في نوفمبر 1933 أمر الزعيم الألماني أدولف هتلر زبانيته بجمع كافة الكتب المعارضة للمفاهيم النازية وإحراقها علنا في ساحات المدن الألمانية . وحين شاهد عالم الاجتماع (ويلهلم ريتش) كتبه تحرق قرر مغادرة ألمانيا فحمل حقائبه وهاجر إلى أمريكا.. وفي أمريكا استقر في نيويورك حتى قررت السلطات الامريكية (في 17 مارس 1960) إحراق مجموعة مختارة من الكتب الشيوعية والنازية وكانت المفارقة أن من بينها كتابين من تأليفه !!
وأذكر شخصيا أثناء عملي في ثانوية للبنين قبل ثمانية عشر عاما أن الشرطة قبضت على بعض الطلاب بسبب إشعالهم نارا كبيرة في الحي .. أما وقود النار فكان أسوأ من الناس والحجارة كونه تضمن كتبا لابن تيمية وابن القيم الجوزية التي ارتأوا انها تضم ما لايجوز للمسلم قراءته ... والمفارقة أنهم احتجوا بأن شيخ الاسلام نفسه أفتى بحرق الكتب المخالفة للشرع وأن ابن القيم نصح بضرورة إحراق كتب الفتنة والضلالة وأن النبي حين رأى بيد عمر كتابا من التوراة تمعر وجهه حتى ذهب به عمر الى التنور فأحرقه (!!!)
.. على أي حال الخلاف على طبيعة الكتب ومواقف الناس منها أمر طبيعي ومتوقع ؛ غير أن هذا ليس سببا لإحراقها أو مسوغا لحرمان بقية الناس منها .. فهي في النهاية أفكار ذات ديمومة واستمرارية في حين قد تتبدل الأزمنة وتتغير المواقف ويتقلب مفهوم "الكتب المضللة" .. فالانسان مغرور بطبعه، متعصب بتربيته، قد يبلغ به التحيز حد إنكار الآراء والثقافات الأخرى ومحاولة طمسها انطلاقا من وجهة نظر زمنية وشخصية ضيقة..
ويذكر التاريخ حوادث كثيرة أحرقت فيها كتب عُدت وقتها خطيرة أو مارقة في حين لا تبدو لنا اليوم كذلك أو ببساطة لا يهمنا أمرها .. ففي الصين مثلا أحرقت سائر الكتب العتيقة (عام 123 ق.م ) التي لا تناسب أفكار الامبراطور المقدس بيتشي . وفي آسيا الصغرى احرقت مكتبة برغام التي تضم (200,000 ) كتاب بسبب موجة فكرية مخالفة . وفي بغداد قذف المغول بكتب " دار الحكمة " في نهر دجلة حتى ازرق لونه لمجرد الجهل بحقيقتها .. وحين اقتحم الرومان قرطاجة (عام 146 ق.م ) أحرقوا نصف مليون مجلد من ذخائر العلوم القديمة لطمس هوية وانجازات القرطاجيين .. كما أحرق الرومان – واتهم العرب بتلك الجريمة – مكتبة الإسكندرية وكانت تضم أكثر من (700,000 ) مجلد لانعلم عنها شيئا ..... وكل هذه الحوادث مجرد أمثلة لتبيان الكم الهائل من العلوم القديمة التي فقدت الى الأبد بسبب لحظة اختلاف جنونية أو فورة تعصب فكرية (والتي لو بقيت سليمة لتسارع رتم الحضارة وكنا نقضي إجازتنا الآن فوق سطح القمر والمريخ)!!
... وليس أدل على تبدل المواقف من تغير أفكار الكاتب نفسه فيعمد لحرق كتبه بيديه (وهذه مأساة مختلفة) ؛ فسقراط وافلاطون وديكارت وكونفشيوس أحرقوا كتبا ألفوها بأنفسهم . أما الكيميائي السويسري براسيلوس فقضى عمره في محاولة تحويل الحديد الى ذهب وحين يئس احرق قبل وفاته عام 1541 جميع ما ألفه في علميْ الكيمياء والمعادن ...
أما في تاريخنا العربي فهناك أبو حيان التوحيدي الذي أحرق جميع كتبه قبل وفاته . و"كتاب القدر" لوهب بن منبه الذي ندم على كتابته فأحرقه علنا. وكتاب "الإرجاء" للحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب الذي قال عنه "وددت لو أني مت ولم أكتبه" .. وهناك على الأقل 37 عالما وفقيها ورد انهم أحرقوا بعض كتبهم قبل وفاتهم مثل ابن سينا وابن فروخ والماوردي والحافي وابن جبير وسفيان الثوري وأبو عمرو بن العلاء ...
ومع هذا أعود وأقول بعدم جواز المبدأ نفسه، وعدم أهلية أي انسان للحكم على أفكار الآخرين انطلاقا من أي خلفية ثقافية أو تاريخية .. ففي حين تتبدل الآراء وتتقلب الأهواء ويتغير مفهوم الممنوع والمسموح تُحرق النفائس وتختفي الذخائر وتتبخر الأفكار العظيمة دون رجعة!
1
تسلم
ع هالمقال الغريب يعن أنا أستغرب كيف يتعبون ويرجعون يحرقون كل تعب سنواتهم بجد شي غريب!
02:53 صباحاً 2010/02/07
2
صباح الخير ابو حسام
الله يعطيك العافية على المقال
ونفع الله بك وبعلمك
02:53 صباحاً 2010/02/07
3
موضوع في قمة الروعة
وقد تحدثت عن نقطتين قد تلغي احداهما الأخرى
فالكاتب عندما يكتب شيئا سيستمر بالشك فيه وقد يشعر في لحظة أنه أخطأ واذا كان حيا فانه يتلافى الخطأ بحرق الكتاب (تذكرت بيكاسو الذي منع من رؤية لوحاته لأنه ما انفك يعدل فيها) لكن بعد موته فان كتابه يصبح ارثا تقافيا يملكه الجميع(وقد يقدسه بعضهم وكأن كاتبه معصوم!!) فيعتبر فقده خسارة كبيرة للعالم!!
تذكرت حالة اصابتني منذ فترة قريبة ,مزقت لوحة كنت رسمتها وعلقتها أمامي فترة طويلة حتى وصلت الى مرحلة لاأرى الا عيوبها فلم اعد احتملها اكثر !!
03:05 صباحاً 2010/02/07
4
وهل يا ترى سيأتي يوم تحرق فيه مقالاتك يا أستاذ فهد ؟؟
سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم
03:14 صباحاً 2010/02/07
5
معلومات دقيقة ومفيدة
9 من عشرة
03:22 صباحاً 2010/02/07
6
انامعاك والله حرام تحرق الكتب العلمية والمفيده في حين تبقى الكتب
التافهه كالروايات السامجه والقصص الوهميه وغيرها من الكتب التي
لو حترقت أو بقيت لم يتغير من العالم شيء.موفق والجميع.
03:40 صباحاً 2010/02/07
7
تكمن قيمة هذه الكتب في انها ثمرة لعقود او سنوات طويلة من التفكير و التحليل و النقد و الاستنتاج فتكون هي بمثابة الخلاصة أو " الزبدة" و توفر الكثير من الوقت للوصول الى نتيجة معينة. بغض النظر عن محتوياتها فهي ايضا بمثابة مرشد للفكرة الصحيحة,فعندما يعارض محتواها شخص ما فهي تخبره وتقول اذهب للطرق الاخرى
03:41 صباحاً 2010/02/07
8
دائماً مبدع أبو عامر.
ولكن علينا أن نحكم بأخطاء الآخرين من منضور القرآن والسنة
وشكراً لك
04:02 صباحاً 2010/02/07
9
ماابدع ياابو حسام
ومااضن بتكون الفائده كبيره لو مااحترقت
04:05 صباحاً 2010/02/07
10
مره كنت توني طالع من مكتبه الكتاب المستعمل اللي فحي البديعه شاري 3 روايات القبله لدانييل ستيل وشيفره دافنشي لدان براون وروايه بنات الرياض لنجاح الصانع
وقفوا عندي الهيئه خذوها مني ونقزوني فالجيب كم كف على كم لشطه لي في ظهري واحرقوها قدامي وعطوني بدالها حصن المسلم والذئاب البشريه
كيف الاسود الاشاوس والله ماسكيني كأنهم لاقين ساحر من الفرحه
دخلوا على الشيخ يقول تم القبض على 3 روايات ماجنه
طيب امنعا وفكنا من الكفووف
04:17 صباحاً 2010/02/07
11
موضوع جميل
ولكن ألا ترى بأن أفكار بعض الكتاب شاطحة جدا و بعض ضعاف الشخصية قد يتأثرون بها خاصة إذا كان الكاتب يملك أسلوبا جميلا و مقنعا في الكتابة.
عموما أنا أتفق مع توعية الناس حظر الكتب لا حرقها خاصة التي تحمل أفكارا تناقض الدين والأخلاق بشكل فاضح
05:05 صباحاً 2010/02/07
12
فعلاً كُتب لم نستفد منها وتمنينا لو استمرت واستفدنا من افكار كبار العلماء بالأخص كتب " دار الحكمه ".. عصر قوة علم المسلمين..
شكراً يبو حسآم،
05:06 صباحاً 2010/02/07
13
تصدق يا أبو حسام، كنت متوقع أنك راح تكتب عن الكتب بعد مقاله (العودة إلى الماضي)
لأني بعده قرائه ذلك المقال وددت أن أعود للماضي لأنقذ كتب دار الحكمة في بغداد من يد المغول وأنقذ كتب مكتبة الأسكندرية من يد الرومان
سلمت يداك
ليتك تكتب عن الازدواجية في المعايير
05:12 صباحاً 2010/02/07
14
ؤهااايو
فعلاً رماد نفيس لان وقوده نفيس بس هناك فرق بين
أن يحرق شخص كتاب ألفه بنفسه وبين شخص أحرق
كتاب غيرة
05:12 صباحاً 2010/02/07
15
بارك الله فيك على هذا المقال الرائع.
حرق الكتاب من طرف صاحبه ارى انه امر جائز اذا راى انه تتضمن بعض المفاهيم الخاطئة أو المغالطات.
مع تحيات اخوك صادق من المغرب
http://www.***********.com
أشكرك جزيل الشكر أخي فهد على كل هذه المقالات الرائعة كما أوجه الشكر لجريدة الرياض وطاقمها.
05:30 صباحاً 2010/02/07
16
انا احرق كتبي بعد الاختبارات واستمتع وانا اشوف المعلومات تختفي من الوجود لانها قبلا اختفت من دماغي بمجرد مابديت اذاكر ماده ثانيه ,,
05:34 صباحاً 2010/02/07
17
وأن النبي حين رأى بيد عمر كتابا من التوراة تمعر وجهه حتى ذهب به عمر الى التنور فأحرقه (!!!) لكاذا علامه التعجب
على أي حال الخلاف على طبيعة الكتب ومواقف الناس منها أمر طبيعي ومتوقع ؛الخ...
اخي هل تستطيع ان تذكر ماتريد بدون المساس يالدين او نبينا
05:57 صباحاً 2010/02/07
18
فكرك فعلا لو ظلت تك الكتب ماذا كنا
الان؟
05:58 صباحاً 2010/02/07
19
ما تحسرت على كتب أكثر من كتب مكتبة دار الحكمة في بغداد التي أتلفها المغول سنة 1258 ميلادية...لطالما تخيّلت ان فيها كتب مهمة جدا تحسم كثير من الأمور الخلافية التاريخية والدينية والاجتماعية والاقتصادية التي لا نزال نعيش مأساتها حتى الآن ولكن قدّر الله ما شاء فعل
06:13 صباحاً 2010/02/07
20
ارجوا ان لا ياتي يوم.. وتظطر ان لحرق كقالاتك بنفسك...
اما بعد اني افق معك في كل شيء..
الا في اننا سوفا نقضي اجازتنا بالقمر او المريخ.. لأنه معلوم ان القداماء..
كانت اغلب اهتماماتهم في الفلسفه والدين والنفس والروح.. وبعيدا عن القمر والمريخ...
06:19 صباحاً 2010/02/07