(1 )
عاودت لجنة إبداع بالنادي الأدبي بالطائف ، يوم الثلاثاء من الأسبوع الثالث أولى فعاليات نشاطها لهذا العام ، وبدأت هذا النشاط بمحاضرة منبرية عن التاريخ النقدي للفن القصصي ، للأستاذ قليل الثبيتي ؛ وقد قيل في هذا البدء أمور كثيرة ، يهمنا منها هنا ما يتعلق بهذا الفن الذي تجاذبه المتن والهامش ؛ ذلك أن اللجنة ركزت نشاطها على فن القصة القصيرة ، إبداعا ، ونقدا ، وورش عمل وحوار ، إيمانا منها بمساحة من الفضاء الثقافي تمنح لهذا اللون الإبداعي ،بقدر إنجازه ، واتساقا مع تحولاته ،واستنطاقا لأسئلته ، وتجاذبات المرحلة الثقافية حول هذا الأفق ؛ ذلك أن الاتجاه نحو كتابة القصة القصيرة كان تحولا من التحولات العديدة التي شهدتها الكتابة الإبداعية في الثقافة العربية ؛ فبعد أن كان الشعر والخطابة يتربعان على القمة ، مع وجود هوامش لألوان من النثر في الرسائل ، والأخبار ، والقصص الحكائي التعليمي والترفيهي ؛ في مثل ألف ليلة وليلة ، والمقامات ، والقص على ألسنة الحيوان ،وحكاية طرائف وغرائب الحمقى والمهمشين ، جاء التاريخ الحديث ليجعل للقصة القصيرة مكانا يشكل الرؤيا ، ويبني الأحداث من خلال سرد لحيوات شخصيات ، ومسارات حياة ، تغادر بها الرؤيا التنظير لتكون واقعة على الأرض ، تعيش بوعي الإنسان في وجوده ، وتلابيب ذاكرته ، يفرغ فيها الإنسان فزعه من دوامة الحياة ، وخضوعه تحت طائلة المصير والمشاهدة ، ليكون مشكلا لرؤيا ومبدعا لأحداثها ومساراتها . .. جاءت القصة فاحتضنت نوازع القلق الإنساني ،وانتزعت أبطالها من دوائر القهر والتسلط والتهميش ؛ ليكونوا وجودا في الذاكرة الإنسانية ؛ لا نقرأ تهميشهم وجور التسلط عليهم إلا ليكون ذلك وعيا بالحق الإنساني ، ومساءلة للضمير ، وتشكيلا لوعي جديد ؛ وانتزعت الإنساني من دائرة حدث ، وصار ؛ إلى أن يكون مستبقى بعد لحظة ذلك الحدث ؛ فيفارق وجوده الطللية والعدمية ، ويعانق الوجود الإنساني في امتداده إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها . إن تحول المصير إلى ذاكرة والعلاقة الحية المكتوبة إلى علاقة جديدة مع قارئ ومتأمل ، يجعل تلك اللحظة التي كتبت في دائرة اشتغال ووعي .
وإذا كانت الرواية تستعرض قطاعا عريضا وحيوات متباينة تصهرها رؤية الكاتب .. فإن القصة تفعل ذلك على نحو مكثف ، مع الأخذ في الحسبان أنها ليست اختصارا لا في الزمن ولا مساحة السرد ، ولا تنوع الرؤيا ، ولكنها تفعل ذلك عبر ومضة تلتف على الزمن ، وتطويه ، وعلى الحدث فتنفي هوامشه من خلال فعلها المستقطب ، وتشكيلها الصاهر لمفردات العالم والأحداث ؛ لتكون شريحة الوجود التي تعصم وجودها من التناثر في اللحظات .
وإذا خرجنا من هذا الأفق لنكون في مساره حين نتابع منجزات القصة السعودية في التشكيل والوعي ، فإن المتابع سيقف على وعي تتحرك به ، وأفق تسايره ، لعلي في هذه المتابعة أستطيع أن أستجلي شيئا من أبعاده وأسئلته .
حينما عاقر أبناء الجزيرة العربية الثقافة العربية ، بعد بُعد عنها في الجهل والأمية ، كان الشعر والخطابة ومرويات التاريخ ، وبعض متون العلوم ومنظوماتها هي التي تعاقر النخب الثقافية على قلة أفرادها ..لكن ما تحمله أولئك النفر من مسؤولية ، ومحاولة استرجاع لدور همش لإنسان هذه البقاع كان يمنحهم حافزا قويا لاستجلاء الأفق الثقافي ، والسير في اتجاهه ؛ فكان أن شهدنا الميل لكتابة القصة ؛ وإذ نشير هنا إلى نماذج من هذه البدايات ؛ فليس الغرض من ذلك التعداد وإنما الإشارة إلى هذا الاتجاه ، والإشارة تحديدا إلى ما يكمن خلف هذا المنزع القصصي في الكتابة .؛ فهذا التوجه رغم أن القصة لم تكن من القوالب المحترمة في الكتابة ، فكانت في الهامش ؛ فإذ بها ترتقي إلى أفق الثقافة المكتوبة ؛ فدل هذا على رغبة في معاقرة التجديد ، ليس على المستوى الشكلي وإنما على مستوى الرؤية التي تحيل الكتابة إلى فعل متحرك ، لا تغريه زخارف الشعر والبلاغة والخطابة ، ولا استرضاء الأعلى ، ولا المرواغة بإظهار أمجاد الثقافة البلاغية ، وإنما أصبح يغريه الحوار وحكايات المصائر ، وتطلعات الإنسان على اختلاف مستوياته ؛ ففي مجموع أدبي أصدره الحجازيون إبان دخول الملك عبد العزيز الحجاز وضمه لكيان هذا الكيان الكبير الذي نتفيأ ظلاله نجد فيه إلى جانب الشعر نزوعا نحو الكتابة بأساليب جديدة ، وتبنيا للارتقاء بالحيوات ومشكلات الحياة ، وأسئلة التحضر والوعي ، إلى أفق الحوار ، وهموم النخبة ، التي شعر هؤلاء بهذه الطرائق والمغامرات أنهم يستطيعون تعديل مسار رؤاها وأفكارها ؛ فجاءت بعض مقالاته على شكل حواري وقصصي ، كما نلحظ عند أحمد السباعي ، عزيز ضياء ، محمد حسن كتبي .
كل ذلك هيأ للتوجه نحو كتابة القصة القصيرة ، وتشجيع إنتاجها ، ونشرها في الصحافة ثم في مجموعات ؛ وهذا ما سنتوقف عند شيء من رحلته وأسئلته ، في اللقاءت القادمة .