• انت الآن تتصفح عدد نشر قبل 697 أيام

توحيد الفتوى.. الداء والدواء!

الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن حسين آل إسماعيل

    قرأت ما يكتب في الصحف حول توحيد الفتوى؛ وذلك من أجل التقليل من الأضرار الناتجة بسبب كثرة المفتين في الفضائيات وعلى الانترنت، ولكني لم أتصور هذا التوحيد الذي دعا إليه فضيلة عضو هيئة كبار العلماء والمستشار في الديوان الملكي الشيخ عبدالله بن سليمان بن منيع.

وأقول ليس الإشكال في ما ذكر ولكن الإشكال هو تشخيص الداء قبل الدواء، والداء هو معروف وهو دعوى الاجتهاد في هذا العصر الذي عرف بضياع التأصيل، فكل من حمل قلماً وحمل شهادة الدكتوراه، ظن أنَّ من حقه الفتوى وما ذنبه إذا أعطي المؤشر الأخضر وقيل له اجتهد فأولئك رجال وأنت رجل، وعليك أن تعمل بالدليل الذي تفهمه أنت، وأخذ معنى الفتوى بالمعنى الواسع وهي الاجتهاد لا فتوى المذهب، وهذه كذلك يقصر عنها علماء هذا العصر ودعوى الاجتهاد دعوى كلها غرور وتزكية للنفس، وحب للظهور ما سلمها العلماء للإمام السيوطي مع جلالة قدره وأهليته للاجتهاد حتى لمَّا قامت قيامة علماء المسلمين على علماء الدعوة النجدية، واتهموا علماء الدعوة بأنهم يدعون الاجتهاد ولا يرون التقليد وينفرون من كتب المذاهب الفقهية ومن كتب المذهب الحنبلي، رد الشيخ محمد بن عبدالوهاب - رحمه الله - رداً عملياً فلخص أحكام الصلاة والزكاة والصوم من كتاب كشاف القناع، شرح الإقناع وكذلك الشيخ عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب كما في رسالته إلى أهل مكة ولعلماء الحرمين قال: إننا لسنا أهلاً للاجتهاد ولا ندعيه ونحن في الأصول والفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله، ولا نعيب على مقلدي المذاهب الثلاثة ثم استثنى في مسائل جزئية لقوة دليلها الخ.

أقول سار على هذا علماء الدعوة حتى عهد شيخ الجميع سماحة المفتي الأكبر الشيخ محمد بن إبراهيم، رحمه الله، فقد كان ذكياً ذا فراسة ربط الناس بمذاهبهم خوفاً من الفوضى، ولكن الذي نشاهده الآن أنَّ ما خيف منه سابقاً الآن موجود، وهناك من يشجع على الفوضى فلا تجد طالب علم يقول أنا حنبلي ولا نجد طالب علم ينقل للناس المذهب المفتى به عند المتأخرين، ولا تسمع مفتياً في فضائية ولا في غيرها يقول هذا القول أفتى به الإمام فلان وأنا أقول به، بل الساحة تعج بمفتين يجتهدون حتى إذا نقل المسألة عن عالم سبقه فإنه لا يحيل إليه تكبراً وتعالياً، كل ذلك ليثبت أنه يأخذ من الكتاب والسنة مباشرة، وهذه والله هي الفوضى، وهي المضيعة، وهي التي أدت بنا إلى هذه الحال.

ولو رجعنا إلى المنتسبين إلى المذاهب الثلاثة المالكية والحنفية والشافعية لرأيتهم أحسن منا حالاً، فهم يمشون على خطى ثابتة ومناهج مدروسة، فهم يرجعون إلى علماء مذاهبهم من خلال كتبهم الموثقة، فيا أيها العقلاء ارجعوا إلى مذهب الإمام أحمد، فادرسوه بتأن وتأمل، واعتنوا بكتب المذهب، وانسبوا الأقوال إلى أصحابها، فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية عاش حنبلياً ومات حنبلياً وفي كل كتبه ينص على كلام الحنابلة، وعلى كتبهم، ولا يظن ظان أنه يمكن توحيد الفتوى أو تقنينها، فليس هناك فتوى في الواقع، وليس لكم إلاّ مذهب أحمد من خلال زاد المستقنع والمنتهى والإقناع؛ ليلم شملكم، ويوحد كلمتكم، ويثبت ورعكم ونزاهتكم وتواضعكم، وليدفع عنكم الغرور ودعوى الاجتهاد والاستنباط، شيء محال فالأمانة العلمية تتطلب من المفتي إذا سئل أن يقول: هذا مذهب أحمد بكل فيه بكل فخر واعتزاز.

