ظل الأدب العربي (بكل فنونه) أداة تعليم وترفيه وتوثيق رافق العرب طوال تاريخهم كسجل حضاري ثقافي حفظوا بواسطته فنون تراثهم وعاداتهم ووظفوه في كثير من مناحي حياتهم. ومع التوسع الحضاري الذي عاشه العرب ما بعد الإسلام ظهر الأدب الملتزم بقيم التحول الجديد معبرا عن هموم الإنسان واصفا بيئته وحالاته النفسية والاجتماعية خاصة في مجال الشعر. و تحفظ لنا وثائق التاريخ كيف شارك الأدباء و الشعراء في استنهاض الهمم ونشر الدعوة وان بقيت بعض مظاهر التوظيف السلبي للشعر العربي بوجه خاص إلا أنها لم تكن ثقافة شعبية شائعة.
ومع انتشار الانترنت وتطبيقاتها وحضور أجهزة الهواتف المتنقلة (الجوال) في حياة مجتمعات اليوم انسحب دور الأدب النخبوي من حياة الناس ولم يعد لذوي المواهب الأدبية مكان في صدارة المجالس الالكترونية الجديدة. وتأسيسا على ذلك لا يمكن القول اليوم إن محتويات منتديات الانترنت ورسائل البريد الالكتروني والجوال وسيلة أمينة معبرة أو ناقلة لفرائد الأدب ودرر الشعر والنثر إذ يبدو أن الناس تحت جبرية الاستهلاك الجماهيري لوسائل الاتصال استعاضوا عن ذلك كله باستهلاك وإعادة إنتاج وترويج الثقافة الشعبية المستترة بكل مظاهرها السلبية. لو تأملنا كيف يتناقل الناس عبر هذه الوسائل الجديدة بعض مظاهر توظيف النكتة والقصيدة والقصة الشعبية وكيف أن مفردات قواميس اللغة البذيئة والشتائم المقذعة أصبحت ثقافة اتصالية يومية لا تنتفض لها مؤسسات ولا يعترض عليها أفراد.
في كل الأمم وعبر كل مراحل التاريخ كان ذوو المواهب الأدبية والفلسفية وحدهم من يمتلكون ناصية فن صناعة المثل المحكم والقصيدة التي تؤسس لقيمة وكذا كانت الرواية والقصة تختصر الهموم وتشخص مكامن الوجع بلغة فنية رفيعة يدرسها ويتعلم عليها الجيل الناشئ الذي تربت ذائقته وسط هذه الوجبات الأدبية ليسمو معها ومع هذه الفنون الرفيعة تنتقل ثقافات الشعوب من جيل إلى جيل. أما في عصر الانترنت فأصبح ممكنا لمراهق أو مراهقة تحويل سجل بريده الالكتروني إلى مجموعة قصصية أو رواية وسيجد في ثقافة الإثارة وتناقض التيارات الفكرية من يصفق لعمل خارج حدود الأدب قيمة وفنا بل وقد تجاوز الأخطاء الفنية والنحوية في الصفحة الواحدة عدد صفحات العمل المنثور أمام الناس.
و المأساة هنا ليست في وجود هذه المظاهر ولكن في قوة ترويجها وسرعة شيوع ثقافة "التفاهة" والتسلية الوقحة معها وبسببها ظهرت مواقع انترنت تحت مسميات أدبية وتأسست خدمات جوال (بيع محتوى) تصفعك كل صباح برسائل لا تمتلك ادنى مقومات الحس الفني والمصيبة في مثل هذه الاتجاهات الثقافية الجديدة أنها تؤسس لمرحلة من تاريخنا وتبني عبر تراكماتها وتكثيف حضورها ذائقة جيل وهوية مجتمع لا يمكن وسط فيضاناتها إصلاح ما قد تتسبب به من نتائج على المستوى الذوقي والأخلاقي في نهاية المطاف.
مسارات
قال ومضى: نعم آرائي قد لا تكون مصيبة ولكن صمتك المريب يا صاحبي مصيبة.
1
فى مقال سابق لك ( ليالى المسنجر ) كيف يستطيع الانسان ان يحمى نفسه واسرته من هذاالجهاز الرهيب ؟ والبعض استغل حرية النشر ف ( الفيس بوك ) من فقدو الاخلاق وروح المسؤوليه يشوهون من خلاله سمعة الاخرين تحت اسماء ء مستعاره ويصعب الوصول اليهم كيف يا دكتور فايز وفقك الله ؟؟؟
عبدالله عبد المعطى الدوسرى - زائر
05:12 صباحاً 2010/01/24
2
صباحك طيب... كما أشرت اُستاذي (( القيم ))
الإنترنت وسيله رائعه يستفيد منها من أجاد إستخدامها
الإنترنت جعل مني ولله الحمد متطلعه وأحمل بين أكفتي مدونه (مدونة أنفاسي)
إستفدت كثيرا ً ولله الحمد والنعمه...
إنترنت , جوال لا يتحكم في تصرفاتنا
الذي يخاف الله يخافه بدون هذه الأجهزه وتجده يخاف أيضا ً ربه معها.
/
تحياتي
أنفاسي Anfaasy - عضو
06:24 صباحاً 2010/01/24
3
الانترنت اتاح ايضاً فرصة التخفي لذا سترى اكثر مستخدميه يكتبون مايخطر على باله بأدنى تفكير وابداع, وهذا اظن هو اهم سبب في شيوع ثقافة "التفاهة".
شكرا على المقال
سعودي متوسط - عضو
06:39 صباحاً 2010/01/24
4
عزيزي الدكتور فايز، مثل ماتنتشر الأشياء السيئة بسرعة هائلة فإن الأشياء الإيجابية تنتشر بسرعة كذلك، والعالم الإلكتروني آخذ بالتشكل وبدأت تتضح معالمه، وصحيح أن الإتصال من وراء آلاف الحجب يجعل الأطراف تتعامل مع بعضها كالدمى وتنتفي معها بعض القيود الأخلاقيها والإنسانية وغيرها ويتصرف الجميع بحرية أكثر وبتقمص شخصية غير شخصيته الحقيقية،لذا ينبغي علينا ليس محاربة التقنية ولكن التعامل معها من خلال الإرتقاء بوعي الإنسان وثقافته لجعله قادر على فرز الغث من السمين، وتوجيه الشباب بما ينفعهم ويخدم مجتمعهم وتجنب سلبيات التطبيقات التكنولوجية، من خلال التعليم والإعلام وكل الوسائل، تحياتي للجميع
تركي حمدان المعكلي - زائر
11:53 صباحاً 2010/01/24
5
الانترنت عدو الكتاب.
لكن كنا نواجه صعوبة كبيرة في ايجاد معلومة - صغيرة - واليوم بحمد الله بكل سهولة يمكن الحصول على ماتريد وما لاتريد
فارس بلا جواد - عضو
12:19 مساءً 2010/01/24
6
لله درك.
فعلا لفته جميلة قلما تطرق لها احد من قبلك.
المطلوب المزيد حول هذه الفكرة.
نرجوا ان تفكر بتاليف
كتاب حول الموضوع.
منصور الرويلي - زائر
02:00 صباحاً 2010/01/25
الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة