الاربعاء 24 ربيع الأول 1431هـ - 10 مارس 2010م - العدد 15234

الخروج عن النص

المستثمر مليم

مطلق سعود المطيري

    مليم الكبير رواية للكاتب عادل كمال الذي بدأ حياته الأدبية مع نجيب محفوظ ولكنه زهد الكتابة وانصرف عنها ، في هذه الرواية يصور مجموعة من الشخصيات الغريبة التي جمعها بيت قديم لخواجة أجنبي يؤجر غرفة لأشخاص من المثقفين الرافضين للقيم البرجوازية ومنها ، الصداقة ، والطبقية ، والمجاملة ، ويطلقون على أنفسهم "الرفاق الأنذال" رفقاء في السكن والسهر ، ويفخرون أنهم أقوياء لا يستجيبون للضعف الإنساني الذي يسمح بقيام صداقات ، وما تنتجه من قيم كاذبة كالوفاء والشهامة .

يسهرون كل ليلة ، ويتجاذبون أطراف الحديث ، لكنهم لا يسمحون لأنفسهم بأن يكونوا أصدقاء ، وهم يتشاركون في لعبة قذرة ، يستخدمون فيها رسامة أجنبية من نزيلات البيت وخادم البيت ، وأُسس هذه اللعبة تقضي بأن يختار مليم احد الأثرياء ثم يتقدم منه ليقول له إنه خادم سيدة ثرية رأته وأعجبت به ، وأنها تطلب رقم تليفونه لتتعرف عليه ، فيفرح الثري ويعطيه رقم الهاتف وهدية مالية صغيرة ، ويعود مليم للبيت فيعطي المال لكبير الأنذال ورقم الهاتف ، فتتصل المعجبة بالثري وتعرب له عن إعجابها به وفي نهاية المكالمة تقول له إنها سوف ترسل إليه رسالة حب مع خادمها إلى أن تتصل به ثانية ، فتكتب الرسالة وتعطيها مليم ، فيسرع بها إلى الثري الذي يفرح بها فيعطي مليم هدية مالية كبيرة ليثبت لحبيبته شهامته وكرمه ، فيسرع مليم بالمال إلى المثقفين العاطلين الجائعين الذين يمضون أيامهم في القراءة ومضغ الكلمات فيأكلوا ويشربوا ويواصلوا سخطهم على المجتمع وقيمه ومثالياته.

تمثلت لي صورة مليم اليوم في شكل بعض الاستثمارات الاجنبية لدينا ، وهي ليست صورة سيئة ، إذا أخذنا في الاعتبار صدق هذه الشخصية ، التي تحولت في آخر الرواية إلى رجل أعمال ناجح ، استطاع بتدبر ذكي أن يستفيد من أصدقائه الأنذال الذين يرون أن الصداقة ضعف إنساني يجب التجرد منها .

مليم مستثمر أجنبي صغير رأس ماله الذكاء والصدق مع النفس ، صنع من كسل أصحابه المحليين وقناعاتهم الفكرية مجالا حيويا لكسب قوتهم وبناء ثروته ، ولعله بذكائه الاستثماري أن يجد حلا لقضية البطالة المستديمة عندنا !