الرئيسية > مقالات اليوم

صور ذهنية

مكاسر العيون


د. فهد الطياش

أكتب اليوم عن موضوع لابد وأن أتعبكم في يوم من الأيام , لأنه نتاج سلوك معوج ضائع من حيث من يتحمل مسؤولية تقويمه . أولا لنبدأ بتعريف المفهوم أعلاه حتى نتفق على تداعياته السلوكية او اللفظية في حياتنا العامة ؛ فهو لا يقف عند هذه التسمية وإنما يتجاوزها في ثقافات عربية أخرى بل وحتى الثقافات المحلية في مناطق المملكة المختلفة . فهناك من يراه وخزا بالعين ومنهم من يراه من عمق البحر فأسماه مباحرة بالعين، وهناك من رآه من زاوية الحسد فخلق ثقافات الرمز والتعويذات الصادة لرياحه . وهذا المصطلح الشعبي اسم للعبة تحدّ بين الصبية ليرى من يستطيع النظر إلى عيني منافسه لأطول فترة زمنية دون ان يرمش له جفن . والكل في ثقافة هؤلاء الصبية في عملية تنافس للفوز بكسر عين زميله. وهكذا أصبح مفهوم كسر العين اوسع من سلوك مباراة التحدي وإنما أصبح اسما لنوع من اللعب الذي يقود في النهاية إلى الإهانة للطرف الآخر بكسر عينه . لذا أقول هل سيأتي اليوم الذي يجرّم فيه المنظّرون التربويون هذا السلوك شبه العدواني والذي يقود بالتالي إلى سلوكيات عدوانية مستقبلا ؟ وعلى من تقع المسؤولية التربوية للتوعية من أضرار كسر العيون للترفيه ؟ هي بالطبع لا تمارس في المدرسة وإنما في المنزل او الحي مما يعنى أنها لا تخضع الى تنظيم منهجي للتوعية بأضرارها او أضرار أمثالها . الأمر لا يقف عند حدود الطفولة الباحثة عن المتعة والإثارة في لعبة مثل هذه , وإنما المزعج حقا عندما تبدأ مباريات مكاسر العيون في الأماكن العامة بين الكبار نساء ورجالا . ففي المطعم تجد من اتخذ مكانا قصيا عن " عيون الفضوليين " ولكنها تلاحقه في كل حركة او سكون . وتزداد الملاحقة عندما يكون برفقة زوجته او جمع من اصدقائه . فكم من متضايق من كسر العيون في المطاعم ولكن لا عقوبة لمثل هذا السلوك إلا بلغة التعبير مع ممثلي " الكاميرا الخفية " في ثقافة المفاهمة باليمنى لا بالحسنى . وهناك مكاسر بالعيون في قاعات الانتظار في المستشفيات والعيادات والتي تبدأ بنظرة جس نبض طويلة لتحديدٍ اصطلاحي " وش هو من لحية ؟ وبعدها تبدأ الرحلة بمحاولة كسر عيون حواجز الصمت لمعرفة علة هذا المراجع او تلك المراجعة . .وكسر العيون لا يقف عند حد معرفة أمراض الناس بالسمع والبصر وإنما من خلال المقابلة الاستقصائية والأسئلة الأكثر خصوصية . فإذا دخلت العلاقة في صالة الانتظار هذا الحاجز تعتبر العملية مصارعة حرة وليس لعبة مكاسر عيون ، وإذا كان هذا المسكين متجها للصيدلية لشراء دواء لإصلاح احد السبيلين تجده مثلا في لفافة وجهه لا يترك منه سوى فتحة لعينيه حتى يأتي من يكسرهما بمعرفة معلومات الروشته . ولا تقف لعبة المكاسر عند هذا الحد الاستفزازي في الجانب الطبي وانما حتى في المواصلات العامة والمصاعد والأسواق . ففي الطائرات مثلا تجد من يأتي وهو يتمظهر بسلوكيات أهل الفضيلة فيبدأ بحراسة زوجته حتى لا تتحرك من مقعدها وان طال السفر لساعات , ومع هذا عندما يقوم على خدمة زوجته يقوم بأعمال أهل الرذيلة بمكاسر عيون النساء الغافلات في مقاعدهن . وأسميته من أهل الرذيلة لأن أهل الفضيلة قالوا " ويل لمن يكثر ذكر الله في لسانه ويعصي الله في عمله " . الغريب ان بعض أبطال مكاسر العيون في الطائرات لا يستحى من تأكيد سوء سلوكه . ففي رحلة جوية قام بطل مكسري من عندنا بمكاسر عيون مضيفة جوية من عندهم , فضاقت به ذرعا فاتجهت صوبه قائلة : ماذا تريد بتحديقك المستمر؟ فأجاب بلغة انجليزية مرتجفة : أريد ان اشبع عيني وأمتعهما ولكنه استخدم مفردة الملْ كملْ خزان الوقود . وهنا بدأت مباراة الاهانة بحيث يستمتع الأخ على حساب تلك المسكينة . فهل يا ترى هو من اشر الأشرار الذين قال فيهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : " ألا أنبئكم بأشراركم ؟ إلى أن وصل إلى أكثرهم شرا فقال : " من لا يرجى خيره ولا يؤمن شره " . فمثل هؤلاء وسلوكياتهم المزعجة للآخرين لا يرجى منهم سوى كشف شر عيونهم ونظراتهم الوقحة .

السؤال هل هذا السلوك يعاقب عليه في الثقافات الأخرى ؟ او على أقل تقدير كيف تتعامل الثقافات الأخرى مع مشكلة تداعيات مكاسر العيون في الأماكن العامة ؟ أعتقد جازما أن تنبيه الإسلام المبكر لمثل هذه السلوكيات كان واضحا في سورة النور حيث أمر البارئ المؤمنين والمؤمنات بغض البصر في الآيتين 30-31 , وهو ذات المفهوم الذي حث عليه رسول الله في حديث حق الطريق وهو من أهم الأماكن العامة , حيث جعل غض البصر من أهم تلك الحقوق التي للناس على الناس . لم نعد بحاجة الى هذه اللعبة التي ولدت لدى الكبار سلوكا مشينا بدأنا ننزعج منه في الداخل وفي الخارج يتم تصنيفهم من فئة " المشافيح " وهذه الفئة تمثل صورا ذهنية قد تستعصي على علماء النفس . في الغرب اتفقوا على منطقة وهمية أسموها الحيز الشخصي بحيث لا يقترب الشخص من الآخر عند الحديث بمسافة متر . ونحن أحوج ما نكون إلى مساحة وهمية بصرية تبعدنا عن مصارعة العيون الملقوفة.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 8

  • 1
    ذكرتني بموقف صار في الطايف.. الصراحه ناس انصحوني لما اسافر الطايف ما احط عيني في عين اي واحد هناك ولا بيصير شي لا يحمد عقباه.
    لان هناك عندهم القانون اللي انت تطالب فيه لكن تطبيقه بشكل عملي وحاسم ويمكن يدخلك المستشفى.
    رح الطايف وجرب وبعدها راجع نفسك بخصوص وضع قانون لكسر العيون.
    مع احترامي وتقديري لأهل الطايف جميعا لكن هذا الشي مشهور هناك ويدل على انهم ناس ما يحبون اللقافه بشكل كبير.

    تاجر البندقيه - عضو

    03:52 صباحاً 2010/03/16


  • 2
    فعلآ أستاذي العزيز هذا الشي موجود بكثرة في عالم النساء فصالات الانتظار في المستشفيات تكون في اغلبها معزولة ولكن لا استطيع ان اكشف وجهي لإني اعلم بان العيون ستتركز علي لفترة طويلة؛حتى وانا متغطية ما اسلم منها فهم(يبرقون)أولا في العباية ثم الشنطة ثم الشوز(أكرمكم الله)وياويل اللي بيرن جوالها كأنة يوجة لهم دعوة بأن يركزوا نظراتهم أكثر وأن يرهفوا أسماعهم ؛بل بعظهم تقطع حديثها مع من بجانبها لتنطل أذنها عندك!ونفس الشي في المحلات مايحلابعينها الغرض ألا إذا أخذته!
    عذرآ للإطالة بس من الحرة!وشكرآ لك دكتور على الطرح الجميل؛عجبتني حركة أهل الطايف !!

    طبعي الهدوء - زائر

    08:27 صباحاً 2010/03/16


  • 3
    لو تحط 60 مساحة وهمية...فاعتقد ستزداد حدة الماكاسر بعدد الحواجز او تزيد
    غير جبل ولا تغير جبلة
    جزء من ثقافتنا للاسف
    من شفت؟ وين رحت ؟..من به...الخ

    د.الجوهرة - عضو

    02:15 مساءً 2010/03/16


  • 4
    انا عشت في الطائف ومرت علي هالحالات بل كنت امارسها مع من هم اصغر مني سن اوحولي لكن اكبر مني مااقدر من الشجاعه طبعآ اشبك تطالع خش في عيني ماعجبتك العين بحر وغيره من هالكلام والمقصود تحريش يعني عربجه...

    كروان - عضو

    02:16 مساءً 2010/03/16


  • 5
    أحسنت وضعت يدك على الجرح ,الله ينفعنا بكلامك وينبه أصحاب تلك الصفة التي تجعلنا في الخارج نميز السعودي من غيره , ويهديهم سواء السبيل.

    أم محمد - زائر

    04:17 مساءً 2010/03/16


  • 6
    حركات العين تفتقر الى التهذيب
    وحاسة اللمس تحتاج ايضا؟
    عند اخذ شئ او اعطاء شئ مثلا
    بعض الناس يحتاج للأدب بعدد حواسه الخمس

    غفوة حلم لولو - عضو

    04:26 مساءً 2010/03/16


  • 7
    waooo
    موضوع خطير
    وياااه لو تلاقت العيون وحصل المحظور
    نظرة فابتسامه فكلام فلقاء --
    بجد وينك عن هالموضوع اخطرهم

    mrs.x - زائر

    09:03 مساءً 2010/03/16


  • 8
    استاذي الفاضل اشكرك على هذا الطرح الجميل واتفق معك على فداحة وفجاجة هذا الاسلوب ,وقمة الاستفزاز في النظرات غير البريئه التي يرمقك بها ابناء جلدتك خارج الحدود خاصة عندما تكون برفقة عائلتك وبالنظر للثقافات الاخرى نجد اختفاء مثل هذة السلوكيات السلبية ربما لطبيعة ثقافتهم الاجتماعية وربما ل

    بندر الخرمي - زائر

    09:14 مساءً 2010/03/16



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة