الاحد 11 جماد الأولى 1431هـ - 25 ابريل2010م - العدد 15280

المشاريع الكبيرة

عبدالله عبدالكريم السعدون

    القادة الكبار هم الذين يخططون وينفذون المشاريع الكبيرة التي تستفيد منها الأجيال الحالية وتورثها للأجيال اللاحقة، لست ممن يفرح بإقامة مبنى بطوابق متعددة، أو افتتاح مجمع تجاري، لكنني أحتفل وأفرح ببناء جامعة أو مدينة علمية أو روضة أطفال، أو افتتاح حديقة يلعب بها الأطفال، ويجلس على كراسيها الأحبة، وتمشي بين أشجارها النساء بكل طمأنينة كالمها على ضفاف الأودية، ويتقافز الأطفال في ممراتها كالفراشات الملونة. أنا لا أحتفل بتوسعة طريق أو بناء جسر لأنني أعلم أنهما سيضيقان بالسيارات بعد وقت أقصر من إنجازهما، لكنني أحتفل بوجود نقل عام داخل المدن تضبط ساعتك على مواعيد تحرك حافلاته، وتنظر إليه بفخر كجزء من هوية المدينة.

قبل أيام احتفلت العاصمة الرياض بافتتاح متنزه وادي حنيفة، تم إعادة تأهيله بسواعد المخلصين من أبنائه بقيادة أميرها سلمان بن عبدالعزيز ليصبح متنفساً ورئة لمدينة كبيرة كالرياض، بعد أن كان مكاناً تصب فيه المجاري ويستوطنه البعوض، وتخنقه التعديات. متنزه يمتد بطول ثمانين كيلو متراً وممشى بطول أكثر من أربعين كيلو متراً، وأشجار تكسو جوانبه وتزينها، مشروع عملاق لم يكلف سوى ستمئة مليون ريال، استثمار سيعود على الرياض حاضراً ومستقبلاً بفوائد كثيرة لا تقدر ببلايين الريالات ومن أهم الفوائد ما يلي:

*فوائد بيئية لسكان الرياض، فهو كما أطلق عليه منفذوه رئة الرياض، والرياض بأمس الحاجة إلى أكثر من رئة حتى يصفو الجو من الغبار والنفوس من العبوس، وليس لهذا سوى الأشجار التي تمتص ما تنفثه السيارات والمصانع والبيوت، ولولا الحدائق الكبيرة في أواسط المدن لكثرت الأمراض وانتشرت الأوبئة.

* فوائد للصحة البدنية، ففي ممراته الطويلة سيمارس الرجال والنساء المشي، ومع المشي ستختفي الكثير من الأمراض التي صارت منتشرة في هذه المنطقة أكثر من بقية مناطق العالم، ومن أخطرها السمنة حاضنة الكثير من الأمراض، كارتفاع الضغط والسكر والكولسترول وأمراض القلب وهشاشة العظام وصعوبة الحركة. نتحدث كثيراً عن أن الوقاية خير من العلاج ولا نطبقها، ومن أهم العوائق انعدام الوعي بأهمية الرياضة، وقلة الأماكن المناسبة.

* فوائد للصحة النفسية فمنظر الوادي بأشجاره وممراته الطويلة، وجلساته الكثيرة، وممارسة الرياضة في ذلك الجو الصحي يعد علاجاً لكثير من الأمراض النفسية كالكآبة وضغوط الحياة وتعقيداتها، وكم حمدت الله أن هداني إلى الرياضة ألجأ إليها كلما ضاقت بي الدنيا واستحكمت حلقاتها، أمارس ما تيسر من أنواع الرياضة مدة ساعة فأعود إلى العمل وقد صفا الفكر مما يعكره وتخلص الجسم مما يكبله.

*فوائد اجتماعية فلا شيء كرؤية الأسر وقد احتفلت بإجازة نهاية الأسبوع في حديقة أو متنزه كوادي حنيفة. قليلة هي أيام الفرح في حياتنا، وإن وجدت فقلما نحتفل بها كأسرة مجتمعة، في الدول المتقدمة يحتفلون بكل مناسبة، وإن لم يكن هناك مناسبة أوجدوها، قد تكون نجاح طفل أو يوم ميلاده، أو عودة غائب.

جميل متنزه وادي حنيفة،وقد أبدع من خطط له ونفذه، لكن التحدي الحقيقي هو أن يبقى جميلاً، بعيداً عن العبث والأنانية، مما يعني أن تكثف المراقبة وتوجد الجزاءات الرادعة لمن يترك أثراً أو يعبث بأماكن الجلوس أو يقتلع شجرة. الناس ليسوا ملائكة، حتى في الدول المتقدمة لا تنفذ الأنظمة إلا بمراقبة صارمة وجزاءات رادعة لا تستثني أحدا.

شكراً لسمو الأمير سلمان أمير منطقة الرياض وابنها البار، وشكراً للأمير عبدالعزيز بن عياف أمين منطقة الرياض، والشكر لجميع القائمين على هيئة تطوير الرياض والشكر للمسؤولين عن تشجيرها، وكم أتمنى لو يحال كل واد يقع على أطراف مدن المملكة وقراها إلى متنزه يكون رئة للمدينة ومتنفساً لأهلها، تحويل الأودية إلى متنزهات يعد مشروعاَ حضارياً غير مكلف ويتم بخطوات بسيطة أهمها:نشر الوعي بأهمية الشجرة، ومنع الاحتطاب والرعي، وزراعة الوادي بأشجار من البيئة تصبر على العطش، وتسخير إمكانات الدوائر الحكومية كالبلدية والزراعة، وإشراك طلبة المدارس والمتطوعين من أبناء البلد في تنظيف الوادي وزراعة الشجر والمساهمة في حمايته.

متنزه وادي حنيفة مشروع حضاري لنا وللأجيال القادمة، ما أجمل الإنجازات الكبيرة التي يخطط لها ويرعاها القادة الكبار.