الرئيسية > فن

سينمائيات

وودي آلن.. فيلسوف التشاؤم



رجا ساير المطيري

يمكن تقسيم أفلام المخرج الأمريكي المبدع وودي آلن إلى شكلين متمايزين؛ أولهما تلك الأفلام التي يشارك فيها كممثل وهي تأخذ منحى كوميدياً ساخراً مثل روائعه (آني هول)، (مانهاتن)، (حنا وأخواتها) و(حب وموت). فيما يتجه الشكل الثاني نحو الجدية المفرطة مثل (ماتش بوينت) و(إنتريورس). لكن كلا الشكلين، أو النوعين,، رغم اختلافهما الظاهري، يقدمان فكرة واحدة، وهي ضآلة الإنسان أمام سخرية القدر وتفاهة الحياة.

ويقدم وودي آلن فكرته هذه بروح تشاؤمية تُضاهي ما كتبه الألماني شوبنهور في هذا الجانب، حتى ليحق لنا أن نمنحه لقب فيلسوف التشاؤم بلا تردد، فهو في أفلامه يُفلسف وجود الإنسان استناداً إلى تجربته الشخصية وقراءاته في الدين والتاريخ والفلسفة وفي فرويد بالذات لينتهي إلى أن كل رغبة وكل طموح وكل فعل إنساني لا قيمة له أمام الموت، فكل شيء في نظره ماضٍ إلى نقطة النهاية التي لا تترك لأشواق وأحلام البشر أي معنى. والسلاح الوحيد الذي يراه مناسباً لمقاومة هذه التفاهة هو بأن يكون الإنسان ساخراً ولا مبالياً تجاه ما يحدث أمامه، أو كما يُعبّر في عنوان آخر أفلامه Whatever Works، أي "كل شيء مقبول وينفع ويمشي" بالمعنى الاصطلاحي للعِبارة.

وتلخص هذه العبارة حال الشخصية الرئيسية في الفيلم، الدكتور بوريس، وهو العالم الفيزيائي الشهير الذي غاص في المعرفة حتى امتلك جماع الحكمة واكتشف الحقيقة وأدرك بأن التاريخ يعيد نفسه بشكل سخيف حتى لم يعد للانفعال أمام الأحداث أي معنى، لذلك نراه لا مبالياً، مثله مثل بطل رواية "الغريب" لألبير كامو، فهو يقبل أي شيء وكل شيء لأن النتيجة في النهاية واحدة. وسواء عليه أغضب أم فرِح فإن مآل الإنسان "على آلة حدباء محمول" أو محشور في صندوق بحسب تعبير بطل الفيلم في المشهد الأول.

هذه الفكرة العَدَمية المتشائمة يعزف عليها العبقري وودي آلن في Whatever Works بجنونه المعتاد، وبأسلوبه الكوميدي الساخر، مستغلاً كاريزما الكوميديان المعروف لاري ديفيد –مؤلف المسلسل الشهير "ساينفلد"- الذي أدى دور البطولة باقتدار وكان قريباً جداً من شخصية "وودي آلن" السينمائية التي ظهرت في أفلام سابقة، حتى ليمكن القول أن لاري ديفيد كان في هذا الفيلم مجرد لسانٍ حيٍ ناطقٍ يُلقي خطبة وعظية طويلة تحوي خلاصة الأفكار التي ظهرت في أفلام وودي آلن السابقة، من تأمل في فكرة الحياة ذاتها، والجدوى من الاستمرار فيها، إلى تأمل فلسفة الأخلاق التي تحكم حركة البشر.

ومع ثقل الأفكار التي يناقشها الفيلم إلا أنه قدمها في قالب ساخر، ولذيذ، عبر حوارات طويلة، بين الدكتور بوريس والمحيطين به, وبالذات مع الشابة الصغيرة "ميلودي" التي التقاها صدفة في شوارع نيويورك ليرتبط معها في علاقة عاطفية قوية رغم التفاوت الجسيم بينهما في المستوى الفكري، فهو عالم عميق المعرفة، وهي عارضة أزياء سطحية تماماً هاربة من منزل والديها ولا تهتم سوى بمجلات الموضة وسماع الأغاني الحديثة.

ومن اجتماع النقيضين يبدع وودي آلن في نثر أفكاره على لسان الدكتور بوريس، مُهاجماً التفاهة التي تمثلها الفتاة الهاربة، والمجتمع الذي تعيش فيه، لكن مع التأكيد على أن الجميع يعيش ذات التفاهة، حتى والديها المتزمتين اللذين جاءا ليبحثا عنها في نيويورك،ثم انخرطا في أفعال شاذة، لم يستغربها الدكتور بوريس أبداً، لأنه آمن منذ وقت مبكر بأنه لم يعد هناك من جديد تحت الشمس، فكل ما يمارسه البشر اليوم سبق أن مورس من قبل في الأزمنة القديمة وبذات الطريقة المملة، وكما يقول عنوان الفيلم Whatever Works، أي "كل شيء مقبول وينفع ويمشي" بالمعنى الاصطلاحي للعِبارة.

الفيلم هو آخر أفلام وودي آلن ويحتل المرتبة 44 في قائمة الأفلام التي أخرجها

منذ بدايته السينمائية في العام 1966، ورغم خروجه خالي الوفاض من جوائز السنة الماضية، إلا أنه حمل ميزة تهمّ عشاق هذا المخرج العبقري، تتمثل في عودته بقصة تجري أحداثها في شوارع نيويورك بعد أن غاب عنها في السنوات الأربع الماضية والتي قدم خلالها أربعة أفلام تجري أحداثها في أوربا هي: ماتش بوينت، سكوب، كاساندرا دريم، وفيكي كريستي برشلونة. والعودة إلى نيويورك ليست مكانية فقط، حتى في الأسلوب الساخر الذي عرف عنه في أفلامه النيويوركية السابقة؛ الأسلوب الذي يجبرك على الضحك من شدة المرارة..

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 10

  • 1
    لازم اشاهد هذا الفيلم لاني جدا متشائم الحياة جدا ممله ورتيبه

    منصور بالله - زائر

    08:43 صباحاً 2010/04/06


  • 2
    موضوع رائع تشكر عليه سيدي
    في الوقت الحالي أصبحت لأفلام السينما فلسفة خاصة ولها وقع على نفوسنا نحن كبشر ذلك الوقع المؤثر زذلك نتيجة لتطورها من وسيلة للترفيه الى وسيلة لتوسيع الافق والنظر الى مواضيع كثيرة من جوانب مختلفة
    اشكرك مرة اخرى

    that is me... - زائر

    08:52 صباحاً 2010/04/06


  • 3
    الاستاذ / رجا،، لماذا قلت مقالاتك بالفترة الاخيره عسى المانع خير اتمنى ان يكون لك على الاقل مقال ثابت اسبوعي

    ابو ليان - زائر

    12:13 مساءً 2010/04/06


  • 4
    عودا حميدا يا استاذ رجا
    وحشتنا مقالاتك و نظرتك المحترفة للسينما و الفن عموما
    معجبوك في انتظار المزيد من الابداع
    و اتمنى انك ترجع مقالك الاسبوعي الذي تناقش فيه فيلمين اسبوعيا... و ياليت تعلمنا ايش فلمين الاسبوع الجاي عشان نشوفها قبل النقاش :)
    تحياتي لك و لمجهودك المميز

    مازن مازن - عضو

    04:00 مساءً 2010/04/06


  • 5
    "فرحتي بعودة-سينمائيات-انستني ماكنت اود قوله عن وودي الآن.."

    شايفة وساكتة - زائر

    04:39 مساءً 2010/04/06


  • 6
    "حين يدور الحديث عن وودي الآن تتبادر الى ذهني صورة استاذ المدرسة الساخر-و-الجاد,بل وجدا في مظهره واسلوبه, يحاول في كل اعماله دفع الامور لتصل الى درجة الكمال وحين تصل لتلك الدرجة من الكمال تصبح مملة ومصطنعة..فجزء من جمال الحياة وبهجتها يكمن في-بعض الفوضى-لكنه يضل ذلك العبقري والدقيق جدا وودي الآن "

    شايفة وساكتة - زائر

    04:41 مساءً 2010/04/06


  • 7
    تحليل فنى جيد، وفلسفى عميق، والتشاؤم فلسفة.. منهاج حياة..لأ.. فالتشاؤم يأس.. ولاييأس من روح الله إلا... وحمداً لله على سلامتك الصحفية إلى أرض جريدة الرياض

    السيد إبراهيم أحمد - زائر

    05:31 مساءً 2010/04/06


  • 8
    تحليل عميق ورائع لافض فوك

    محمد - زائر

    05:57 مساءً 2010/04/06


  • 9
    الناس ماتت من الجوع وقلة الوظايف وانتم بالفن اهل العقل براحة

    تركي - زائر

    07:30 مساءً 2010/04/06


  • 10
    مشكور على المقال شوقتني اشوف الفلم
    وبما انك مهتم في الأفلام اقدم لك اقتراح انك تشوف
    فلم The Soloist. وتعطينا رايك

    كنت خالد - زائر

    12:41 صباحاً 2010/04/07



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة