أبدأ حديث هذا الأربعاء بلازمة أترجمها من جملة يرددها زميل أمريكي ألتقيه أحيانا في القاهرة. وهو من المحبين لمصر. وهو كلما رأى منظراً يسره أو يسيئه، أو كلما وقف موقفاً يعجبه أو يحزنه، أو كلما تعرض لمضايقة في طريق أو مماحكة مع بائع، أو احتك مع زملاء واتفق معهم أو اختلف لا يزيد أن يردد لازمته: you are in Egypt . وهو لا يقصد المعنى السلبي من جملته، وهو يرى أن كل سائح عليه أن يتقبل البلد الذي يزوره بكل حسناته وسيئاته، وعليه ألاّ يقارن بين بلده والبلد الذي يزوره، وإلاّ لما أصبح للسياحة أية قيمة؛ حيث يصبح الزائر أو السائح متذمراً شاكياً، ولا ينعم بسياحته.
لكن من أين جاء هذا الزميل بهذه اللازمة؟ وهو لا يتذكر مصدرها، على أنني أتذكر أنني قرأتها في كتاب من كتب الرحالة الذين زاروا مصر في أول القرن العشرين الميلادي. كانت مصر في أول القرن الماضي تعج بالأجانب من كل بلد في أوروبا. وقرأت في كتاب صغير لمحمد عوض عن المطرب: محمد بن عبدالوهاب وأصدرته سلسلة اقرأ أن 10% من سكان القاهرة في الصدر الأول من القرن الماضي هم من الأجانب. وهذه نسبة مرتفعة جداً. القاهرة مدينة عجيبة، ومنفتحة، وتعج بالمتناقضات التي لا تخطر على بال. لهذا كله لابد أن تكون مدينة لا تشبه المدن، ولهذا يصح الجملة التي يرددها بعض الأوروبيين عندما يصفون القاهرة.
أمضيت أسبوعين ونيفاَ في القاهرة، وكلما زرتها أطفق في مقارنة القاهرة بين عقدين أو عصرين. وكلما اختلفت إلى مرابعها السياحية أو الفنية أو الثقافية قفزت على ذهني صور تقبع في الماضي، أستعيدها من قراءات سابقة، ثم أرى بجانبها صوراً تعارضها، بل وتخاصمها. لي زميل من السودان مقيم في القاهرة منذ سنوات طوال. وأنا أقول عنه إنه من مصر الجنوبية كما كان يسمي الدكاترة: زكي مبارك بلاد السودان، باعتبار وحدة بلاد النيل. زميلي المثقف الأستاذ: المبارك الفاضل يحيى عاشق متيم بمصر وبالقاهرة. وينطبق عليه بيت من الشعر قاله أديب سوداني لا يحضرني اسمه غادر مصر إلى السودان، لكنه تأسف لصنيعه فقال:
فلو كان لي علمُ ما في غد
لما بعت مصر بسودانيه
على أن صاحبي لن يبيع مصر بالدنيا كلها.
لما قيل للدكاترة زكي مبارك إنه كتب عن بغداد وعن باريس، ولكنه لم يكتب عن القاهرة. قال انه كتب عن القاهرة في كتابه: ليلى المريضة في العراق. ورجعت للكتاب فما وجدت إلاّ مدحاً مسرفاً أشبه بالذم. لكنه ذم المتيم الناقد، وهو عنى برصد المتناقضات في الحياة اليومية في القاهرة. وهو يقول: إن من حق جميع العرب والمسلمين أن تنشرح صدورهم حين يتذكرون أن لهم عاصمة تجمع بين الملائكة والشياطين، وتؤلف بين الهدى والضلال. هذه جملة استهل بها زكي مبارك حديثه الطويل عن القاهرة. وهو يسأل: من يستطيع أن يتعقَّب حركات العقول والأهواء في القاهرة؟ لقد صنع زكي مبارك قطعة أدبية في مدح القاهرة أو في ذم القاهرة، وأزعم أنه صدق فيما قال، وحتى ما يمكن عده من الذم هو مدح أو هو صورة أخرى من صور عديدة، يختلف الناس في النظر إليها. أليست القاهرة هي أم الدنيا؟ القاهرة هي صلة الوصل بين الشرق والغرب، والجمال المخضرم هو أفتن ضروب الجمال.
وأنا لا ألوم من يهيم حباً بالقاهرة، ولا ألوم من يتوجع على قاهرة أو مصر القرن الماضي. لكنني ألوم من يطلب من القاهرة أن تبقى لا تتغير. فالتغيّر سنة كونية. يحدثنا الدكتور جلال أحمد أمين أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأمريكية أن المجتمع المصري مر خلال الخمسين أو الستين سنة الماضية بتغييرات عميقة، قلبت أشياء كثيرة، وهي تغييرات غير مسبوقة في تاريخ مصر. وهو نشر كتاباً طريفاً لقي قبولاً واسعاً وطبع ست طبعات أوقفه على سؤال هو: ماذا حدث للمصريين؟ في كتابه حاول أن يصف التغييرات التي طالت الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ومكانة المرأة، ومستوى اللغة، والموسيقى، والغناء، والسينما، والحياة الدينية، والتشدد أو التعصب، والتغريب، والهجرة المصرية، والحياة الفكرية والعلمية، والتعليم العام والجامعي، وغيرها كثير.
وحيث لاقي موضوعه قبولاً واسعاً، وتعرض لمداخلات ومراجعات كثيرة فقد عمد إلى إصدار كتاب آخر ضمنه تغييرات أخرى، وتوسع في رصدها وتحليلها. وسمى كتابه الثاني: عصر الجماهير الغفيرة. وحيث ركز في الكتاب الأول على ظاهرة الحراك الاجتماعي وتداعياته، ركز في الكتاب الثاني على ظاهرة الجماهير الغفيرة، وزيادة الطلب على السلع والإعلام والثقافة. والنتيجة أن مصر بلد عجيب، ولا يمكن أن يقف أو يموت. هو كما قال عنه سائح أوروبي: أنت في مصر وكفى.
ويرتاح المثقفون العرب إلى استعادة العصر الليبرالي الذهبي المصري. وهو عصر كتب عنه الكثير وبلغات عدة. فمنذ كتاب: وصف مصر الذي ألفه ثلة من الفرنسيين الذين رافقوا نابليون في فتحه لمصر إلى كتاب جلال أمين: وصف مصر في القرن العشرين. تظل مصر تستقطب الكتاب من كل لون ومن كل فج. وقد حاولت أن أعد المؤلفات عن مصر والمصريين وعن القاهرة المودعة في دار الكتب فأعياني العد. ما سر هذا. أظن أن السر في عبقرية المكان وفي عبقرية المصري منذ آلاف السنوات حتى هذا اليوم.
في هذه الزيارة شهدت افتتاح قاهرة المعز. وهو شارع بمثابة متحف مفتوح. لهذا يمكن للسائح والزائر والمقيم أن ينتقل في عدة قاهرات: فرعونية، بطليموسية، رومانية، إسلامية مبكرة أو فاطمية، أيوبية ومملوكية ثم قاهرة إسماعيل باشا كما أحب أن أسميها. ما أعجب هذه المدينة. أليست قاهرة. أليست هي المدينة التي تعج بكل ما يوجد في الدنيا من غرائب وأعاجيب. أنت في مصر. ومصر هنا هي القاهرة. وصدق صاحبي لا يوجد وصف يجمع معاني القاهرة ومبانيها إلاّ لازمة: أنت في مصر.وإلا أين المدينة التي تزاحم القاهرة في مساورة القلوب والعقول؟ وصدق الشاعر في وصف بعض مغاني القاهرة:
وإنك لو أرسلت طرفك رائداً
لقلبك يوماً أتعبتك المناظرُ
رأيت الذي لا كله أنت قادر
عليه ولا عن بعضه أنت صابرُ
1
وإنك لو أرسلت طرفك رائداً
لقلبك يوماً أتعبتك المناظرُ
رأيت الذي لا كله أنت قادر
عليه ولا عن بعضه أنت صابرُ
التميمي - زائر
07:48 صباحاً 2010/02/24
2
اخبر صديقك السوداني بان اهل السودان لايروا على وجة البسيطة افضل من السودان بلد العفةو الشرف الا مكة المكرمة والمدينة المنورة.افهمة الدرس يا هذا؟
مهدى سعد الدين محمود - زائر
08:15 صباحاً 2010/02/24
3
وتعج بالمتناقضات التي لا تخطر على بال(هذا صحيح
ويكفي أن أسواقنا مليئة بالبرتقال العلامة المميزة,,
والمدح , والذم قد يكون مدحا أحيانا ,,
شكرا على المقال الثري.. وسأعود لأكمل
عبق الماضي - عضو
08:17 صباحاً 2010/02/24
4
يمكن يقصد يقوله انت في امان باذن الله
والله اعلم والله اعلم
مسلمة وافتخر - زائر
08:29 صباحاً 2010/02/24
5
الشيء الطريف وجود لوحة فوق مدخل مطار القاهرة الدولي يشاهدها المسافر الواصل للتو تقول :(ادخلوا مصر ان شاء الله آمنين)
خالد - زائر
08:47 صباحاً 2010/02/24
6
زرت القاهرة وترحمت على سكانها المساكين اللي ذابحهم التلوث والزحام والقمائم...الله يكون في عونهم وهذه نتائج المركزية ا
لكل هجر القرية والصعيد وجاء للعاصمة بحثا عن الحضارة ولقمة العيش حتى اصبحت لا تطاق
وياليتنا نتعلم منهم دروس
شقردية - عضو
10:25 صباحاً 2010/02/24
7
انت في مصر باختصار انت في وسط اسرتك وبكل رحابة من الكل يرحب بيك و تشعر انك في محط اهتمام وتقدير والشعب المصري شعب عبقري واصحاب نكت وفكاهة والكل صديقك انت في مصر انت في الاهرامات الشامخة التي حيرت العالم في التصيم والابداع انت في مصر تذكر بان الله اغرف فرعون فيها وانجى سيدنا موسى عليه السلام
حسن ودالماظ المسيري - زائر
12:08 مساءً 2010/02/24
8
ما اجمل ان يكتب الكاتب بحياديه وعدم تعصب او عنصريه
جميل جدا ان يطور الانسان نفسه ويتخلى عن افكار واراء كان اتجاه البوصله فيها غير دقيق
ماأجمل تصحيح الاتجاه والحريه والابداع
خالد أ الهزاع - زائر
01:24 مساءً 2010/02/24
9
السلام عليكم
أصبت كبد الحقيقة أيها الشجاع
فالقاهرة ترى فيها العجب
الطيب بجوار الشرير
الحقيقة بجوار الكذب
الجيد بجوار السئ
أرجو أن يعى كل سائح أو زائر من أى دولة هذه الحقائق
وأرجو إلا يؤخذ أى إنطباع سئ عن الشعب المصري لمجرد أن هناك سوء معاملة لأى شخص من أى مصري في مصر
فا والله هناك الكثير جدا الطيبين والجدعان
والقليل من النصابين
فأحترسوا منهم
جرب تتمشى على النيل ساعة المغربية وتشم الهواء النظيف
جرب تروح الملاهى مثلا
جرب تركب خيل
جرب تروح قرية سياحية غير مختلطة
حاجات كثير حلوة
الفارس الأخير - عضو
03:16 مساءً 2010/02/24
10
يكفينا نشرب من نيلها ونمشي في زحام شوارعها وربنا يديمها نعمة وتحيا مصر فشعبها طيب مضياف فيه طيبة لاتوجد في اي شعب في العالم
وجدي الششتاوي - زائر
04:30 مساءً 2010/02/24
11
.
تبقى مصر البلد الجميل..!
برغم كل المتناقضات فيه!!
و هو البلد الوحيد الذي يجب ان تقبله.. بعلاته !!
فلا تسأل و لا تتسائل ؟!
لأنك لو سئلت فلن تستمتع..!
قد يرتفع ضغطك أحياناً..!
و قد تتلف اعصابك احياناً..!
و قد تقول اللهم اخرجنا منها فأن عدنا فأنا ظالمون!!!
و لكن...
تبقى القاهرة في الليل غير..!
و يبقى النيل في الليل غير..!
و يبقى الإستمتاع بالصالونات الأدبية غير..!
و يبقى وجود الكُتاب و الكتاب فيها غير..!
.
لحم خنزير ذبح إسلامي؟!!!
و جدته في سوبرماركت في القاهرة؟!!
فلا تعلييق
شريفه عبدالرحمن - عضو
04:38 مساءً 2010/02/24
12
بارك الله فيك على هذا المقال الرائع الذي أوجزت فيه
hesham ghallab - عضو
01:53 صباحاً 2010/02/25
الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة