الثلاثاء 23 ربيع الأول 1431هـ - 9 مارس 2010م - العدد 15233

عقاريات

جيل الوعي لا التوعية

رقية الشعيبي

    منذ أن تقاعد والدي منذ أكثر من عشرين عاماً.. يحرص المعارف والأقارب والأبناء والأحفاد على زيارته والسلام عليه، خاصة أنه كبير العائلة.. خاصة بعد تضاؤل فرصة خروجه من المنزل عاماً بعد عام، ومع مرور الأيام أصبح منقطعاً عن الحياة العامة، متفرغاً للعبادة والاهتمام وشئون أسرته..

بعد أن أسست شركتي في المجال العقاري كان فخوراً جداً بخطوتي؛ أصر على أن يأتي إلى مكتبي ليبارك لي بنفسه.. وفي الطريق إلى المكتب وبينما كنا نتحدث ونسترجع الذكريات وإذا به يصمت فجأة وتجول عيناه ونحن في تقاطع طريق الملك فهد مع طريق مكة، على المباني الحديثة الشاهقة الارتفاع بواجهاتها الزجاجية اللامعة، ثم التفت علي وقال يا إلهي كم كبرت الرياض وتطورت! كان الله في عون حكومتنا على تأمين الطاقة الكهربائية والمياه لكل هذه المباني وساكنيها! إنه من المؤسف يا ابنتي أن هناك من يبذرون ويسرفون في استخدام هذه النعم، فقد أمرنا ديننا الحنيف بألا نسرف حتى لو كنا على نهر جارٍ.

تأملت ما قاله والدي.. الذي كان ينتمي إلى جيل لم يحتج إلى حملات توعية لترشيد الاستهلاك، ولا المواطنة لديهم مادة تدرس في المدرسة، ولم يلتحقوا بحلقات الذكر ليعوا تعاليم دينهم! منهجهم نابع من إيمان عميق وعقيدة راسخة، آباؤهم كانوا قدوتهم، فالدين لديهم معاملة وطريقة حياة.. وطنيتهم شعور تبرهنه تصرفاتهم وتثبته مواقفهم.. جيل ذاق الفقر، ولم تذله الحاجة، تمتع بالرفاهية ولكن لم تطغه النعمة.

جيل جد واجتهد، كافح وبنى وهيأ لأجيالنا اليوم ما هم فيه من رفاهية. ترى هل يعي أبناؤنا اليوم، جيل الإنترنت والفيس بوك والتويتر، وسباق سيارات البورش والفيراري وحقائب إيرامس ولوي فيتون.. عندما يدير أحدهم مفتاح الكهرباء أو مكيف الهواء، ما تم بذله من جهود لتوفير الطاقة الكهربائية له ولتعمل بلا انقطاع كي ينعم بحياة مترفة! أو عندما يفتح صنبور المياه لتتدفق باردة أو ساخنة حسب رغبته.. هل فكر بأنها قد جلبت له من البحر ونقيت من الأملاح والشوائب، وأوصلت إلى بيته نظيفة معقمة. فقيمتها ليست فقط بما دفع مقابلاً لها، قيمتها الحقيقية هي في ترشيد استخدامها والمحافظة عليها وعدم التبذير والإسراف وتبديد هذه الثروات الناضبة!