الرئيسية > مقالات اليوم

الحداثة بين السلف والخلف


يوسف أبا الخيل

ثمة مجال ميتافيزيقي آخر،كان فيه لبعض السلف تأويل مخالف،بل وصادم لوجدان ومشاعر الخطاب الديني المعاصر،المحلي منه بشكل خاص.يتعلق الأمر بتحديد ماهية الوساوس الشيطانية.أحقيقة هي،أم أنها مجرد إيحاءات وشطحات نفسية؟.

لقد استقر الخطاب الديني المعاصر على أن للشياطين ووساوسهم حقيقة،بغض النظرعن قولهم:إنها حقيقة لا يُعلم كنهها. وأن الشياطين،وفقاً لذلك،لا يفتأون عن ترصد بني آدم بالوساوس والدسائس ليضلوهم بها عن سواء السبيل.وهذا التأبيد التقليدي الأرثوذكسي ل"حقيقة" الشياطين ووساوسهم،أفرز عازلاً ثقافياً صلباً ضد أي اختراق تأويلي آخر قد يقرب المسألة من تخوم العقلانية(قارن:ما جرى للشيخ محمد عبده،عندما حاول تأويل الوساوس الشيطانية بأنها عبارة عن أهواء النفس البشرية).

لكن قبل الحديث عن تأويل السلف للشياطين ووساوسهم،دعونا نحدد الفترة، التي كانت تُتداول فيها مثل تلك الآراء الغريبة على السياق الإسلامي المعاصر.تلك الآراء التي تقترب من تخوم مخالفة ظواهر النصوص القرآنية. هذه الفترة هي الهزيع الأخير من الفترة الكلاسيكية الإسلامية،حسب تسمية المفكر العربي:محمد أركون.والتي تبدأ،حسب رأيه، من ظهور الإسلام في الربع الأخير من القرن السابع الميلادي،وتنتهي بنهاية القرن السادس الهجري. وهي الفترة التي بلغت فيها الحضارة العربية الإسلامية أوجها.بعدها دخلت تلك الحضارة مرحلة الخفوت والتواري،إلى أن وصلت مرحلة الجمود المدرساني،باجترار المتون الفقهية والعقدية وشرحها،ثم الشروح على الشروح وهكذا. وهو اجترار لا يزال يأخذ بحجز الخطاب الديني المعاصر عن أن يكتشف طرقاً تأويلية أخرى للنص الديني، تستطيع أن تخرجه،أعني الخطاب الديني،من أزمته البنيوية مع المعاصرة!.

لربما نستطيع أن نستنج،إذا ما نحن استدعينا تلك الفترة الزاهية، والتي كانت مخاضات للرأي والرأي الآخر بكل حمولاته التي قد تكون غير إسلامية، معياراً ثقافيا مهما يساوق الحضارات في رقيها وانحطاطها.معيار يمكن أن يجزم بأن ثمة علاقة طردية بين تفوق الحضارة،أية حضارة،وبين التعددية التي تتوافر عليها الثقافة الحاضنة لتلك الحضارة. بل ربما يمكن الجزم بأن تلك العلاقة من الطردية بمكان، لدرجة أن تقهقر أية حضارة يعني، بالضرورة، خفوت التعددية فيها،والعكس صحيح.

ومع خفوت التعددية، كما في حال ثقافتنا المعاصرة، يبرز نقيضها ممثلاً بشيوع موجة عارمة من الفوبيا الطفولية،التي ترتعد فرائصها من مقال عابر في جريدة سيارة، أو من رواية هنا،أو من فيلم هناك،خوفاً من انتهاكها لحمى الدين!.

في بداية القرن السابع الهجري غيب الموت إماماً موسوعياً ألف تصانيف كثيرة،في الفقه والعقائد،كما في العلوم والطب، ذلكم هو :فخر الدين محمد بن عمر الرازي،(543 606ه). من أبرز تصانيفه، كتاب:(التفسير الكبير،أو مفاتيح الغيب من القرآن الكريم). وهو الكتاب الذي تعرض فيه بالتحليل لظاهرة الوسوسة والشيطان. يشير الدكتور محمد عابد الجابري في كتابه:(فهم القرآن الكريم:القسم الأول)،عند تفسيره لسورة الناس،كيف أن الرازي حلل ظاهرة الوسوسة من الناحية العقدية و"العلمية" والمنطقية،عند تفسيره لسورة الفاتحة.حيث أورد،أولاً،بعض الآثار التي تتحدث عن كيفية تماس الشيطان مع بني آدم،مثل قوله صلى الله عليه وسلم:"إن الشيطان يجري من بني آدم مجرى الدم، ألا فضيقوا مجاريه بالجوع".وكذلك قوله عليه السلام:"لولا أن الشياطين يحومون حول قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السموات". ثم حلل مضمون هذه الآثار من وجوه نقدية عديدة بقوله:"ومن الناس من قال:هذه الأخبار لا بد من تأويلها لأنه يمتنع حملها على ظاهرها. واحتجوا عليه بوجوه:"الأول:أن نفوذ الشياطين في بواطن الناس محال، لأنه يلزم منه، إما اتساع تلك المجاري أو تداخل تلك الأجسام.الثاني:العداوة الشديدة الحاصلة بين الشيطان وبين أهل الدين، فلو قدر على هذا النفوذ(=الدخول في الأجسام) فلِمَ لا يخصهم بمزيد من الضرر؟الثالث:أن الشيطان مخلوق من نار(قصة إبليس في القرآن)، فلو دخل في داخل البدن لصار كأنه أنفذ النار في داخل البدن ، ومعلوم أنه لا يُحس بذلك.الرابع: أن الشياطين يحبون المعاصي وأنواع الكفر والفسق، ثم إنا نتضرع إليهم بأعظم الوجوه إليهم ليظهروا أنواع الفسق فلا نجد منه أثراً ولا فائدة. وبالجملة فلا نرى من عداواتهم ضرراً ولا من صداقتهم نفعا".

وبعد أن يذكر،أعني الرازي، حجج مثبتي الوسوسة والشياطين، يعود فيفند تلك الحجج مرة أخرى من وجهة نظرعلم النفس والفلسفة القديمين، فيقول، بعد أن يعرض رأي الغزالي في المسألة،:"إذا عرفت هذا فاعلم أن نفاة الشيطان والوسوسة قالوا: ثبت أن المصدر القريب للأفعال الحيوانية هو مصدر هذه القوى المذكورة في العضلات والأوتار. فثبت أن تلك القوى لا تصير مصادر للفعل أوالترك إلا عند انضمام الميل والإرادة إليهما. وثبت أن تلك الإرادة من لوازم حصول الشعور بكون ذلك الشيء لذيذاً أو مؤلما. وثبت أن حصول ذلك الشعورلا بد وأن يكون بخلق الله تعالى ابتداء، أو بواسطة مراتب، شأن كل واحد منها في استلزام ما بعده على الوجه الذي قررناه.وثبت أن كل واحد من هذه المراتب ترتب على ما قبله، أو لزم لزوماً ذاتياً واجبا. فإذا أحس بالشيء وعرف كونه ملائماً مال طبعه إليه.وإذا مال طبعه إليه تحركت القوة إلى الطلب.فإذا حصلت هذه المراتب حصل الفعل لا محالة.فلو قدَّرنا شيطاناً من الخارج، وفرضنا أنه حصلت له وسوسة، كانت تلك الوسوسة عديمة الأثر،لأنه إذا حصلت تلك المراتب المذكورة حصل الفعل، سواء حصل هذا الشيطان أو لم يحصل. فعلمنا أن القول بوجوده وبوجود الوسوسة قول باطل.بل الحق أن نقول:إن اتفق حصول هذه المراتب في الطرف النافع سميناها بالإلهام. وإن اتفق حصولها في الطرف الضار سميناها بالوسوسة".

إذاً، هاهو الرازي المفسر والعالم والطبيب، يعرض، قبل أكثر من ثمانمائة سنة،آراء مختلفة فيما يتعلق ب"وجود" الشياطين ووساوسهم، وبعض تلك الآراء معارض لظواهر النصوص. لكنه يذكرها بلا خوف أو وجل من فتوى تكفير، أو اتهام بالزندقة،, أو بخروج عن سواء السبيل!. وإن تعجب فعجب أن الرازي لا يذكر هذه الآراء الصادمة لشعور الخطاب الديني المعاصر، في كتاب ألفه عن المنطق أو الفلسفة، بل إنه يذكرها في سِفر خصصه لتفسير القرآن الكريم!. ولو قُدِّر لأحد منا نحن مسلمي القرن الحادي والعشرين أن يحاول إخضاع أية مسألة"علمية" جاءت في أثر من الآثار، كما في مسألة جناحي الذباب، من منطلق إخضاعها ل"منهج الجرح والتعديل العلمي/ المخبري"، ليبني على نتيجته صحة أو عدم صحة الحديث،تماماً،مثلما فعل أهل الحديث، حينما أخضعوا الآثار النبوية لمنهج الجرح والتعديل السيروي(سير رواة الحديث)، أقول لو قدر لأحدنا أن يغامر هكذا، لآذنه أغيلمة وأُشيمطة التيار التكفيري بحرب تكفيرية، يجد نفسه فيها، لاخارج الوجود الاجتماعي فحسب، بل حتى خارج الوجود الحياتي!.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 13

  • 1
    حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم واضح والتأويل البعيد غير مقبول فلا هو يستند للغة
    ولا هو يستند لأحاديث أخرى يمكن الاعتماد عليها لنقض المعنى الواضح من الحديث
    وسيأتي غيرك وينكر وجود الجن ويئوله تأويلات أخرى ثم الملائكة وهلم جرى
    هذه ليست طريقة علمية البتة وعدم العلم أو عدم الاستيعاب لأمر ما لا يعني العلم بالعدم أو أن هذا الأمر لا يمكن أن يحصل
    فمن كان يتخيل قديماً أن شخص في تونس يستطيع أن يتحدث مع شخص في السعودية في نفس الوقت؟

    فلوجة11 - عضو

    03:30 صباحاً 2010/01/30


  • 2
    جزاك الله خير على معلومة الرازي وأنه عاش ما بين 543 و 606...فقد أكدت ردي السابق على الجزء الأول من موضوعك الكريم...في هذه الحقبة انتصر صلاح الدين الأيوبي على الصليبيين واسترد القدس..بينما الرازي رحمه الله كان يبحث في ما يتعلق ب "وجود" الشياطين ووساوسهم..لست ممن يكفرون الرازي أو أي مسلم والعياذ بالله..لكن كما قلت سابقا العلماء "الحق" كانوا مشغولون بما هو أهم في تلك الحقبة..اشكرك على المعلومة التي أكدت ظني.."علميا"..و "تاريخيا"..وها هو التاريخ يعيد نفسه :)

    ابوعبدالله الفريدي - عضو

    04:59 صباحاً 2010/01/30


  • 3
    قد فعلوا.
    كفروا الرازي وأبن سيناء وغيرهم كثير وفسقوا بعض ممن ذكرت وكثير ممن لم تذكر.
    كانت غفوة مريعة إمتدت لسنوات طوال سرقت من عمر هذه الأمة.
    وما كانت لتفعل كل ما فعلت لولا أن جبن بعضنا فنحن نتحمل جزء من المسؤولية.

    المعايير - زائر

    07:36 صباحاً 2010/01/30


  • 4
    وماهية الطريقة العلمية يامعلق رقم (1)؟؟؟ الجبان سمى جبان لأنه يخاف، ولوتعلم الجبان لزال خوفه الى الأبد، فالخوف يأتي من الجهل والجهل يسبب الخوف والجبن والتقوقع.

    أبو منصور - زائر

    09:03 صباحاً 2010/01/30


  • 5
    مالفائدة من تكرار آراء الجابري في مقالتك !.
    والإسلاميين ربما يستنكرون بشدة من ينكر وجود الشيطان، لكن مسألة دخول الشيطان في عروق الآدمي هل هو حسي أو معنوي فهذا مسألة قد تختلف فيها وجهات النظر، ولا تحتمل المسألة تلك الإتهامات التي تكيلها للإسلاميين والسلفيين !.
    فأنت متطرف في حكمك على الإسلاميين، مع أنك تحارب التطرف الإسلامي كما تزعم !.
    فالذي فهمته منك أن الذي لا يؤمن بالداروينية مثلا في نظرك كافر بالعلم والتقدم والتكنلوجيا وهذا تطرف في الحكم على الآخرين !

    منور الخليف - عضو

    10:28 صباحاً 2010/01/30


  • 6
    للأسف أن علماء الغرب بسبب ماعانوه من الكنيسة أصبحت عندهم ردة فعل تجاه الدين والخالق، فالذي ينكر مثلا نظرية داروين بل الذي يؤمن بوجود خالق للكون عند بعضهم هو كافر بالعلم التجريبي وهذا ليس صحيح.
    هناك مدارس علمية كثيرة ترفض نظرية داروين، ومن حقنا أن نرفضها وهذا لا يعني اننا نكفر بالعلم التجريبي !
    وأنت ياعزيزي يبدو أنك تمارس هذه السياسية فإما أن نؤمن بما تؤمن به أو بما يؤمن به قدواتك أو نكون كافرين بالحداثة،
    وهل الحداثة في نظرك هو الثورة لمجرد الثورة حتى على الحقائق والإحتمالات التي لم تحسم

    محمد عبد الله الرويلي - عضو

    11:08 صباحاً 2010/01/30


  • 7
    الأخ/ أبو منصور.
    ما قصدته ألا يكون تأويلنا للأحاديث خاضع للظن والهوى فعندما يكون حديثاً واضحفلا يمكننا صرفه لمعنى آخر أبداً إلا بطريقة علمية
    مثلاً / وجود أحاديث أخرى تدعم المعنى الذي أولنا فيه هذا النص
    أو كون هذا الحديث لا يصح وهنا يسقط الاستدلال به
    أو كون التأويل يستوعب اللغة العربية ومعانيها
    أم بغير ذلك فلا فنحن مطالبون بالإيمان بما قاله الله ورسوله سواءاً استوعبنا هذا أو لم نستوعبه
    نؤمن بالله وكتبه ورسله وملائكته... الخ
    كما نؤمن بالشيطاين وأنهم يجرون من الإنسان مجرى الدم

    فلوجة11 - عضو

    11:42 صباحاً 2010/01/30


  • 8
    نحن نؤمن بظاهر تفسير القرآن
    بان الشياطين خلق من خلق الله
    يوسوسون للناس
    ولا علينا من الرازي
    وفلفسة اليونانيين الزنادقه
    لنسقطها على احدايث الرسول وايات القرآن الكريم
    علينا ان نشغل انفسنا روح وجسد
    جسد بلا روح موت
    فناء الحسد وتحوله الى تراب
    البعث عودة الروح للجسد والحساب
    اما جنة نعيم او عذاب

    حسن اسعد الفيفي - زائر

    01:03 مساءً 2010/01/30


  • 9
    ندعوا للكاتب ان يعطية الله على قدر نيتة , فان كان الهدف ركوب الموجة لاهداف دنيوية على حساب الحق ندعوا الله ان يردة ويرد الجميع الى طريق الحق , وان كان هدفة معالجة اخطاء وقع بها من قبلنا , نرجو من الله ان يوفقة ويوفقنا جميعا لما نحن بحاجة الية اكثر...واوصي الكاتب بان ينتبة فهو كحاطب الليل؟!

    د_ عبد ال رحمن الراشد - زائر

    02:06 مساءً 2010/01/30


  • 10
    طيب ماذا عن خرافة تلبس الجن بالانسان
    كيف يمكن تأويلها ؟

    أبو عبدالله - زائر

    02:08 مساءً 2010/01/30


  • 11
    اما وان في الدين علما فذاك هو المضحك بعينه وكفى به ايمانا وحسب ودعوا العلم الدنيوي وشأنه حيث آمن به من يحوزون الآن على السبق الحضارى ونحن نسفسط. ليس في الدين اي حقائق علمية وهذا المجتمع بالذات ليس جاهزا بعد لمناقشة الايمانيات و الثوابت طبقا للعلم الحديث.

    محمد ابو عزيز - زائر

    05:22 مساءً 2010/01/30


  • 12
    الحمدلله على نعمة الإسلام والعزة بالقرآن والسنة والاطمئنان بتقديمهما على ما سواهما. الحمد لله

    أبوسليمان بن محمد - زائر

    11:12 مساءً 2010/01/30


  • 13
    كثر الحديث عن الخطاب الديني و الأدلجة النفسية و عدم وجود الأدلة المادية
    متناسين أن الأنسان حقيقة مكون من عدة تركيبات أساسية المادة تشكل جزء منها و ليست حتى الجزء الغالب بل هذا الجزء المادي هو الجزء المغلوب و الفاني في نهاية المطاف..
    المفكر السعودي ليته (يفكر)بينما يقرأ بدلاً من نقله لموروثات أمم أخرى حتى بدون دراية لما ينقل.. ليته يكون شجاع كفاية ليعترف بأن الحق حق و يفتخر به بدلا من نشر التهم بالجبن و التقوقع في سبيل فقط لفت الانتباه.

    هديل.ع - عضو

    10:26 صباحاً 2010/02/01



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة