لا شك أن الولايات المتحدة، وعدد من دول المنطقة قد بدأوا بالفعل يطرحون السؤال مجددا، حول ما إذا كان العراق بصدد التحول إلى نظام طائفي معاد في المنطقة. الأزمة حول هيئة المساءلة والعدالة كشفت بشكل مفضوح عن مشروع طائفي – وأصولي في الوقت ذاته - يهدف إلى تصفية شخصيات وطنية عراقية –سنية وشيعية-، وإبعادها عن الساحة السياسية تحت ذريعة اجتثاث البعث، وهو ما يهدد بعودة الحرب الأهلية الطائفية للعراق، وربط مؤسسات الدولة بالتوجهات الإيرانية المتشددة.
لا أحد منصفاً اليوم يريد عودة البعث إلى الحكم في العراق، فقد عبث هذا الحزب بمصالح العراق ودول الجوار لعقود، ولكن من قال إن الذين يتم استبعادهم من قوائم الترشح (وكثير منهم سنّة) هم بالفعل ناشطون في إعادة حزب البعث إلى الواجهة! لقد قال الجنرال راي أديرنو –القائد العسكري للجيش الأمريكي بالعراق- صراحة إن أحمد الجلبي –رئيس الهيئة-، وعلي اللامي –المدير التنفيذي-، مرتبطان بفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، وخلال زيارته لواشنطن، تحدث السفير الأمريكي لدى العراق كريستوفر هيل عن أن إيران تتدخل بشكل مباشر لاستبعاد مرشحين عراقيين مناوئين لها عن طريق الهيئة، وأن نتائج الانتخابات ستحدد ما إذا كان العراق سيظل صديقا للولايات المتحدة، أو يتحول إلى حليف لإيران.
هذه التصريحات لم تصدر عن مسؤولين بدول المنطقة مناوئين للنظام السياسي الجديد بالعراق، بل من شخصيات على اتصال مباشر بالإدارة الأمريكية. خلال عام 2004 كان البعض في الكابيتول هيل يجادل في أن النموذج الديمقراطي العراقي لن يكون مرحبا به في المنطقة لأنه سيضع ضغوطا كبيرة على كاهل الحكومات باتجاه إصلاح نظمها السياسية. اليوم في جلسة استماع الكونغرس الأخيرة يناقش الساسة الأمريكيون ما إذا كانت أمريكا بصدد خسارة استراتيجية في انتخابات 7 مارس القادمة.
لقد صرفت الولايات المتحدة قرابة 700 بليون دولار، وخسرت قرابة 4300 جندي خلال غزوها للعراق لكي يخرج رئيس الوزراء نوري المالكي ويحذر المسؤولين الأمريكيين من التدخل في الانتخابات العراقية، بل إن بيانا صادرا عن الائتلاف الوطني العراقي (أكبر كتلة شيعية في البلاد) أول هذا الأسبوع يهدد السفير الأمريكي وجنرالاته لتصريحاتهم حول الجلبي واللامي، وانتقاداتهم "المتشنجة" –حسب وصفهم- للجارة المسالمة إيران.
كيف يمكن لإدارة أوباما أن تقف متفرجة أمام ما يحدث، لا سيما حول شرعية هيئة المساءلة والعدالة (امتداد مشروع اجتثاث البعث)، والتي وصفها معلقون أمريكيون –أمثال جاكسون داهيل (واشنطن بوست 24 فبراير) – بأنها معول هدم للاستقرار الطائفي والمصالحة الوطنية، وأن قراراتها (المسيّسة) قائمة على التشفي والظنون. ليس سراً أن الجلبي الذي لم يتمكن من الفوز بمقعد واحد في انتخابات 2005 يعود إلى الواجهة وبدعم من المجلس الإسلامي الأعلى، وحزب الدعوة، والصدريين لكي يحدد من يحق له الترشح في الانتخابات العراقية، وفق أجندة إيرانية واضحة.
ينسى المالكي والحكيم والجعفري –وغيرهم- أن وصولهم إلى السلطة في العراق كان بسبب مباشر من الغزو الأمريكي، وأن بقاء الحكومة العراقية في مكانها يعود إلى تواجد 90 ألف جندي أمريكي يقومون بحماية البلاد من الانهيار. لا شك أن العراق – من الناحية السياسية فقط- أفضل مما كان عليه زمن البعث، ولكن هذه المؤسسات الدستورية التي نراها هشة، ويمكن لها أن تنهار، أو تتحول إلى مؤسسات صورية في أية لحظة. الحكومة العراقية التي لا تتمتع بعلاقات جيدة مع دول المنطقة، حتى مع سورية، لا تملك أية إنجازات تذكر يمكن للعراقيين في الداخل أو الخارج الاعتماد عليها، حتى انخفاض سقف العنف الطائفي –نسبياً- يعود إلى براجماتية الجنرال ديفيد بترايوس في المناطق السنية أكثر منه إلى جهود الحكومة. مشكلة الرئيس نوري المالكي أنه كلما تقدم خطوة على طريق بناء "دولة الأمن والقانون" تراجع خطوات، وهو يراهن على أن الولايات المتحدة ستدعم بقاءه بوصفه أقل الضررين. المالكي يعتقد أن المطلك وآخرين ممن شملهم المنع ليس بوسعهم إقناع السنة بمقاطعة الانتخابات لأن الغالبية السنيّة قد لا تريد تكرار تجربة 2005، وربما يكون على حق في هذه النقطة تحديدا، ولكن ما لا يراه المالكي هو أنه بذلك يتحول إلى رئيس لبعض العراقيين وليس كلهم، وإذا ما أضفنا إلى ذلك سوء إدارته لملف الأمن والمصالحة والانتخابات فإن فرص استمراره في السلطة تتضاءل يوما بعد يوم.
الانتخابات القادمة سيكون لها تأثير كبير على مستقبل العراق داخليا وخارجيا، ويمكن القول إنه إذا ما استمرت بعض الشخصيات السياسية العراقية (حزب الدعوة والمجلس على وجه الخصوص) في طريق المحاصصة الطائفية فإن النتائج ستكون وخيمة. والذنب هنا ليس ذنب المالكي أو الحكيم، أو حتى الموقف الكردي المتفرج (سلباً)، بل هو ذنب إدارة الرئيس أوباما التي عبر معارضتها للحرب، جعلت العراق يفقد موقعه الاستراتيجي في الجدل السياسي الأمريكي، وهو ما بعث برسالة إلى أحزاب السلطة في العراق بأن الولايات المتحدة تريد المغادرة بشكل متعجل، وأن عليهم تأمين مصالحهم مع الحرس الثوري الإيراني إذا ما أرادوا البقاء في السلطة.
لا أحد يطالب الساسة العراقيين بأن يتحولوا إلى أعداء لإيران، ولا يمكن تصور أن لا يكون هناك تعاون تجاري وتعاطف مذهبي بين الدولتين الجارتين، ولكن أن يتحول البعض إلى أدوات مباشرة لتنفيذ توجيهات المحافظين المتشددين في طهران على شاكلة حزب الله وحماس، لا سيما في وقت أحد شعارات المعارضة الخضراء في إيران يقول "لا غزة ولا لبنان .. إيران فقط"، فهو تراجع كبير للعراق.
علينا أن لا نستغرب إذا ما كان تفكير بعض القيادات العراقية يعتمد على التعاون مع طهران أو مهادنتها، ففي النهاية كثير من الأسماء الفاعلة سياسياً كانت مرتبطة حتى أول أيام الغزو الأمريكي للعراق بالحرس الثوري الإيراني، وهي لن يحدث لها وعي سياسي مفاجئ بمصالح العراق فقط لأن الأمريكيين يرغبون بالمغادرة، ثم إن علينا أن لا نستغرب إذا ما تحول العراق إلى دولة معادية لأن دول المنطقة لم تتدخل بشكل سلمي للتأثير في الواقع العراقي، وكانوا ينتظرون أن تحترق أصابع أمريكا بعود الثقاب الإيراني حتى يثبتوا وجهة نظرهم بسوء نوايا بعض الشخصيات العراقية تجاههم. لكن مهلاً، سوء تصرف إدارة الرئيس أوباما في العراق، والتريث إلى حين توفر إجماع صيني وروسي لفرض عقوبات على المشروع النووي الإيراني، يهددان بفشل التجربة الديمقراطية العلمانية في العراق، وهو أمر إن حدث فهو خاتمة سيئة لحكاية مؤلمة عاشها العراقيون وجيرانهم.
1
أخ عادل الطائفية لاتوجد الا في عقول الساسة المرتبطين في أيران ولا عودة الى الطائفية بعد اليوم أما هولاء العملاء من أمثال الجلبي وجماعة الحكيم والمالكي هولاء لايستطيعون مخالفة أسيادهم وولاية الفقية خامنئي وأن سكتم ياعرب سوف يأتي اليوم الذي يجتثكم فية أحمد الجلبي من دياركم
عبدالله الامين - زائر
06:13 صباحاً 2010/02/24
2
الحرب الأهلية لن تعود ولا حتى المقاومة التي تم تفكيكها من الداخل بمساعدة العملاء الذين يملؤن الدنيا ضجيجاً بعد أن تم إستبعادهم من كرسي الذلة.
إيران وحلفاؤها في العراق تجاوزا مرحلة التهديد بالعودة إلى حمل السلاح لأنهم تمكنوا بمساعدة هؤلاء العملاء وقوات الإستعمار من القضاء على شرفاء المقاومين
إنتفاض فارس السعدي - زائر
08:38 صباحاً 2010/02/24
3
لقد صرفت الولايات المتحدة قرابة 700 بليون دولار، وخسرت قرابة 4300 جندي خلال غزوها للعراق لكي يخرج رئيس الوزراء نوري المالكي ويحذر المسؤولين الأمريكيين من التدخل في الانتخابات العراقية،
كيف يمكن قراءة هذه الجملة وما معناها؟
حسن - زائر
10:18 صباحاً 2010/02/24
4
أريد أن احترم عقلي فيما أقرأ و لكن لم استطع.. فتارة تقول ان الحيكم و الجعفري و المالكي قدموا بعد الغزو , فهل هم الوحيدون ؟؟ أين علاوي و المطلك و الهاشمي و غيرهم ألم ياتوا أيضا بعد الغزو ؟؟ ام هو اجتزاء لاسماء معينة فقط ؟؟ ثانيا نتكالب على الغزو الامريكي بينما تستشهد بالقائد العسكري الامريكي عندما ينتقد بعض السياسيين العراقيين ؟؟؟ و رابعا فاعلم أخي الكاتب ان الحكومة العراقية اتت بعد اربع انتخابات شعبية جماهيرية لم يحصل لها مثيل في تاريخ الدول العربية رغم الارهاب و القتل..
متابع للأحداث - عضو
10:21 صباحاً 2010/02/24
5
العراق بحاجه الى تحرر من المحتلين وطرد العملاء وابطال المخطط الغربي الارهابي لضرب السنه بالشيعه وخلق حروب بينهم وهذا ما هو مشاهد من علاقات سريه بين الغرب وايران لجعل دول الجوار الايراني قوه شيعيه , حيث وضعت امريكا والغرب حكومات شيعيه فى العراق وافغانستان
عبدالعزيز - زائر
03:04 مساءً 2010/02/24
6
من حصل شيء يستاهله!! نعم لقد تم اهداء العراق لايران على طبق من ذهب بواسطة امريكا وحلفاؤها ومن ضمنهم بعض الدول العربية المجاورة الذي لايوجد لهم اي استراتيجية انما هم ادوات طيعة لخدمة المشروع والمصالح الامريكية!!
ايران موجودة الآن وبقوة في العراق وامريكا عاجزة ان تفعل شيئا!! بعد خروج ال90000 عسكري امريكي سيتم احلالهم ب90000 (او اكثر ) عسكري ايراني في ملابس مدنية!!
استغرب من اقحام حماس وحزب الله ووصفهم بانهم ادوات مباشرة للمحافظين الايرانيين؟! حزب الله حرر الجنوب وحماس تريد ان تحرر فلسطين!!
ابو تمام666 - عضو
03:27 مساءً 2010/02/24
7
تغير مفاجى في نظرتك وتوجهك تجاه العراق استاذي الكريم ولكن أصدق ماقلت أن النموذج الديمقراطي العراقي لن يكون مرحبا به لأنه سيضيف أعباء وضغوط سياسية على دول المنطقة المجاورة.
ابو فهد - زائر
07:45 مساءً 2010/02/24
الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة