الخميس 5 رجب 1431 هـ - 17 يونيو 2010م - العدد 15333

المحاضرة الأخيرة

عبدالله عبدالكريم السعدون

    يقول في كتابه وفي بداية محاضرته: كان أبي يعلمني دائماً أنه لو هاجمني فيل في حجرتي فعلي مواجهته والتعامل معه، لذا لو نظرتم إلى أشعتي المقطعية لعلمتم أنني شخص يعاني من عشرة أورام في كبده، وقد أخبرني الأطباء أن مدة بقائي في هذه الحياة لا تتعدى ثلاثة إلى ستة أشهر.

وهي المحاضرة التي ألقاها الدكتور راندي بوتش قبل وفاته بشهرين، وموجودة على الشبكة العنكبوتية، وكان يعلم حين ألقى محاضرته أنه سيموت بعد أشهر حيث أوقف العلاج الكيماوي وأصبح يتناول المهدئات فقط، كما أن (المحاضرة الأخيرة) هي عنوان كتابه الذي كتبه بالتعاون مع كاتب آخر يتناول دروسا كثيرة من حياته القصيرة الناجحة. وما استوقفني هو مقدار ما يستطيع الإنسان أن ينجز في وقت قصير جداً، بل لقد أنجز في ثلاثة أشهر ما لم ينجزه الكثير من الناس على مدى سنوات، ويعزو الفضل في ذلك إلى حسن تربيته من قبل والديه، وخصوصا والده الذي لم يبخل عليه بالنصح والتوجيه. يقول في كتابه وفي بداية محاضرته: كان أبي يعلمني دائماً أنه لو هاجمني فيل في حجرتي فعلي مواجهته والتعامل معه، لذا لو نظرتم إلى أشعتي المقطعية لعلمتم أنني شخص يعاني من عشرة أورام في كبده، وقد أخبرني الأطباء أن مدة بقائي في هذه الحياة لا تتعدى ثلاثة إلى ستة أشهر.

ورغم أن والده ميسور الحال إلا أنه كان مقتصداً ومحباً لعمل الخير وعلّم ابنه ألا يصرف ماله إلا فيما هو ضروري، ونصحه والده بألا يشتري ملابس جديدة إلا عندما تبلى ملابسه القديمة، ومن يشاهد المحاضرة يمكنه أن يرى الزي البسيط الذي كان يرتديه، كما كان والده يحثه على البحث عن المعلومة في الموسوعة العلمية والقاموس، ويردد عليه: أفسح المجال لعقلك كي يفكر، وكان يقص عليه القصص ذات المغزى الإنساني وبها الكثير من العبر، ويحذره من ظلم الناس ويردد: لا تظن أن توليك عجلة القيادة يعني دهسك الآخرين.

يقول عن نفسه: امتاز خيالي بالجموح الذي يصعب احتواؤه، واتسم بالعقلانية مع تقدم السن، تأثرت بعبارة والت دزني الشهيرة"لو استطعت أن تحلم، استطعت أن تحقق حلمك" ووجدت مزيداً من المتعة في مساعدة الآخرين على تحقيق أحلامهم.

تحدث عن الرياضة وكيف أن والده أخذه دون إرادته إلى مدرب كرة القدم الأمريكية الذي عامله بحزم كبقية أفراد الفريق وركز على الأساسيات التي بقيت معه وطبقها كأستاذ في الجامعة وقال: ما لم تكن ملماً بالأساسيات فستفشل في عمل الأشياء الأخرى، وقد بقي مدرب كرة القدم حاضراً في مخيلته تدفعه ذكراه إلى العمل الجاد والتحفيز نحو الأفضل، ويضيف: نحن لا نرسل أولادنا ليضيعوا الوقت في اللعب، بل ليتعلموا أمورا مهمة كالعمل بروح الفريق والدأب والمثابرة والروح الرياضية وقيمة التفاني في العمل، وتقدير قيمة الوقت والقدرة على تخطي الصعاب، ووضع الخطط للنجاح.

تحدث عن المرح في حياته وكيف أعانه على النجاح وتخطي مصاعب الحياة، يقول في كتابه: كنت أقود سيارتي الرياضية في آخر أيامي وأستمع لموسيقى جعلتني أحرك رأسي في نشوة ذات اليمين وذات اليسار وإذا بسيدة تقترب مني بسيارتها وتنظر نحوي لتعرف من الذي يقود السيارة، وحين رأت وجهي قالت: يا إلهي إنه راندي بوتش، لقد انبهرت تلك السيدة وهي تعرف حقيقة مرضي وكتبت لي تقول:"أنت لا تعرف كيف أثرت في رؤيتي لك، لقد جعلتني أبصر حقيقة الحياة".

والكتاب لا تنقصه الصراحة حين يتحدث عن نفسه فيقول: كنت أفتقر تماماً إلى حسن اللياقة ، وذا شهرة ذائعة في إثارة غضب من ألتقي بهم للمرة الأولى، لكن أستاذي المخلص وضع يده على كتفي وقال: عار عليك أن تكون في أعين الناس ذلك الشخص المغرور فذلك سيحد من حجم الإنجازات التي بمقدورك أن تحققها في حياتك المستقبلية. لقد قالها بطريقة لبقة جعلتني أتقبلها، وقد أشار إلى أن النقد الذاتي وقبوله يعد من أهم الدروس التي يجب أن يتعلمها ويمارسها أبناؤنا في المدارس والجامعات، بل إن من أهم أهداف التعليم مساعدة الطلاب على تقييم أنفسهم.

ويقول في موضع آخر: كنت أعلم أن الوقت وحسن إدارته من أهم عوامل نجاحي، وكنت أحكم عقلي وأستعين بالمنطق، لكن أفضل ثوابتي التي لا تتزعزع هي حسن إدارة الوقت، وكم عنّفت طلابي على إضاعته، وبسبب حسن إدارة الوقت أنجزت الشيئ الكثير من أمور الدنيا في دورة حياتي القصيرة، وهناك الكثير من الناس الذين يضيعون الكثير من وقتهم وجهدهم في الشكوى ولو سخروا عُشر هذه الطاقة لحلوا مشاكلهم ولحققوا نجاحاً باهراً، وضرب مثالاً في لاعب كرة أسود طاله الكثير من المضايقات العنصرية، لكنه علم أن أفضل رد هو أن يرتقي بأدائه ويتفوق على أقرانه البيض، وقد حقق ذلك اللاعب الكثير ولم يلجأ إلى الشكوى لحل مشاكله. أما الحظ فيقول عنه: "هو ما يحدث لحظة التقاء الفرصة باستعداد المرء لتلقفها" وهي عبارة مشهورة لسينيكا الفيلسوف الروماني.

هذا الكتاب يجب أن يقرأه كل طالب وطالبة ومعلم ومعلمة وأستاذ جامعة ليعرفوا كيف كانت علاقته بطلبته، وكم من الوقت أمضى معهم ليحققوا أحلامهم، ويقول: لو طلب مني نصيحة بكلمتين لقلت: "كن صادقاً"، ولو زادت على الكلمتين لأضفت"في جميع الأوقات"فالمجتمع الذي تنتشر فيه ثقافة الصدق يوفر عليك كثيراً من الوقت لمحاولة تلمس الحقيقة.