الأحد 9 جمادى الاخرة 1431هـ - 23 مايو 2010م - العدد 15308

السلوك الحضاري

عبدالله عبدالكريم السعدون

    بالأمس كنت أقود سيارتي في شارع التخصصي في الرياض، كانت السيارات تسير بسرعة معقولة، وعند الإشارة كان النظام سيد الموقف، الكل وقف قبل مسار المشاة، توقف سائق في المسار الأيمن فأمره رجل المرور والابتسامة على وجهه أن يتجه إلى اليمين، لم يكن هناك سيارات تسد المسار الأيمن أو تتقدم أمام الجميع معترضة بشكل سيئ وغير حضاري، تساءلت: هل بدأ تأثير حملة المرور في العاصمة يؤتي ثماره؟ وخصوصا تواجد سيارات المرور في معظم التقاطعات، هل بدأ نظام ساهر يؤثر في سلوك السائقين؟ التفتّ يمينا وشمالا أبحث عن تلك السلبيات فلم أجدها، قارنت ما رأيته من انضباط بما أراه في دول مجلس التعاون الأخرى. لست متأكداً من هذه النتائج لأنها وليدة اللحظة وليوم واحد ومن المبكر الحكم على ما يجري لكنني متفائل للأسباب التالية:

*التغيير المستمر في القيادات ، وليس هذا يعني تقصير السابقين، لكنها الدماء الجديدة تجدد النشاط ومعها تتدفق الأفكار، وقد جمعتني مناسبة مع نخبة من قادة الأمن العام، وانصب معظم الحديث عن المرور وما يتعرض له المواطن من مخاطر حيث لا يخلو بيت من مأساة بسبب حوادث المرور، وتفقد البلاد كل عام حوالي ستة آلاف شاب ناهيك عن آلاف الجرحى والمعاقين، وتحدث المسؤولون عن خطط طموحة للحد منها، ورأيت الإصرار على تطبيق الأنظمة.

* نظام ساهر وهو نظام جيد يمكن أن يؤدي إلى تسهيل مهمة المرور وضبط المخالفات، وتعد التقنية من عوامل مضاعفة القوة، فعلى سبيل المثال قبل ثلاثين عاماً فقط كانت القوات الجوية بحاجة إلى جدولة مئات الطائرات القاذفة لتدمير جسر واحد، واليوم تقوم به طائرة واحدة تحمل قنابل ذكية وتقنية توجيه بالليزر.

*أي نظام لا يمكن أن يطبق إلا بمراقبة ومعاقبة لا تستثني أحداً، بشرط أن تصحح الأخطاء سريعاً، وأن يكون خاضعاً للدراسة المستمرة والمراجعة، على أن يكون مقياس نجاحه فرض النظام، ولغة الأرقام التي لا تقبل الاجتهاد.

لكن نظام ساهر لن يكفي وحده فماذا عن آلاف الأفراد والضباط القائمين على تطبيق أنظمة المرور في جميع مناطق المملكة؟ بدءاً بتدريبهم وانتهاء برفع معنوياتهم؟ ماذا عن الشوارع وما بها من نواقص وأخطاء وغياب إشارات تحديد السرعة وعلامات المرور الأخرى؟ ماذا عن وعي المواطن وإلمامه بأنظمة المرور؟ وحتى تصل المملكة إلى مصاف الدول المتقدمة في هذا المجال لابد من تضافر الجهود ومنها:

*رفع مستوى تدريب أفراد وضباط المرور وخصوصاً الابتعاث إلى خارج المملكة، فليس من سمع كمن رأى، وليس من رأى كمن مارس، ولا أزال أتذكر ذلك المشروع في القوات الجوية الذي أبرم مع شركة غربية متخصصة، وتم بموجبه ابتعاث آلاف الأفراد والضباط إلى تلك الدولة، وبنفس العقد تم بناء الكثير من المدارس وميادين التدريب والصالات الرياضية والمساكن، وكلما سألني الآخرون عن سرّ حسن أداء القوات الجوية أعزو بعض النجاح إلى ذلك المشروع وإخلاص القائمين عليه ، بل إن معظم مشاريع الوطن الناجحة بدأت بخبرات أجنبية بدءاً بأرامكو وانتهاء بجامعة الملك عبدالله.

*التعليم العام وخصوصا في المراحل الثانوية مطالب بتعليم الطلبة والطالبات السلوك الحضاري، ومنه قيادة السيارة، ليس في مادة معينة فقط، بل في أكثر من مادة ومنها مواد الدين، فقطع الإشارة ذنب كبير يؤدي إلى إزهاق أنفس بريئة، والسرعة الزائدة تؤدي إلى التهلكة، مع التركيز على تصحيح مفاهيم كثيرة خاطئة كالتواكل وسوء فهم القضاء والقدر، وضرورة أخذ الحيطة والحذر.

*أئمة المساجد وخصوصا خطباء الجمعة، ففي كل يوم جمعة يتوجه مالا يقل عن أربعة ملايين مصلّ إلى الجوامع لأداء صلاة الجمعة وسماع الخطبة، وللأسف نركز على عبادات معينة وننسى القيم والسلوك الراقي الذي يجب أن يكون عليه المسلم من أمانة واستقامة واحترام للأنظمة ومنها المرور.وسيكون لي وقفة مع هذا المنبر المهم في مقال مستقل.

* الآباء مقصرون في تعليم أبنائهم أسس القيادة السليمة، وبعضهم لا يعرفونها، وكم عدد الآباء الذين يعلمون أبناءهم أسس القيادة السليمة كربط الحزام أو استخدام الإشارة قبل الالتفاف يميناً أو يسارا؟ تخلى كثير من الآباء عن هذا الواجب وأسندوه إلى غيرهم من أبناء وسائقين وأصدقاء، بل إن الأب نفسه لا يلتزم بالنظام أمام أبنائه، والمثل يقول القدوة أعظم موعظة.

قلت لسائقي الأجنبي: انظرْ؛ كثير من الأجانب يسيرون والإشارة حمراء، قال: لمَ لا؟ مادمتم تعملونها فلمَ لا يعملها الآخرون؟ هذا بلدكم وأنتم أحرص منا عليه، نحن فقط نقلدكم، سكتُّ وقد آلمني جوابه، لكنها الحقيقة، نحن مقصرون في حق هذا الوطن العظيم وسيدفع الأبناء والأحفاد فاتورة إهمالنا وكسلنا إن لم نتدارك ذلك.