جريدة الرياض

جريدة يومية تصدر عن مؤسسة اليمامة الصحفية

السبت 22 صفر 1431هـ - 6 فبراير 2010م - العدد 15202

ظاهرة التكفير (1-2)

يوسف أبا الخيل

أحسنت جائزة الأمير نايف بن عبدالعزيز العالمية للسنة النبوية والدراسات الإسلامية المعاصرة صنعاً بعزمها على تنظيم مؤتمر عالمي لدراسة ظاهرة التكفير، بالتعاون مع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، فالحق أن التكفير سواء كان موجهاً للأعيان أو المذاهب أو المقولات، أصبح ظاهرة بالفعل، وليس مجرد حالات معزولة هنا وهناك. ظاهرة عصية على الحل، طالما اكتفينا بمقابلته بخطاب وعظي يتكئ على مخزون تراثي يحمل الشيء ونقيضه!، لقد أثبتت مخرجات الظاهرة التكفيرية قديماً وحديثاً أن المجتمع الإسلامي لن ينجح في كبح جماحها، ما لم يضطر مشايخ التكفير ومريديهم وما يقتاتون عليه من تراث عقدي دُوِّن من تحت عباءة السياسة، إلى أضيق الطرق، بسن قوانين وأنظمة تردع أولئك المكفراتية عن تكفير مخالفيهم خوفاً من عواقبه القانونية لا المعنوية التي لا تصيد صيداً ولا تنكأ عدوا!.

إن التكفير بصفته تجريداً للمسلم من هويته الدينية والذي يقابل التجريد من حق"المواطنة"في المجتمعات المدنية المعاصرة، يعتبر حدثاً طارئاً على البنية العقدية في الإسلام، أضيف إليها فيما بعد، كنتاج طبيعي ل "تديين" الصراع السياسي الذي اشتعل بعد وقعة صفين، آية ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يكفر أحداً بعينه حتى يأتيه وحي بذلك، فيفشيه للناس بصفته تبليغاً للوحي فقط، ومع أنه كان يعرف كثيراً من منافقي المدينة بأعيانهم، إلا أنه لم يكن يَصِمُ أحداً منهم بالكفر بعينه، بل ولم يكن يكفر فعل أو قول أحد منهم بالشكل الذي يؤدي إلى تحديده بعينه، لقد كان عبدالله بن أبي بن سلول منافقاً معلوم النفاق، بل ومجاهراً بمقولاته الكفرية، مثل ما حكى القرآن عنه بأنه قال في إشارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم,:"لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل"، ومع ذلك فلم يكفره صلى الله عليه وسلم، ولما مات أراد أن يصلي عليه، فلم يمنعه من ذلك إلا نزول قوله تعالى:"ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره".

وتعظم خطورة التكفير عندما يتلازم عقدياً مع ضرورة تطبيق حد"الردة" بحق المكفر، وهو تلازم معروف في المنظومة التقليدية على اعتبار أن هناك طوائف إسلامية أخرى، كالمعتزلة ليس في منظومتها الفكرية مثل هذا التلازم من منطلق أنهم يردون ما يتعارض مع القرآن الذي لم يقرر عقوبة دنيوية بحق المرتد من جهة، ومن جهة أخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل أو يهدر دما من غيَّر دينه إلا عندما يقرن ذلك بالإتيان بأفعال وطوام تتماس بالسلب مع أمن الدولة سياسياً أو اقتصاديا أواجتماعيا، وقصة العرنيين خير شاهد على ذلك، فقد سطوا على أحد الموارد الاقتصادية للدولة عندما مالوا على الرعاة فقتلوهم وارتدوا عن الإسلام وساقوا ذَودَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فبعث في إثرهم فأتي بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم وسَمل أعينهم، وتركهم في الحرة حتى ماتوا"، فهذا جزاء من جنس العمل، قتلوا الرعاة، وفي رواية أخرى أنهم سملوا أعينهم من جهة وخرجوا على الدولة والنظام والمجتمع من جهة أخرى، فكانت عقوبتهم حينها عقوبة مدنية بحتة لا علاقة لها بردتهم عن الإسلام.

وأبو بكر من جهته قاتل المرتدين لا لأنهم غادروا الإسلام كعلاقة روحية تربط العبد بربه، بل لأنهم فارقوا جماعة المسلمين، تلك المفارقة التي تساوي بلغة عصرنا: تهمة الخيانة العظمى وهي تهمة لا يتسامح معها أي نظام حاكم علمانياً كان أم دينيا.

ومن حينها أصبح التكفير أداة من أدوات المعارضة السياسية، فكل طائفة، أو فرد، أو معارض لا يستطيع أن يدحض شرعية خصمه سياسياً إلا بتكفيره، ومع طول الأمد وعَجْزُ الفقه عن بلورة نظرية سياسية مدنية واضحة، واكتفائه بإرساء مبدأ"من غلبت شوكته وجبت طاعته"، توسع التكفير فأصبح وسيلة لفض النزاعات الفكرية البحتة، وإن شئت فقل: أنجع وسيلة لإسكات المخالف!.

فيما بعد، حاول الفقه تنظيم عملية التكفير فوضع لها ضوابط، من بينها عدم تكفير المعين إلا بعد توافر شروط التكفير فيه وانتفاء موانعه عنه!، ومن طبائع الاجتماع البشري أن التحقق من توفر شروط التكفير وانتفاء موانعه في حق أي فرد لا يمكن أن يتم من دون تدخل سلطة سياسية تحتكر إجبار الأفراد المنضوين تحت لوائها على المثول أمام من يستطيع التحقق من ذلك، مما يعني نظرياً على الأقل أن التكفير لا يمكن أن يتم شرعاً إلا من تحت قبة القضاء.

وإن تعجب فعجبٌ زعم أشيمطة التكفير لدينا أنهم لا يكفرون الآخرين بأعيانهم، وإنما يكفرون أقوالهم، لكن طريقة صياغة أسئلة التكفير التي تتلى عليهم من قبل أغيلمتهم، وإجابتهم هم عليها تدل دلالة قاطعة على أنهم يُكفِّرون أناساً معينين بأسمائهم، ولكي تستبين أيديولوجيتهم في نصب الشراك التكفيري العيني لمخالفيهم، هاكم نموذجاً لتلك الفتاوى التكفيرية التي تتكون من سؤال يتضمن الإجابة المطلوبة، وإجابة تستجيب لرغبة السؤال!

تتم صياغة السؤال التكفيري على النحو التالي:

فضيلة الشيخ (فلان بن فلان)، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، شاع في كثيرٍ من الكتابات الصحفية جملةٌ من المخالفات العقدية المصادمة لأصول الشرع، ومن ضمن تلك الكتابات مقالة نشرت في جريدة (كذا) عدد (كذا) بعنوان (كذا) قرر فيها كاتبها(كذا وكذا)، أفتونا في حكم ما جاء فيها مأجورين!.

ثم تأتي إجابة الشيخ المكفراتي على النحو التالي:

بعد أن يذكر جملة من القواعد والاستشهادات التي تهيئ الذهنية التقليدية لقبول "الفتوى" التكفيرية، يعود فيقرر أن من زعم كذا وكذا(إعادة مقتطفات المقال المرفقة بالسؤال)، فإنه يكون قد وقع في ناقضٍ من نواقض الإسلام، فيجب أن (يُحاكم!) ليرجع عن ذلك، فإن تابَ ورجع، وإلا (وجب قتله!) مرتداً عن دين الإسلام، فلا يغسَّل ولا يكفَّن، ولا يصلى عليه، ولا يرثه المسلمون.

هكذا تكون الفتوى التكفيرية، استفتاءً وإفتاءً، قد صرحت بتكفير معين، وشرعنت لاغتياله، فمن جهة تحديدها للمكفر بعينه، نجد أن السؤال متضمن لعنوان المقالة، واسم الجريدة ورقم العدد، ومقتطفات أجتزئت من سياقها في المقالة!، والإجابة متضمنة هي الأخرى، تلك المقتطفات التي وردت في السؤال، ثم تكفير، والحكم بردة من يقول مثل هذا الكلام، وكاتب المقال قد تم تعيينه مسبقاً بتحديد مقالته.

وأما شرعنتها لاغتيال من صدرت بحقه فتوى التكفير، فنجدها واضحة في الصياغة اللغوية للفتوى، ففعل المحاكمة يبنى للمجهول،: "يجب أن (يُحاكم)"، والفاعل (=مَن ينفذ الحد) مجازي هو مصدر: قَتَلَ،:"وجب (قتله)"(والهدف تغييب الفاعل الحقيقي الذي يجب أن يُسند إليه تنفيذ الحدود وهو الحاكم)، وهي صياغة توحي أولاً، بأن من حق طلبة "العلم!" محاكمته أولاً، وهي ما توفرها الفتوى التكفيرية، وثانياً، أنه يحق لآحاد المسلمين تنفيذ الحد فيه، بعد أن يتقاعس الحاكم عن ذلك، والقول بتنفيذ الحدود من قبل "العلماء وطلبة العلم" يشكل أحد الاختيارات الفقهية المعروفة في المنظومة الفقهية السلفية.

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الرياض" الإلكتروني ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر، وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى الضغط على زر "التنبيه" أسفل كل تعليق

عدد التعليقات : 17
(جديد) ترتيب التعليقات : الأحدث أولا , الأقدم أولا , حسب التقييم
عفواً ترتيب التعليقات متاح للأعضاء فقط...
سجل معنا بالضغط هنا
  • 1

    اجمل ما يمكن ان يطلق عليهم
    شيوخ تايوان
    كالصناعة المقلدة ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب

  • 2

    معنى الكلام لا يوجد شيء اسمه كفر وردة إلا بالخروج عن طاعة ولي الأمر!!!
    هذا الفقه الجديد

    د. عبد الرحمن التميمي (زائر)

    UP -1 DOWN

    06:33 صباحاً 2010/02/06

  • 3

    التكفير وماادراك ماالتكفير والمشاحنات والسباب بين المذاهب هي عامل التخلف ولماذا المسلمون يتجهون للقدح في بعضهم الا توجد ديانات اخرى خارجة عن الاسلام ويعبدون غير الله لا يطالهم مايطال المسلمين من بعضهم وان هذه المهاترات لاطائل منها كلا مقتنع بمذهب وعقيدته واقول كل ذلك من فعل الشيطان يملى للتكفيرين بالحصول على الشهرة والدرجة الرفيعة من وراء افعالهم.

  • 4

    الشيخ يوسف بورك فيك. التكفير ظاهرة قديمة قدم الوجود الإنساني. وتتجدد في الواقع المعاصر للناس حتى عند الأمم السابقة وفي بلادنا بالذات. جميل أن تتصدى لها لكن الأجمل أن تدفع الصحيفة بأن تتبنى مقالاتك في إصدار من إصدارات المؤسسة لعل ذلك أجدى وأنفع

    حسوم الحسومة (زائر)

    UP 0 DOWN

    07:02 صباحاً 2010/02/06

  • 5

    دون سن قوانين واضحة وتفصيلية تقتصر الأمر على المنظومة الرسمية وبضوابط ستبقى المشكلة مستمرة لوجود الأمر ونقيضه بكتب التراث كما تفضلت.

    معيد (زائر)

    UP 2 DOWN

    07:27 صباحاً 2010/02/06

  • 6

    الكل بات يعرف من أين جائو مشائخ التكفير وأي منهج يتبعوه

    محمد (زائر)

    UP 1 DOWN

    07:46 صباحاً 2010/02/06

  • 7

    "من غلبت شوكته وجبت طاعته"إذا فلو غلب التكفيريون لوجبت طاعتهم،هل هذا ما تقوله مدارس الفقه؟وهل هذا من الدين أم من السياسة؟الحقيقة أن ذلك ما يحدث بالفعل،وحين يكتوون بنار التكفير يتبرؤون منه،كما يتبرأ الشيطان من أتباعه قائلا إني أرى ما لا ترون،والفرق أن إبليس يرى حقا،ويرى هؤلاء مصالح ستطير مع التكفير.

    Humood (زائر)

    UP 1 DOWN

    08:30 صباحاً 2010/02/06

  • 8

    المكفراتية
    أشيمطة التكفير
    إجابة الشيخ المكفراتي
    اولا ارفع مستوى مقالك وهذاه الطريقه لاتقدم ولاتؤخر اذا كنت تريد اعادة المجتمع الى الصواب
    ثانياارجع للاعلام قبل 20سنه واكثر كل وسائل الاعلام السابقه يكو ن لديك العجب
    الجيل السابق وصل الان للمجتمع ومن ربى هذا الجيل ومن يتحمل المسؤليه
    المسؤليه جماعيه من اعلى الهرم الى اسفله وهذا ليس عيبا ولكن المعيب طريقة المعالجه التي يلزمها وقت ولاتتم بمثل هذه المقالات

  • 9

    انا اجزم ان من سلكوا مسلك التكفير وقتل الابريا مادفعهم لهذا إلا الطمع بالسلطه ولم يجدوا ما يقنعوا به العوام والشباب الذين قسى عليهم الزمن وحدتهم الحاجه إلا الدين فا اوهموا الناس بانهم عباد الله المخلصين وان لاأطماع لهم بالدنيا وان محاربة من لايدين بالاسلام ومن يعملهم ويتعامل معهم واجبه هذا هو مااقنعو الناس به وطمعوهم برضا الله ومجازاته لهم بالجنه
    لذا صدقهم من دعوه وهو قد ضناه الفقر او قد اقترف ذنبا وقسى عليه المجتمع
    بعاداته التي لاترحم من زلت به الاقدام عن المثل التي يمتثلون بها
    لذا يجب

  • 10

    التكفير ان تكفر شخص يشهد ان لا اله الا الله وان محمد رسول الله
    فأن كان المكفور شخص مسلم يعمل بالاسلام فهي 100% تسقط على المكفر

    ابو احمد (زائر)

    UP 2 DOWN

    10:31 صباحاً 2010/02/06

  • 11

    أخطر ما قد يقع فيه المسلم هو تكفير المسلم ويبقى حكم الكفر والردة له ضوابط وأصول وأحكام وحالات معروفة لأهل العلم ويجب تحذير العامة من الخوض فيها إلا بعد علم ودراية وبحث ورجوع لأهل العلم
    المسألة ليست مزحة بل كارثة كبيرة

  • 12

    التشدد سبب التكفير في كل الاحوال

    من سنين طالب الترقية في التعلي (زائر)

    UP 1 DOWN

    11:36 صباحاً 2010/02/06

  • 13

    التكفير والتكفيرين وكأنكم امتداد لحرب اعلاميه
    ايرانيه ضد خصومها في هذا البلد
    ما علينا الذي يحكم بين عباده يوم القيامه هو الله سبحانه وتعالى
    ركزوا على حاضرنا
    معركتنا اليوم على حدودنا الجنوبيه
    ودعونا من احداث لها 1400 سنه لتسقطوها على واقعنا اليوم
    ترون الزمان والمكان اختلف
    والناس اليوم غير

    حسن اسعد الفيفي (زائر)

    UP 0 DOWN

    01:48 مساءً 2010/02/06

  • 14

    التكفيريون لم يسلكوا سوى المسلك الفرعوني الجائر ( ما أريكم الا ما أرى وما أهديكم الا سبيل الرشاد ) المشكلة الحقيقية تكمن في السلطة التي يتصرفون باسمها وفي الصلاحيات الممنوحة لهم من قبل الدولة، انزعوا عنهم تلك الصلاحيات فلن ترا لهم صياح يعلو بعد الآن هذه هي المشكلة في رأيي لولا انهم يعثون في الأرض فسادا باسم السلطة الممنوحة لهم وكما قيل من أن العقوبة أساء الأدب ولهذا كان الحل الذي طرحته استاذي القدير أن كل تكفير يصدر يواجه بعقوبة من ولي الأمر فعند إذن يرجع هؤلاء الى جحورهم ويكون خطرهم عليهم

  • 15

    لايوجد مكفر ولكن هناك من يحاول إرضاء مجموعة من الناس انه متوازن بين بين ومائل للبين الاول الله المستعان

    خالد بن خالد ابو خالد (زائر)

    UP 0 DOWN

    08:46 مساءً 2010/02/06

  • 16

    أحسنت أستاذ يوسف.
    بالفعل هؤلاء الدعون للعلم , الزاعمون بقدرتهم على الحكم على عباد الله وتصنيفهم أصبحوا كالوباء !!
    هم يتنعمون بزيجاتهم المتعددة , ويتربعون في صوامعهم , معطين الأوامر لأغيلمتهم بأن هذا كافر , وهذا فاسقٌ , وذاك مرتد !!
    إن لم يؤخذ على أيدة أولئك المعتوهون فإن الفتنة ستكبر وتكبر !
    لك كل التقدير والمحبة أستاذ يوسف و وأنت أحد من أصابك بعض من أذاهم , ولكن الله بإذنه ومشيئته معك , ونحن جميعاً معك.
    دمت علماً للتنوير , ومعولاً للبناء.

    ريتشارد نصري

    UP 1 DOWN

    10:27 مساءً 2010/02/06

  • 17

    (التكفير.. "هو" الذي يقابل التجريد من حق"المواطنة"في المجتمعات المدنية المعاصرة) أطلب من كاتبنا الكريم التركيز على هذه النقطة. يعتبر د.أيمن الظواهري أن كاتب المقالة (وقارئها!) من الكفرة. الجواب على هذا، وليكن. الصدق أننا نحن من نكفر بأفعاله. لا عيب في التكفير، المشكل في القتل، معنويا كان أو ماديا.

    قارئ (زائر)

    UP 0 DOWN

    01:29 صباحاً 2010/02/07