أمَّا أن يؤلف شيخ كتاباً ويشرح كتاباً في مجلدات وليس فيها إحالة ولا اعتراف بقول متقدم ولا ذكر مرجع، فهذا غش وليس نصحاً، والمتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور.

وإلاَّ فما معنى أن يؤلف في أحكام العبادات أربعة كتب وأكثر، كلها باسم صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، في عصر واحد وتجد بينها اختلافاً فكيف يصدق الناس وأنت تلزمهم بفتوى فلان وأنه شيخ السنة، وأن مخالفه على خطر، وكيف يقطع أربعة كلهم في بلدة واحدة وبينهم زمالة وأخوة وكل واحد يقطع بأنَّه هو الذي روى صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، فالضحية هم العامة حيث إنَّ إمام المسجد كل يوم يقرأ لهم صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بصفة مغايرة عن الكتاب الآخر.

ثم إذا كان الشيخ فلان والشيخ فلان يحرمون التقليد، إذاً لماذا أقلدهم فإنَّ تقليدهم لا يجوز - حسب تعاليمهم - ولكني إذا خالفتهم قامت عليَّ القيامة، لم خالفت الشيخ فلان والشيخ فلان؟. فإذا قلتم أنت عالم ابحث بنفسك إذاً لن آخذ بأقوال من تعظمونهم؛ لأنني مجتهد وباحث وإن كنت مقلداً عامياً فسوف أقلد من كملت معارفهم مثل الأئمة المتقدمين الذين اتفقت الأمة على تقليدهم.

يا عالم أنقذونا من هذه الفوضى التي أوقعتمونا فيها، ثم تريدون الخروج منها الآن بعد أن فات الأوان، ثم إنَّ الفتوى تنقسم إلى قسمين: قسم ما يتعلق بالعبادات بين الفرد وربه فهذا مفروغ منه، فليس هناك مجال للاجتهاد والبحث وراء سلف هذه الأمة، ثم إنَّ الناس وهم العامة فلا أحد يستطيع أن يربطهم بفتاوى الشيخ فلان أو فلان أولاً: لأن ربطهم هذا هو التقليد ثانيا: العامة تختلف نظرتهم للشيخ المستفتى من حيث الورع والعلم، فهناك من لم تطمئن نفسه إلاَّ بسؤال فلان الشافعي، وهناك من لم تطمئن نفسه إلاَّ بفلان الحنبلي، وهناك من لم تطمئن نفسه إلا إلى فلان المالكي، والحنابلة والمالكية والشافعية يختلفون من شخص إلى آخر، فالذي يستفتي يستفتي من تطمئن إليه نفسه، وقد يكون عالماً مغموراً لا يؤبه له، فتجد أنَّ كثيراً من الناس لا تطمئن نفوسهم إلاَّ إليه، إذاً لا يمكن لأي جهة أن تلزم الناس بأنهم لا يسألون إلاَّ فلاناً أو فلاناً، خاصة إذا كان فلان وفلان وفلان يدعون الاجتهاد، ويرون لأنفسهم حق التقدم على علماء المذهب المحققين، والعلماء المعتبرين الذين أمنت الفتنة عليهم بوفاتهم.

أمَّا القسم الثاني من الفتوى وهو ما يتعلق بشؤون الأمة ومعاملاتها، فهذا هو الذي يجب تقييده، وربط الناس بهيئة كبار العلماء؛ حسماً للفوضى الدينية والسياسية، هذا والله من وراء القصد.


حفظ طباعة تكبيير
قيّم هذا الموضوع
 

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الرياض" الإلكتروني ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر، وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى الضغط على زر "التنبيه" أسفل كل تعليق

عدد التعليقات : 10
(جديد) ترتيب التعليقات : الأحدث أولا , الأقدم أولا , حسب التقييم
عفواً ترتيب التعليقات متاح للأعضاء فقط...
سجل معنا بالضغط هنا
  • 1

    يجب العمل بالمذاهب الاربعه في ما يخص الفتوى ولا ضير في ذالك

    Eng.saad (زائر)

    UP -1 DOWN

    05:30 صباحاً 2010/03/15

  • 2

    من أجمل ما قرأت

    عبد المحسن الخلف (زائر)

    UP -1 DOWN

    06:21 صباحاً 2010/03/15

  • 3

    كلام جميل جدا
    وصراحة يعجبني المشايخ الذين عندما يستفتون يوضحون الحكم الشرعي بحسب المذهب فيقول لك مثلا الشافعية قالوا كذا والحنابلة كذا والمالكية كذا والراجح عندي والله أعلم هو قول الحنفية. فهذا يدل على علمه واطلاعه وأمانته في النقل أما من يقول لك البعض يقول كذا والبعض يقول كذا والصحيح كذا فهو يجعل الآخرين على خطأ مباشرة وكلامه هو الحق الذي لاجدال فيه رغم أنه قد يكون هناك من يفند الدليل الذي استند عليه وبين خطأ الاستدلال به ولكن الغرور وعدم الأمانة تجعل البعض لا يرى إلا نفسه وهم قلة لكنهم متصدرون

    UP -1 DOWN

    07:37 صباحاً 2010/03/15

  • 4

    بعد ماأصبحت الفتوى توظف لسياسه وربح رضى الغرب!
    اليوم نقدر نقول:لدينا صناعه دينيه للتصدير!
    فتاوي تحرم الربا ومعاملاته !
    وأكثر مليارات بنوكنا توظ لخدمة الربا؟
    وشفط كل بركه في مال المواطن..!
    وعليك الحساب كاتبي الكريم!
    مؤسسة النقدأكثر من 1500 مليار ريال ,
    تخدم الغرب في مخازن بنوكها!
    توظف النسب الربويه على الودائع!
    أليس الوطن أحق برفاهيه؟
    وجلب له نعمة العيش بصحه وعافيه ؟
    نخن نخدع اليوم أنفسنا,
    عندما يوظف الأفتاء لخدمة تنميه وود لسياسة دوله!
    دون مخافة الله وصحة أيمان!

  • 5

    لا شك أن توحيد الفتوى ووضع آلية لإصدارها وإعلانها للجميع سيقطع الكثير من التأويلات في الفهم، أيضاً يكون فيه لجنة معنية بكتابتها بطريقة واضحة لا تخضع لتأويل الجهلة أو المغرضين، مثل بعض الفتاوي التي حملت في غير مقصدها، وبهذا تكون فتوى واضحة جدا محددة موحدة

    أبو ريان (زائر)

    UP -1 DOWN

    08:34 صباحاً 2010/03/15

  • 6

    أتوقع المقصود مركزية الفتوى وليس توحيد الفتوى.

    مواطن خارج الصندوق (زائر)

    UP 1 DOWN

    10:02 صباحاً 2010/03/15

  • 7

    المشرّع هو الله ورسولة
    وهناك عدة صفات فعلها الرسول صلى الله عليه وسلم سواء بالصلاة أوغيرها...
    لكن نحن المسلمين اهل السنة والجماعة

    ابو جوري وجودي (زائر)

    UP -1 DOWN

    11:30 صباحاً 2010/03/15

  • 8

    ما هي الفتوى؟ ومن المفتي
    ويجب علينا الأخذ بقول بن مسعود رضي الله عنه (إن الذي يفتي الناس في كل ما يستفتونه لمجنون) لذا ينبغي لمن لا يعلم أن يقول لا أعلم، والسلف الصالح كان الواحد منهم إذا استفتي وهو لا يدري يقول لا أدري ولا أعلم واسألوا غيري وهم الصحابة التابعون والعلماء الذين أخذوا كتاب الله وسن

    فهد أحمد الحقيل /الدمام (زائر)

    UP 0 DOWN

    01:24 مساءً 2010/03/15

  • 9

    لاأعتقد ان هناك عالما يفتي في بلاد الاسلام قاطبة الامعتمدا على الكتاب والسنة. لكن الخلاف وأنا افقر الناس علما هو فهمهم للنص.واستنتاج المقصود.واطلاع المفتي على المذاهب الأربعة قد يعطيه مجالا أوسع لتحديد فتواه. وسلامتكم

    عربي (زائر)

    UP -1 DOWN

    01:47 مساءً 2010/03/15

  • 10

    هل المقال جواب ام تسائل
    اعذرني الكلام حمال اوجه ما لم يكن صريحا في البيان
    الدين لله وليس لاحد من الناس
    ممكن ان اقلد المذهب ولكن يجب ان اقتدي بالرسول صلى الله عليه وسلم والزم ما قال عليه الصلاة والسلام
    فقد علمنا صلى الله عليه وسلم لزوم الجماعه وعدم الشذوذ

    ابو مشاري ا (زائر)

    UP 0 DOWN

    07:48 مساءً 2010/03/15




التعليق مقفل لانتهاء الفترة المحددة له

 

إعلانات



إعلانات