جسدية تحمل في طياتها مهمة إضاءة المكان، وتوليد حسّ الوحشة أو الدهشة، حيث تم تصعيدها بنقرات بيانو بكر فلاته ووترياته الرهيفة، لولا أن وجوه زملائه ومحاوريه من الموظفين والزوار كانت خالية تماماً من الانفعال، كما أن نطقهم للعبارات كان يأتي بشكل آلي، حتى تسمُّر موظف الحضانة إلى جانبه كان أقرب إلى الفرجة المسرحية على الأطفال منه إلى التعبير عن معنى الميلاد، حيث كان يكرر بمناسبة وبدون مناسبة (مستشفى بائس) في إشارة إلى التأفف من إدارة المستشفى، والتبرّم الدائم من سوء الأحوال، كما بدا الضجيج الذي أحدثه أحد الآباء عندما اكتشف أن مولودته أنثى محاولة غير مقنعة، ولا موظفة فنياً لحقن الفيلم بموضوعات تقلل من جمالية مفارقة (الموت/الميلاد). تلك الغرغرة الكلامية التي حكمت مفاصل لا بأس بها من الفيلم فأحالت بعض جمالياته إلى خطاب، نتيجة فنية طبيعية بالنظر إلى أن تلك الشخصيات كانت زائدة على مونودرامية النص، وبالتالي جاءت ألفاظها بمثابة تعليقات لا أهمية لها، فالنص بكل ثقله تم زرعه في ضمير وشفاه (عايش) حيث أبدى ابراهيم الحساوي قدرة على تقمص دور الكائن المهمّش، المنقوع في خانة الإهمال الاجتماعي، المتنازل طوعاً عن حق الحضور وتشكيل بعض معالم الظاهرة الإنسانية بمعناها الحي، كما عبّر بخلجاته وتعابير وجهه عن مرادات (الفيلم/النص) حيث أبدع عبدالله العياف في توليد المشاهد المباغتة، وهز المشاعر، بانفتاح الستارة المفاجئ قبالته على عالم المواليد مثلاً، وكذلك تكثيف لقطات (الكلوس أب) والتنويع عليها، خصوصاً حين حمل الطفل لأول مرة فأبدى من الحذر والخوف والاندهاش ما يتعارض مع تخففه من الارتباك والخوف وهو يدفع بجثامين الموتى داخل وخارج الثلاجة. لم يكن الفيلم بحاجة لحبكة، كما حاول عبدالله العياف التلويح بها، بل إلى شريط من الصور المتتالية والمتحركة التي يحقق تتابعها إيقاعها الخاص، فتلك الايقاعات ودرجات كثافتها يمكن العثور عليها في المنطق العاطفي الفيلم، الذي حقق حالة من الاستقراء البصري ما بين هموم الفرد الصغيرة ولا نهائية المشهد الإنساني،

وهكذا كان صمت الجثامين المخبأة في ثلاجات الموت، مقابل براءة المواليد وطراوة أجسادهم الضئيلة، هي اللغة الإنسانية الدالّة على الحدث الكوني في معانيه وتجلياته الاجتماعية، كما انعكس كل ذلك في دهشة (عايش) وخوفه الغريزي من الميلاد مقابل استيعابه لفكرة قدر الموت، كما بدى ذلك جلياً في ملامحه، وعبارته الدّالة (الموتى ما يخوفون يا طويل العمر، الخوف من الحيين). لقد سيطر عبدالله العياف، المغرم بزرع العلامات البصرية تماماً على استراتيجية فيلمه من الوجهة البصرية تحديداً، وبدا على درجة من الوعي الفني بمعنى التحوّل في شخصية (عايش) الذي يحيل اسمه إلى كائن قدري تم تدجينه اجتماعياً ليتعايش مع الموتى ويصاحبهم، فأصبح بعد أن قضى برهة زمنية عابرة في الحضانة متماهياً مع الأحياء، وعاشقاً للحياة، فالصورة التي افتتح بها الفيلم لجسده المسجى في السرير، في حالة من التماثل مع جثامين الموتى، واكتساء وجهه بتعابير تنم عن الانقباض والفزع، تم تقويضها في اللقطة الأخيرة بصورة مضادة له، وهو في ذات السرير، ولكن بوضعية مغايرة، حيث بدا منكفئاً إلى داخله فيما يشبه وضعية الجنين داخل رحم أمه، مع ابتسامة مرتسمة على محياه، تنم عن استرخاء وسعادة غامرة. هكذا جاءت التقسيمات المشهدية الفطنة لفيلم عبدالله العياف، حيث تأسست توليفاته على تقطيع العلاقات داخل بنيتي الزمان والمكان، واختراقهما بعلاقة كبرى تقوم على فاعلية وسمو المحتوى، حتى الايقاع، اكتسب سطوته من تطور الحركة ونموها، والتي تشكلت في الأصل من لهفة عاطفية مضمرة، كانت أكبر من العنصر المادي وإرغاماته، وكأن بنية الفيلم القائمة على التداخل، والمعتمدة على مونتاج شاعري ينزلق أحيانا نحو نقلات خشنة غير مفهومة، كانت في حالة سعي للحصول على سحرية جوانية خاصة، بعيداً عن أي جمالية خارجية، ولذلك جاء مشهد (عايش) في آخر الفيلم وهو يجول في الشوارع بالموتورسيكل مع دميته الكبيرة كتأكيد على أن الفيلم كعمل سينمائي بمقدوره أن يزاوج بين أحلام البطل البشرية، وأن ينولد مرة أخرى بمعانقة الأشياء، بمعنى دفع الفيلم باتجاه الرمزي لتتدفق سيولته وموسيقاه. إن روح فيلم (عايش) تكمن على ما يبدو في مدى ما يمكن أن يصاب به المتفرج من الجمالية المرعبة لمزدوجة (الموت/الحياة) كما تصورها وصوّرها عبدالله العياف، بمعنى أن يرى نفسه مجسداً في شخصية وأحاسيس وهواجس (عايش) الذي رأى الحياة في ذات اللحظة التي فارقت فيها أمه الحياة. بحيث يجد في ذلك القرين المختلق سحره الخاص الذي يمكن تلمسه، أو ما يُعرف فنياً بالموسيقى البصرية، المتكاملة بالضرورة مع موسيقى الضوء لتحقق الجوهر السينمائي للفيلم، الذي تشكل حركيته صيرورة معادلة لحركة الحياة، كما تم التعبير عن ذلك المنحى بإظلام الشاشة مع الحفاظ على صخب الأصوات وتدفقها كتعبير عن جمالية الضجيج وديمومة الحياة، أو هذا ما تختزنه حمولات الفيلم المؤكدة على مفهوم الاستمرارية بليونة ومرونة تفارق خشونة ومأساوية الواقع.


سجل معنا بالضغط هنا
1
ننتظر الفيلم ونشوف
ام سعود 1
UP 0 DOWN11:34 صباحاً 2010/06/24
2
ماشاء الله بتصوري ان هذا النقد مهم وفي محله وبالفعل فلم عايش اذهل الجميع ويعتبر بمثابة النهضة السينمائية في المملكة وبارك الله المخرج عبدالله ال عياف والفنان ابراهيم الحساوي كما ان الا ستاذ ابراهيم ضليع في تحريك جسده وتوظيفه للمشهد المطلوب
قلوب (زائر)
UP 0 DOWN04:49 مساءً 2010/06/24
3
لا شكله فلم روووعه
قهرهم
UP 0 DOWN05:03 مساءً 2010/06/24
4
بالتوفيق..
أبوزايد بايحيى
UP 0 DOWN05:41 مساءً 2010/06/24
5
أبارك لعبدالله نجاح الفيلم^_^
أماني السليمي (زائر)
UP 0 DOWN12:21 صباحاً 2010/06/25
6
استاذنا المُميز (( محمد العباس )) , أنتظر كلماتك المُصَاغَة بذاتِ التعبير البديع وَ اللغَة التي تُمثل كنزاً نَادراً في هذه الأيام , بفارغ الصبر , أرجو أن لايأتي خميساً ولا أجد ذالك القلم الفخم.
بُاركك الله , وجَعل التوفيق حليفك حيثمَا حللت.
استاذة حنان (زائر)
UP 0 DOWN01:29 صباحاً 2010/06/25