وتحدِث الحركة بين المركز والهامش في النص القصصي تفاعلا يستثمره الساردون، ويظل يسري في تفاعلات القراءة، والتصور، والتأويل؛ إذ تأتي تلك التفاعلات لتعرية موقف، أو لتجسيد فعل سخرية مر، عبر لغة أخرى تتحرك بإزاء لغة النص الماثلة في الكلمات، ففي نص بعنوان « خطوات بقدم واحدة...! « لعبدالله التعزي، كتب عام 1993م، نجد النص يستند في مركزيته، إلى القوة المنبعثة من الخطوة، بدليل العنونة بذلك، وبدليل المقتبس الوارد في أول النص، حيث جاء هكذا على نحو قريب من هذا التشكيل البصري:
خطوات بقدم واحدة...!
عندما تتصاعد أبخرة الأقدام.. وتنغرس الرماح في النار... وتفوح رائحة القوة.. تبرق عيناك.. وترعد الأرض...
لتمطر السماء دماءهم...
هم...
هم الأب الأبرياء...!
من أغنية قديمة لقبيلة لم يعرفها المؤرخون!
فتجد التركيز حول القوة والمواجهة، والانسحاق الإنساني إزاءها.. وتأتي القصة لتحكي حكاية فتاة لها من العمر أربعة عشر عاما، تشتغل في قصر، قصرت في عملها، تأخرت عن إطعام الكلب القوي في موعده، الكلب أفلت من رباطه، طاردها، التجأت إلى سيدها الذي دخلت غرفته أول مرة، رأته بقدم واحدة، يخرج لمواجهة الحدث، الكلب يدخل إلى الغرفة ،تحدث مقارنة بين القوتين، السيد يغلق الباب من الخارج، ويأخذ نفسا عميقا..، ويتركنا النص في فضاء استسلامها لقدرها.
لم يأت النص على هذا الترتيب الذي لخصت به الحكاية، بل بدأ بلحظة الاستنجاد:
« سيدي إنه يطاردني...
قالت ذلك مندفعة بقوة لا تعرف مصدرها. «وهذا يتسق مع حركة ذهنية النص، التي تستجلي وقع تسليم الأبرياء لسلطة الأقوياء، حين الصراع، إذ يبتدئ بتلك العتبة المشار إليها في البدء، التي تركز على الخطوات، لتنسج مع عنوان النص «خطوات بقدم واحدة..» حراكا لتوسل النجاة بأقصى طاقة لدى هذا السيد، التي كانت الحرية في التصرف في وسائل النجاة مكفولة له بينما فتاة القصة، قيدت بالخوف والاستضعاف، لتواجه قدرا محتوما دون أن تستيقظ في السيد نزعات النبل والمروءة في إنقاذها. ولعل المتأمل يكتشف من خلال تأويل النص بعدا رمزيا للقدم الواحدة، فعلى الرغم أنها خلقت جوا لتجسد الخوف لدى السيد، ولدى الفتاة التي تستنجد وترى الحال والمواجهة، إلا أنها من الممكن أن تفسر بفقد هذا السيد مقومات الوجود الإنساني حين استأثر بأن ينجي نفسه دون أن تنجو معه القيم الإنسانية.. وهذا المسار يتسق أيضا مع ما في النص من تفريغ لآمال وطاقات هذه الفتاة حينما واجهت عالم القصر « في القصر كل شيء كبير أشعرها بضآلة أحلامها. كل شيء عال أخجلها. كل شيء قديم سرب الخوف إلى أعماقها.»وكأن الكلب بضخامة جسمه التي جسدها السرد» لم تكن قد رأت الكلب الذي يتحدث عنه. وعندما رأته شعرت أنها أمام مخلوق خرافي، جميع أجزاء جسمه ضخمة جدا، وكانت على الرغم من جسمها الممتلئ، تبدو ضئيلة أمامه « كأنه حضر في النص رمزا لآليات اغتيال الحلم والأمل لها في القصر، بل وجودها الإنساني! حين تترك مع الكلب المسعور. مع ملاحظة أن هذا الكلب استقوى بسبب وجوده في القصر؛ فكانت المفارقة أن الفتاة تغتال أحلامها، والكلب يستقوي ويستعر في القصر! وهنا نجد النص يستخدم المرايا المتعددة لحركة ذهنيته، ابتداء من الاقتباس، ومرورا بتأمل الفتاة لحالها في القصر، ثم المواجهة مع الكلب، ثم تأمل لحظة الاستنجاد، والتشكيل الجسدي والنفسي للسيد، وحديقة القصر، وغرفة السيد، مما يشي بتنوع الطرائق والمسارب التي تتحرك فيها ذهنية النص؛ حيث لم تعد متوقفة على تراتبية الحدث.
اتضح من خلال حديثنا السالف أن القصة لم تعد تعتمد في التشكيل على تدوين حدث واقعي أو مفترض؛ بل أصبحت تجاوز ذلك إلى أفق، يستثمر أبعاد تكوينية لذلك العالم متعددة، تشمل استعادة الذاكرة، والحديث الداخلي مع النفس، واستثمار العلاقات الحادثة في تشكيل النص، واستثمار التأويل، وتفاعل النصوص.. ومن هنا كان عالم تشكيل النص القصصي يمثل تحولا ظاهرا في تشكيل النص القصصي، لم يبق عالم النص على شكله الحادث وينقله إلى النص؛ بل أصبح التشكيل ذا سلطة تذوّب عالم النص لتصهره في الحركة الجديدة لذهنيته، مستثمرة ما يتراءى من أبعاد العلاقة بين الهامش والمركز، وما يمكن أن يفعله الهامش حين يفرغ المركز من جبروته وتسلطه.
1
بما أن الحديث هنا عن القصة القصيرة
فأنا أدعو الجميع للإطلاع على مجموعتي القصصية (هي من أتخذ القرار )
وسيكون معرض الرياض للكتاب تدشين رسمي للمجموعة التي صدرت عن دار الفكر العربي_ ويمكنكم الإطلاع عليها في جناح دار الوراق في المعرض
ويمكنني القول عن المجموعة
(هي الأنثى..تطالعنا بكل حالاتها.. نعيش تجاربها.. نتعلم منها.. تتخذ القرار.. تصيب وتخطئ.. تتعلم وتكابر.. تنتفض على وا...قعها.. لترسم مستقبلها بيدها.. تشرق معه..قد تسقط دمعة
زينب الهذال - عضو
12:22 مساءً 2010/02/25
2
لن أنوه عن كتاب سأقوم بإصداره أو حالة إبداعية أمر بها. إنما أقف إجلالاً وإكباراً لما يسطره لنا الناقد والمبدع الدكتور عالي القرشي؛ لأخذنا عبر قراءة واعية وفكر نافذ.يكشف لنا مابين السطور،ويخلق نصا متميزا يفوق جماله النص الأصلي.
أرجو لكم مزيدا من التألق.
اسماء الأحمدي - زائر
06:04 مساءً 2010/02/25
3
إنها القراءة الواعية للنص، حين يقف د.عالي على أمور يندر الالتفات إليها، فنتسق نحن مع هذه القراءة دون أن ندرك حقيقة وجودنا فيها، إن كنا في المركزية أو في الهامش...تحية لناقدنا الفاضل د.عالي...وتمنياتنا بمزيد من النجاح.
أمينة الجبرين - زائر
12:55 صباحاً 2010/02/26
الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة