الرئيسية > مقالات اليوم

تاريخ الأسرة العربية (3-3)


د. عبدالله بن إبراهيم العسكر

ألمحنا في الحديثين السابقين إلى جملة من المسائل التي تتعلق بتاريخ الأسرة العربية في حقب متعددة، ولكنها متداخلة منذ ما قبل الميلاد حتى صدر الإسلام. واليوم نأتي على مسائل أخرى. وبداية لابد من الإشارة إلى أن مصطلح الأسرة لم يكن متداولاً بكثرة في الحجاز وشاع بدله أهل البيت. أما لماذا الحجاز؛ فلأن ثقافة الحجاز أثرت بشكل كبير في ثقافة الجزيرة العربية، بله في ثقافة الأمصار الإسلامية خارجها. وقد توصلت الدكتورة هدى الزويد في رسالتها للدكتوراه الموسومة: ( التطور التاريخي للأسرة في الحجاز في القرنين الأول والثاني الهجريين، الرياض دارة الملك عبدالعزيز 1428 ه ) إلى هذه الحقيقة. وهي قالت إن تطور الأسرة العربية أخذ في التدرج البطيء لدرجة. ولو أخذنا عشيرة الرسول صلى الله عليه وسلم لوجدنا أن نسبة مصاهرتهم من خارج قبيلة قريش لا تتعدى 8% ونيف. وهذا يدل على ثقافة الانكفاء، لا على ما ذهبت إليه الدكتورة هدى من أن السبب يعود إلى ظاهرة الكفاءة. فملوك اليمن وأقيالها لا يعطون بناتهم لسائر قبائل الجزيرة حتى لقريش أو الهاشميين. وكانوا يعدون قريشاً من السوقة.

على أن الملاحظ في زيجات بني هاشم قبل الإسلام أنهم لا يزوجون بناتهم خارج قبيلتهم. ولكنهم يستسيغون مصاهرة رجالهم من نساء من خارج العشيرة. وقد وجدت الدكتورة هدى زيجة واحدة أو أكثر قليلاً من أربع وعشرين زيجة بين رجال من بني هاشم ونساء من سائر قبائل الحجاز. وهذا رقم ضعيف، وهو يثبت أن الكفاءة ليست هي المعيار الوحيد.

ونحن لا ننكر مسألة الكفاءة لكننا نضيف إليها ما دعوناه الانكفاء داخل العشيرة أو القبيلة لأسباب كثيرة يأتي على رأسها عدم شيوع ثقافة الانفتاح الاجتماعي، والشك في الغريب ( غريب الدار ) أما مسألة الكفاءة فهي واقع ملموس في الثقافة العربية قبل الإسلام. وهي مسألة نسبية. وقد حاول الرسول عليه الصلاة والسلام معالجة هذه المسألة والقضاء عليها أو الحد منها على أقل تقدير. فزوّج مولاه زيد بن حارثة من ابنة عمه زينب بنت جحش، وزوجه من أم كلثوم بنت عقبة من بني أمية. وزوج ابنة عمه ضباعة بنت الزبير بن عبدالمطلب من المقداد بن الأسود. وتقدم لفاطمة بنت قيس أخت الضحاك بن قيس زوجان هما: معاوية بن أبي سفيان وأبو جهم بن حذيفة، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام اختار لفاطمة أسامة بن زيد.

وتعلق الدكتورة هدى بأن تلك المحاولات ظلت غير قادرة على كسر معيار الكفاءة الجاهلية. وهذا صحيح فعبدالرحمن بن عوف رد المقداد بن الأسود، وتحيّل عبدالله بن عمر لإفشال زواج سلمان الفارسي من أخته. وظل معيار الكفاءة صامداً حتى عاد إلى قوته منذ تسلم الأمويين زمام الأمر، وظل يراود مكانه إلى أن انحصر في زماننا هذا في بعض مجتمعات الجزيرة العربية. وكان معاوية يقول: لا نزوج إلاّ الأكفاء.

ومما له صلة بتاريخ الأسرة العربية زيادة ملحوظة في عدد التسري، خصوصاً بعد الإسلام وكثرة الفتوحات وكثرة السبايا. لكن علينا أن ننظر إلى مسألة مهمة وهي أن العرب في جزيرتهم، خصوصاً في خارج الحجاز كانوا ينظرون إلى أم الولد نظرة دونية، وبالتالي لم ينتشر عندهم ظاهرة التسري وزيجة السبايا من غير العرب. أما في الحجاز فكان التسري أكثر شيوعاً، خصوصاً في قريش. وقد أحصى الدكتور عبدالوهاب شيرة عدد أمهات الولد في قريش في حقبة الخلفاء الراشدين فبلغن مئتين وواحدة وستين. وهذا رقم كبير مقارنة بعدد رجال قريش. وكانت أطروحة الدكتور عبدالوهاب غير المنشورة قد ناقشت: مجتمع المدينة في عهد الخلفاء الراشدين، التي تقدم بها لجامعة الملك سعود عام 1416ه. وقال الدكتور عبدالوهاب إن مجتمع المدينة آنذاك مر بطفرات كبيرة طالت البنية الرئيسة للأسرة العربية، خصوصاً عند استلام بني أمية الحكم الذين كانوا يرون أن أسر المدينة أقل مكانة اجتماعية من أسر قريش.

وقد حاول الإسلام الحد من التسيب الذي يؤثر في بناء الأسرة فحرم بعض الزيجات غير المسؤولة أو التي تقوم على إشاعة المتعة الجنسية فقط. على أن زواج المتعة ( في أدبيات الشيعة يدعى زواج الصيغة ) ظل مقبولاً حتى السنة العاشرة للهجرة. وقام خلاف بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام حول مشروعية هذا الزواج. لكن ما يعنينا هنا هو تأصل الثقافة العربية الجاهلية في مفاصل الأسرة العربية. مثال ذلك أن كثيراً من مسائل الزوجين التي أقرها الإسلام، هي من أعراف العرب قبل الإسلام مثل طلاق الرجل لامرأته مرة أو مرتين وأخيراً ثلاثا حيث لا تحل له بعدها. والمتاع الذي تحصل عليه الزوجة بعد طلاقها، والعدة وغيرها كثير من أعراف الجاهلية.

وحصلت الطالبة غادة المسعود على الماجستير من جامعة الملك سعود عن أطروحتها الموسومة: ( المرأة في مجتمع الحجاز في العصر الأموي، رسالة ماجستير غير منشورة1428ه) ومما لاحظته الطالبة كثرة الألفاظ التي تطلق على المرأة في مراحل عمرها، وقبل زواجها أو بعده. وفي نظرها أن هذا يدل على عنايتهم بالمرأة، لكنه في الوقت نفسه يشير إلى مراعاة الجانب الجنسي في نمو المرأة العمري. وليس من المستبعد أن العناية بالجنس في المراحل العمرية مما اهتم به العرب. ولو نظر أحدنا في القاموس العربي الكلاسيكي لوجد كماً هائلاً من الأسماء والصفات للمرأة ذات مدلول جنسي واضح.

وكثرت مجالس العلم والترفيه والسمر المفتوحة للجنسين التي تغشاها المرأة. وهذا يدل على قضية وجود الاختلاط المحتشم في المجتمع الإسلامي . فلا مشاحة إطلاقاً القول إن المجتمع العربي لم يفصل أقسام الأسرة ويحجر عليها تعسفاً. كما أنني لم أجد مفردة (اختلاط) في الأدبيات التاريخية في فجر الإسلام وضحاه، كما نعرفها اليوم وكما تدل عليه في الخطاب الثقافي والديني. وأوردت الطالبة غادة ما يدل على اهتمام المرأة بالشعر وبطلب العلم، وهو مما يزيد في مكانتها بكراً أو ثيباً.

عرضنا لجملة من الأطروحات العلمية التي تمت إجازتها في قسم التاريخ بجامعة الملك سعود. ومما لاحظته ابتعاد الباحثات عن ربط مباحثهن التاريخية بالجنوسية gender أو ما يمت بأي صلة لقضايا النساء في الوقت الراهن. وهذا لا يعيب عملهن.

ولعل السبب يرجع إلى سيادة صفة المحافظة والاتكاء على منهج تاريخي كلاسيكي، لا يرى كبير فائدة في تطبيق مناهج إنسانية واجتماعية حديثة عند النظر في المسائل التاريخية البحتة. على أن هناك باحثات عربيات اشتغلن بمسائل تاريخية عن الأسرة العربية، كن يربطن ماضي الأسرة بحاضرها، وبحثن في مسائل مثل: الاختلاط، والحجاب، والقوامة، والمَحْرَم عند السفر، والزواج والعصمة. ونظرن إليها من خلال الحياة اليومية للأسرة العربية في العصور الإسلامية المبكرة، ومقارنتها بما ها هو سائد في هذا اليوم.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 4

  • 1
    معلومات قيمة جدا
    وفقك الله
    رغم محاولة الرسول عليه افضل الصلاة والسلام للقضاء على عادات الزواج والتميز العنصري
    الا انها اصبحت ظاهرة
    اين هم الان من المحاكم التي تقضي يطلاق الزواج الغير مكافئ؟؟

    د.الجوهرة - عضو

    05:27 صباحاً 2010/01/27


  • 2
    هدا الجزء وما قبله ماتع ومفيد. لقد عشنا معك يا دكتور في بانوراما تاريخية. وكنت مثل غيري نأمل لو توسعت في قضايا تخص المرأة في الوقت الحاضر وترينا هل هي نفسها في الماضي. كقضايا الجنوسة والاختلاط. اين الإعلام السعودي عن هده الأطروحات العلمية لم نسمع بها من قبل. شكرا دكتور

    sami - زائر

    11:41 صباحاً 2010/01/27


  • 3
    أما عدم وجود مفردة الاختلاط، فربما يكون كذلك عند المعتنين بالأسرة العربية.
    لكن كتب السنة،وآثار الصحابة طافحة بالنهي عن الاختلاط..
    ما رواه البخاري في "صحيحه" عن ابن جريج قال قلت: لعطاء بن أبي رباح: كيف يخالطن الرجال يعني في الطواف.
    وقال الماوردي :"والمرأة منهية عن الاختلاط
    والمجال لايسمح ب

    ماجد الناصر - زائر

    02:29 مساءً 2010/01/27


  • 4
    كل الشكر والعرفان لسعادة الاستاذ الدكتور المبدع عبدالله العسكر
    تمنيت ان يتم طرح الخطوط العريضة لكل رسالة ثم ذكر النتائج لكل اطروحة واخيرا التحليل والنقد والتفسير التاريخي من سعادتكم مع خالص العرفان واطيب التحايا العطرة

    غاده - زائر

    08:13 مساءً 2010/01/27



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة