أدرك أن الكتابة عن شخصية عبدالله القصيمي كتابة مكلفة ومقلقة، فتاريخ الرجل الفكري إشكالي من الدرجة الأولى، إلا أنه حالة دراسية فكرية لا يمكن تجاوزها بسهولة، كما هو حالة إنسانية ونفسية خاصة لا يمكن طمرها بالتجاهل... وأن هناك مساحات يمكن البحث فيها ومعاودة قراءتها بما يجعلنا نملك القدرة على الاقتراب من سيرة القصيمي إنساناً ومفكرًا ومثقفاً ومسكوناً بفاجعة لا نظير لها، دون أن نشكل خطراً على ذاتنا المؤمنة أو رؤانا المستقلة.
هذا النوع من الكتابة للتاريخ أولا، وللشغوفين بالبحث، وللقراء المتطلعين لمزيد من رغبة الاكتشاف بأن يعرفوا أكثر. ومن عدالة القول وموجبات الإنصاف أن نرى ملامح فكر مخترق في جوانب، قد نجد فيها إضاءات قل نظيرها، كما قد نجد القصيمي فكراً متجاوزاً فضا، وانتهاكا كبيرا لإيمان المؤمنين. وكلا الحالتين لا تعني إلا أننا أمام حالة دراسية مهما أنجز في مشروعها فهو مازال يتطلب أعمالاً أخرى وقراءات أخرى وأبحاثا تتسم بالموضوعية والدراسة التحليلية الرصينة والجادة.
ليست هذه الشهادات دراسة عن القصيمي، ولكنها شهادات للتاريخ، تتحرك بين السيرة والمسار، والمعاناة والاختيار، بين الألم الشاق الذي تجسد في روح تتعذب وهي تكتب، لكنها تبكي كثيرا بعد حالة بوح تحطم فيها كل شيء حتى ذاتها. إلا أنها خلفت إرثا لا يمكن تجاوزه بسهولة، ولا يمكن المرور على سيرة مكلفة ومؤلمة وشاقة وصادمة وضاجة وصارخة دون قراءة كافية وأدوات مناسبة للاقتراب من الحقيقة.
وقد تكون هذه الشهادات والتي جاءت عبر سلسلة متفرقة من المقالات هي القدرة الأخيرة للكاتب في البحث عن عناوين تكشف طبيعة علاقات القصيمي بأصدقائه، ورؤيتهم له، وروايتهم للأحداث حينها نقلا عنه، أو التصاقا بالحدث أو اقترابا منه.
لقد كان لشهادة أصدقاء القصيمي من السعوديين قيمة وأهمية كبرى، إلا أنني واجهت صعوبة البحث عن شهادات تغني البحث في هذه الشخصية، وأعيد هذا لقلة من اقترب من السعوديين من القصيمي لدرجة أن تكون الشهادة قيمة أو اكتشافا جديدا. ومن هذا المنظور فإن الكاتب يبدي استعداده التام لإجراء لقاءات تطول أو تقصر مع أي من شخصية تملك الاستعداد للحديث عن عبدالله القصيمي وتملك من الوثائق أو الرسائل أو الرؤى ما يغني ويثري هذه السلسلة من المقالات.
في هذه السلسلة التي أستعيد فيها شهادات وآراء حول القصيمي سأقدم شهادتين لشخصيتين سعوديتين، أثق أنهما اقتربا من القصيمي بما يكفي لتدوين شهادة وقراءة ملامح علاقة واكتشاف قصة أخرى.
الشهادة الأولى للأستاذ يعقوب الرشيد. والذين لا يعرفون يعقوب الرشيد فهو ذاكرة حية رغم انه تجاوز الثمانين اليوم، هذه الذاكرة لا يمكن تجاوزها لمن يريد أن يعرف أكثر ليس عن القصيمي وحده، ولكن عن تاريخ وأحداث ورجالات المملكة وعلى مدى يتجاوز ستين عاما مضت. ومن قُدر له أن يطالع بعض الأعداد القديمة لصحيفة "القصيم" التي توقفت منذ بداية الستينيات الميلادية سيجد مقالات تستحق الاستعادة بتوقيع يعقوب الرشيد.
درس يعقوب الرشيد في بيروت، وطاف أوروبا المهدمة بعد الحرب العالمية الثانية، وسافر لنيويورك في نهاية الأربعينيات الميلادية. ذاكرة غنية حافلة لكنها تتعرض اليوم مثل أي ذاكرة بشرية لعواصف الزمن وتعاقب عقود الحياة.
سألته: منذ عرفتك قبل أكثر من خمسة عشر عاما بعد صدور كتاب "نجديون وراء الحدود"، وأنت تتحدث عن عبدالله القصيمي حديثا عابرا لا يشفي غليل باحث في الوقائع والتفاصيل . أليس القصيمي نجدياً وراء الحدود ولكن من نوع آخر؟.
أجابني: "لقد عرفته قبل أن أراه، وذلك منذ ذيوع شهرة كتابه "هذه هي الأغلال". في بيروت التقيت به لأول مرة بعد إخراجه من مصر عام 1954، ومنذ ذلك الوقت حتى رحيله لم تنقطع صلتي به. كنت أزوره في القاهرة، ونلتقي في بيروت، وأهاتفه بين الحين والآخر. في بيروت كانت لنا صحبة وحركة يومية طيلة بقائي هناك وبقاؤه هو أيضا. كان محاورا ذكيا وجدليا من الطراز الأول.
في رحلته الأولى إلى لبنان بعد إخراجه من مصر في عام 1954، رحب به القوميون واليسار اللبناني والمسيحيون. وفي مرحلة أخرى هاجمه بعضهم لأنهم اكتشفوا نفوره الشديد من كل الايديولوجيات على اختلاف عناوينها، وهجومه على زعيم القومية العربية.
كتب عنه يوما حسين مروة ( المفكر العربي الذي يغترف من بحر نتشه) . وقال عنه صديقه كمال جنبلاط ( بدوي الأسلوب غربي التفكير). وفي بيروت تعرف لأول مرة على الناشر اللبناني قدري قلعجي صاحب دار الكتاب العربي الذي أصبح صديقه المقرب جدا وناشر كتبه منذ "العالم ليس عقلا".
سألت الأستاذ يعقوب الرشيد وماذا عن أصدقائه السعوديين في بيروت. لماذا يبدو السعوديون في خلفية المشهد في حياة القصيمي؟
أجابني: " لم يكن القصيمي ليعيش بلا أصدقاء، وكان له أصدقاء سعوديون، إلا أن كثيرا من السعوديين في ذلك الوقت كان يتحاشون الظهور مع القصيمي في الأماكن العامة، بل ان بعضهم حتى اليوم ينكر معرفته به، وأنت تدرك انه منذ كتاب هذه هي الأغلال وكتبه الأخرى التي نشرها بالستينيات كان هناك من يقلق حتى بإعلان أي نوع من الصلة بالقصيمي أو حتى زيارته له أو لقائه به، لكن الحق أن فيهم رجالا كانوا قريبين منه ويحترمونه كثيرا وكانوا يقدمون له يد العون سواء في بيروت أو القاهرة. كانت السفارة السعودية في بيروت أو القاهرة تدعو القصيمي وتحتفي به. وكان سفير المملكة في بيروت انذاك الأستاذ عبدالعزيز الكحيمي يقدمه ويعرف به زواره، وكذلك كان يفعل الشيخ فوزان السابق أول سفير للسعودية بالقاهرة. ومن الأشياء الطريفة التي يمكن روايتها هنا، انه صادف وكنا في بيروت أن حل عيد الأضحى وذهبت والقصيمي للسفارة السعودية، وكان السفير الكحيمي يُعرِّف بالقصيمي أي زائر سعودي، وكان يقول لزواره السعوديين ذلك النهار هل تعرفون هذا الشخص، إنه عبدالله القصيمي، وكلهم يجيب بالنفي، والقصيمي يبتسم، لأنهم قد تناولوا الفطور مع القصيمي ذلك الصباح في احد مطاعم ساحة البرج ببيروت. كثيرون كانوا يصلون القصيمي خفاء ويتحاشون الظهور معه علنا. عندما كنت أزوره في القاهرة في بيته المتواضع، كان يعرفني على مقاعد زواره السعوديين... كان ممتنا لأصدقائه ومقدرا في الوقت ذاته تحاشيهم الاعتراف بهذه العلاقة".
دعني أسألك سؤالاً عابراً حول مسألة ليست ذات أهمية كبرى في تتبع هذه الشخصية، إلا أنها تأتي على أذهان كثير من القراء. متى تلقب عبدالله بن علي الصعيدي بالقصيمي؟.
أجابني " لقد تلقب القصيمي بهذا اللقب قبل أن يصل للقاهرة دارساً في الأزهر، ومنذ أن كان طالباً يدرس في مدرسة في الزبير، كان بين أساتذته ومعلميه رجال من نجد، وبعضهم من القصيم، منهم الشيخ عبدالله بن حمود، والشيخ عبدالله بن عوجان والشيخ محمد بن جديد، وكانت تغلب عليه أثناء الحديث لهجة أهل القصيم التي ولد وعاش فيها مرحلته المبكرة، فكناه أساتذته بالقصيمي ومنها اتخذه لقبا واسما.. أما عائلة الصعيدي فهي عائلة نجدية، ولقد علمت أن هناك ستة أجيال من هذه العائلة تعيش بين حائل والقصيم، ولا مبرر مطلقا لتصور أن الاسم هنا يعني أصولا من صعيد مصر، ولو كان لما ضر القصيمي، فأهل نجد وغيرهم يتكنون بأسماء كثيرة في السابق، بعضها يعود إلى بلدان زاروها أو ترددوا عليها، بل ان بعضهم كني حتى بالعاهات التي أصيبوا بها، وفي بعض البلدان العربية كثيرا ما نجد الكنية رديفا للمهنة".
أثناء مطالعتي لبعض ما كتب خصوم القصيمي وجدت أن صلاح الدين المنجد في كتابة "دراسة عن القصيمي" حاول أن ينال من نسب القصيمي ويعرض به، إلى درجة أنه ينفي عنه صفة العروبة، وكأنه بذلك يهون من شأنه أو ينال منه، وثانياً يعتمد على رواية لا أهمية في عمل يتطلب أن يكون دراسة رصينة لا قدحا في النسب أو الأصل. ردود خصوم القصيمي تتحرك بين أعمال يمكن مناقشتها وبحثها واحترامها، لكن بعضها لم يكن يخلو من معاني الإسقاط والتشنيع.
الأسبوع القادم ...
( القصيمي يبرق لعبدالناصر)
1
الله يسامحك امثل هذا يكتب عنه
عموما لقد رحل هذا الشخص الي ارحم الارحمين
رحل
واتى مثله كثيرون
سعود - زائر
04:53 صباحاً 2010/03/22
2
و ما الفائدة من الحديث عن القصيمي و تتبع سيرته؟؟
كتبه الأخيرة شاهدة عليه ... نسأل الله السلامة
أم عبدالرحمن 2010 - عضو
07:13 صباحاً 2010/03/22
3
شكرا اخوي عبدالله كيف الحصول على كتبه جميعها
mem12345 - عضو
08:39 صباحاً 2010/03/22
4
الله يرحم القصيمي مفكر من الطراز الأول ومبدع ,, شكراً على تسليط الضوء عليه ولو كره المتخلفون ,,
برق لاح - عضو
08:49 صباحاً 2010/03/22
5
استاذ عبدالله من الاعماق لك جزيل الشكر والعرفان ومتابعون لكتاباتك حول هذه القامه الكبيره
اما عائله الصعيدي فهي من العائلات العريقه بحائل
تحياتي لك
فيصل الشمري - زائر
08:49 صباحاً 2010/03/22
6
ياليتني كنت في عصره
يكفي أنه قال " العرب ظاهرة صوتية "
ولا نسينا المبحوح
الا وش صار
من عنيزة - عضو
08:52 صباحاً 2010/03/22
7
ولله احسن مقال قراتة
الف شكر على ها المقال
ننتظر المزيد
khalid fa - عضو
09:21 صباحاً 2010/03/22
8
انا اؤيدك في تتبع سيرة هذا الرجل فلا يعني انه حاد عن الطريق لا تدرس شخصيته بل توكل على ربك في دراسته فهو شخصية تستحق الدراسة لكن لا يعني هذا ان اسلوب القصيمي صحيحا لا لكن لناخذ من قصته العبرة والعظه فالله سبحانه وتعالى ذكر قصصا كثيرة في القران للعبرة
فاشكرك اخي عبدالله على المقال الرائع
******@hot
الرائع - عضو
09:28 صباحاً 2010/03/22
9
محاولة " فاشلة " لتلميع القصيمي
وكل من يعرفه.. يعرف انه انسلخ من الدين وأنكر الخالق !!
الكاتب يريد أن يقنعنا بالقصيمي على طريقة " طافيل " في رواية ثمانون عاماً بحثاً عن مخرج...
متفهم - عضو
09:50 صباحاً 2010/03/22
10
لست واثقا أهي إيجابية أم سلبية، العودة للكتابة عن "القصيمي"...
لقد أفضى إلى ما قدم...ألحد أم تاب وعاد.. هذا الآن بينه وبين خالقه
ليتك تكتب عن الشيخ حمود العقلا رحمه الله.. شيخ الكثير من المشايخ ومنهم ابن عثيمين رحمهم الله...
قد تتسبب أخي عبدالله بكثير من السلبيات بإعادة فتح هذا الموضوع تحديدا..
عبدالرحمن الغريري الخالدي - عضو
10:06 صباحاً 2010/03/22
11
عبد الله القصيمي جدف بعيداً..بعيداً جداً
والرجل لا خير في تتبع فكره
عبد العزيز عبد الله - عضو
10:08 صباحاً 2010/03/22
12
أرجو أن لا تكتب عن هذا الشخص( و كأنك تؤيد فكر ذلك الشخص )، ماذا تريد و ماذا تقصد عندما تكتب عن شخص خالف عقيدة المسلمين بأسلوب لطيف؟
ألم تقرأ خطاب الملك المؤسس رحمه الله لأحد بشوات مصر عن القصيمي و ذمه فيه؟!
لماذا تروج لهذا الشخص؟ حذاري
عمر - زائر
10:13 صباحاً 2010/03/22
13
الاستاذ عبدالله
تحية طيبه
آمل أن تجمع مقالاتك حول المفكر عبدالله القصيمي في كتاب.
لك مني كل التحية والتقدير
ياسر - زائر
10:15 صباحاً 2010/03/22
14
الرجل اشتهر عنه الالحاد
وهناك اقوال بسيطه نتمنى ان تكون صحيحه نه تراجع عن الحاده
الملفت لنظر ان هذا الرجل طرده الملك عبدالعزيز رحمة الله
ولكم ان تتيخيلو لو ان احد العلماء تم طرده من قبل مسؤل
وكتب عنه كات ما ذا سيقال عنه
لكن الامر هنا مختلف تمام لانه ليس من العلماء
صالح العتيبي - زائر
10:57 صباحاً 2010/03/22
15
يقول عبدالله بن إدريس متعه الله بالصحة والعافية (لقد كتبت في صحيفة الرياض ثلاث مقالات، إحداها بعنوان (عبدالله القصيمي الذي عرفته) بتاريخ 10-2-1423ه، والمقال الثاني بعنوان (القصيمي قالها صراحة) في 7-2-1423ه، والمقال الثالث بعنوان (ومداخلات حول القصيمي) في 24-2-1423ه)، أرجو الرجوع لها.
ابو عبدالله - زائر
11:00 صباحاً 2010/03/22
16
شكراً لك أستاذ عبدالله على تتبع هذا الرجل الظاهرة.. الفكر الذي يستحق الدراسة وإعادة النظر بغض النظر عن حساسية الدراسة وسطحية العقول يجب علينا أن نأخذ الإيجابيات ونترك السلبيات في كل ذا فكر ولا نستعير حكم من أحكام الخالق كالحكم على المخلوق عقائدياً و ما ورد من خصوم هذا المفكر فهو بحكم أرحم الراحمين.
عبدالله الوطبان - زائر
11:15 صباحاً 2010/03/22
17
القصيمي يعتبر من رواد الفكر المتحرر والنير والخير ولكن وقع ضيحة ثقافة اجتراريه رجعيه تمقت كل جديد انه يمثل نبراس التنويريين السعوديين. وحري بنا ان نحتفي بهذا الرجل
ولكن يراودني سؤال في كل مره اقرأ فيها عن عبدالله القصيمي في الصحف
وهو ماذا لو كان عبدالله القصيمي معارض سياسي هل سوف يكتب عنه؟ ام انها الانتقائيه والجبن الفكري؟
معك ماعون - عضو
11:39 صباحاً 2010/03/22
18
في خواطر وذكريات الشيخ ابراهيم بن محمد الحسون رحمه الله (ت/1425ه) ذكر في كتابه أنه التقى القصيمي في بيروت وكان أن علم بالظروف المالية الصعبة التي يمر به القصيمي،فجمع له ما تيسر من من المال من بعض السعوديين المقيمين هناك بغية مساعدته ثم ركبا سوياً في سيارة أُجرة وخرجت كلمات من القصيمي تصب في توجهه في ذلك الوقت،أغضبت الشيخ الحسون فتراجع عن تسليمه المظروف بما يحويه من مال.
خالد القويز - عضو
12:00 مساءً 2010/03/22
19
لا أعتقد أن الحكم على الرجل أو التعمق في شخصيته أمر مهم قد يكون الرجل تراجع عن أفكاره في أيامه الأخيرة ولم يصلنا خبر ذلك، لكن المهم هو ما تركه من كتب وآراء. أطلعت على أكثر من كتاب له ولم أستطع إكمال قراءتها بسبب عبارات التحدي والجراءة على الخالق عز وجل، حقيقة شعرت بخوف شديد من إكمال القراءه.
Ammar AlKadi - زائر
01:45 مساءً 2010/03/22
20
مقال رائع عن كاتب مبدع...اتطلع لمعرفة المزيد عنه في الاسبوع القادم بمزيد من الشوق
Latifa - Bahrain - زائر
02:03 مساءً 2010/03/22
الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة