لنتصور،ونحن على أبواب العقد الثاني من الألفية الثالثة،أن أحداً منا،نحن مسلمي اليوم ،انبرى ل"أشكلة" بعض المسائل الميتافيزيقية الدينية،كمسألة الوجود الحسي ل"الجان"،وما يستتبعه من إمكانية"تلبسهم"بالإنس كما تفرضه معطيات الثقافة السائدة،أو الوجود الحسي للشيطان ووسوساته على ما يتصوره الكثير منا اليوم؟. أو أنه حاول المواءمة بين النظريات العلمية المعروفة،كنظرية النشوء والارتقاء، وبين بعض النصوص الدينية التي يخالف ظاهرها ما تنتهي إليه تلك النظريات من نتائج،بتأويل تلك النصوص تأويلاً لا يخرج بها عن المعهود اللغوي العربي؟.أقول لندع خيالنا يتصور أن أحداً منا كسر العوائق الثقافية التي اصطنعها الخطاب الديني المعاصر، فغامر ب"أشكلة" تلك المسائل من ناحية التساؤل عن فيزيقيتها،هل ثمة من يشك في أنه سيكون في مرمى النار التكفيرية التي ستلهب ظهره بسياط تهم الردة عن الإسلام، وما ينبني عليها من إهدار دمه بحجة تكذيبه لما ورد في القرآن بشأنها!،أو رد ما هو معلوم بشأنها من الدين بالضرورة؟.
والمعضلة التي تتلبس بنية التيار التكفيري المتحكم بأصول الخطاب الديني المعاصر،أن مجرد إصدار الحكم بردة من يشاكل في حقيقة تلك المسائل ليس كافيا،فتلك خطوة أولية تفرضها معطيات المفاصلة العقدية.أما الخطوة الأساسية فستكون مطالبة العلماء وطلاب العلم(=الجناح العسكري للتيار التكفيري) بتنفيذ حد الردة بأنفسهم،طالما كان السلطان "مضيعاً" للحدود أو "متقاعساً" عن تنفيذها. وهي مفردة عقدية أساسية في مشروع التيار التكفيري،استقاها من"الاختيارات الفقهية" المعروفة جيداً لطلاب المدرسة السلفية التقليدية!.ولن ينفع ذلك"المرتد" حينها دفاعه عن نفسه بأنه لم يخالف، في أشكلته لتلك المسائل الميتافيزيقية،القرآن الكريم،على اعتبار أن آياته تتفرع،من ضمن ماتتفرع إليه،إلى سياقات حكمية،وسياقات إخبارية،وأن ما يعرض له من بعض المقولات والمعتقدات والآراء والتصورات،تظل محسوبة على السياقات الأخيرة. تلك السياقات التي ليس شرطاً أن القرآن الكريم يتبنى مقولاتها ومفاهيمها،بقدر ما يذكرها كمكونات،أو ثوابت ثقافية أو عقدية للأمم والجماعات التي تتحدث عنها سياقاته الإخبارية.
في مثل تلك الأنساق الثقافية المثقلة بحمم الإقصاء والتشدد والتكفير،عادة ما يُستدعى السلف كشهود إثبات أو نفي حسب الحالة،وفي مثل تلك المسائل الميتافيزيقية،فإنهم يستدعون كشهود إثبات على زندقة وفجور، بل وكفر من يبدي رأياً مخالفاً للسائد،سائدهم هم وليس سائد السلف. وتتبدى محورية ما يستدعى السلف لأجله هنا في أنهم(=السلف) لم يلجأوا إلى مخالفة ظاهر القرآن عند تناولهم لتلك المسائل.فهل كان السلف فعلاً على تلك الدرجة من التعامل الظاهري مع آي القرآن التي تتناول تلك المسائل الميتافيزيقية؟ في الأسطر التالية محاولة للإجابة على هذا السؤال.
لو أننا استعرضنا مسألة ميتافيزيقية بحتة كمسألة السحر،سنجد أن الأمر مستقر لدى الخطاب الديني المعاصر بكافة تشكلاته، وبغض النظر عن المذهب أو الأيديولوجية التي يتكلم باسمها، على أن للسحر،حقيقة متعينة في الواقع الحسي،وأنه،بالتالي، ليس مجازاً أو تخييلا. ونتيجة لحقيقته المتعينة،فإن بإمكان الساحر أن يفعل ما يحلو له من خرق نظام الكون والعالم أجمع،بما فيه الإنسان،والذي خلقه الله تعالى،ثم أجراه وفق قوانين وسنن لا تتغير ولا تتبدل،(سنة الله التي قد خلت من قبلُ ولن تجد لسنة الله تبديلا).أمام الإيمان ب"حقيقة السحر"،ماذا سيكون مصير من تجرأ فتساءل عن ماهيته،أحقيقة هو، أم أنه مجرد تخييلات، أو شعوذات أو خزعبلات؟ألن تكون حياته، بكل ما فيها من حرمة،على كف عفريت،بتسليط سهام التكفير والردة عليه من كل جانب؟ لا أعتقد أن ثمة من يخالف في هذا المصير المروع الذي ينتظر مثل ذلك المتسائل.
ومع كل ذلك، فثمة آراء سلفية،بل من داخل السلفية السنية نفسها، كان لها تخريج مخالف،بالنسبة لتحديد ماهية السحر، لما استقر عليه الفكر الإسلامي المعاصر. فبعضها نفى وجود حقيقة حسية له. وبعضها الآخر انتهى إلى أنه خيال وشعوذة لا حقيقة لهما من الناحية الفيزيقية.نجد نموذجاً لتلك الآراء التقدمية السلفية فيما أشار إليه الإمام القرطبي عند تفسيره قوله تعالى:" واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر"،من اختلافات بين الفقهاء والمفسرين حول ماهية السحر، حيث يقول:"السحر أصله التمويه بالحيل والتخاييل، وهو أن يفعل الساحر أشياء ومعاني فيخيل للمسحور أنها بخلاف ما هي عليه،كالذي يرى السراب من بعيد فيخيل إليه أنه ماء، وكراكب السفينة السائرة سيراً حثيثاً يخيل إليه أن ما يرى من الأشجار والجبال سائرة معه". ثم يضيف:"واختُلِف هل للسحر،حقيقة أم لا. فذكر الغزنوي في عيون المعاني:أن السحر عند المعتزلة خِدَع لا أصل لها. ولذا ذهب عامة المعتزلة وأبو إسحاق الإستراباذي من أصحاب الشافعي إلى أن السحر لا حقيقة له، وإنما هو تمويه وتخييل وإيهام لكون الشيء على غير ما هو به، وأنه ضرب من الخفة والشعوذة!. كما قال تعالى:( يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى). ولم يقل تسعى على الحقيقة، ولكن قال:يخيل إليه. وعند الشافعي وسوسة وأمراض".(قارن:مع ما يطرحه التحليل النفسي الحديث عن مثل تلك الوساوس).
ويتقدم الشافعي خطوة هامة في مجال تحليل ماهية السحر من منظور "علمي" بحت،فيقول، وفقاً للقرطبي أيضا:"وعندنا أصله(=السحر) طلسم(حرز) يُبنى على تأثير خصائص الكواكب، كتأثير الشمس في زئبق عصي سحرة فرعون". وهذا الرأي للشافعي ينتهي إلى أن سِحْرَ سَحَرَة فرعون الذي به"سحروا أعين الناس واسترهبوهم" كان وراءه سبب"علمي" محدد مبني على"نظرية"خصائص تأثير الكواكب السماوية في الأشياء الأرضية(ما دون فلك القمر،كما كان يعتقد بذلك العلم القديم).وهذا السبب"العلمي"كان تأثير الشمس، ككوكب سماوي، على الزئبق الموجود في عصي:(جمع عصا)، سحرة فرعون،مما أدى حينها إلى ظهور أشياء بدت وكأنها خارقة لنظام الكون في أعين من يراها حينها. والسؤال المناسب هنا على هامش"علمية" الشافعي هو:ونحن في نهاية العقد الأول من الألفية الثالثة،تُرى ما مصير من سيدلي بكلام أو تحليل مشابه،هل سيكون بمنجى من معاول التكفير؟ثم أليس ذلك مما يدل على أننا،كمسلمين،انتكسنا على أعقابنا بعد إذ هدانا الله،ثم زاودنا على سلفنا الصالح،أهل القرن المفضلة بأننا،بلسان الحال على الأقل،أكثر منهم إيماناً وأزكى نفوساً وأشد وطأة وأقوم قيلا،لأننا لا نخالف ظاهر القرآن مثلما خالفوه هم؟.
إن أولئك الأسلاف الذين حاولوا تحليل ماهية"السحر"، إما من منظور"علمي"يستصحب ثنائية السبب والمسبب في تلازمهما الفلسفي، وما يلزم عنهما من نتائج منطقية في العالم الحسي المباشر، وإما من منظور أنه تخييل أو شعوذة لا حقيقة لهما،أقول إن هؤلاء لم يكونوا بمعزل عما يقوله القرآن الكريم في شأن السحر والسحرة. فكانوا يقرأون مثلما نقرأ، قوله تعالى:"قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم". وقوله تعالى:" واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر". وقوله تعالى:" فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون أئنا لنحن الغالبون". وغيرها كثير في القرآن الكريم. لكن، قراءتهم لتلك الآيات لم تمنعهم من أن يعللوا ظاهرة"السحر" بعدة تعليلات قد توحي للوهلة الأولى أنها تنزع لمخالفة ظاهر القرآن. لكنهم ربما كانوا يشعرون أن القرآن الكريم، وهو يستعرض مثل تلك المعتقدات والتصورات،ليس شرطاً أنه يتبنى مقولاتها وما تنتهي إليه من نتائج،بقدر ما أنه أتى بها على سبيل عرضه لمكونات وعناصر ثقافية محسوبة على ثقافات شتى، كانت آياته تتحدث عنها في سياق إخباري معين، وعما كانوا تعتقده من معتقدات،وما يتوافر عليه مخيالها الجمعي من تصورات. وأن ما تتحدث عنه تلك الآيات في الظاهر ليست أحكاماً قطعية بشأنها.أو أن تلك الآيات ليست من المحكمات،بل من المتشابهات الذي يسوغ اختلاف التأويلات بشأنها. وأن ذلك ما سمح لسلفنا الصالح بأن يتحدثوا عنها من منظور،ربما يخالف، للوهلة الأولى ظاهرها.
1
المتأسلمون الجدد يخالفون ظاهر القرآن في مواضع ويستخدمون التأويل عند الحاجة وإلا فكيف يفسرون ما يظهر منه كمتعارض ؟
ولديهم الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه رواية عن - بشر - مثلهم.
وما يحل لهم محرم على غيرهم.
وما يعلم تأويله إلا الله والواو التالية تفسر أيضا بقداسة من سبق رواية معنعنة.
المعايير - زائر
05:18 صباحاً 2010/01/23
2
تسجيل متابعة..وتعليق:مشكلة علماء اليوم وطلبة العلم..ولا أحبذ استخدام "ال" التعريف حتى لا يعمم على الجميع..هو أنهم انشغلوا بالخلافات الفقهية والتعصب للرأي الفقهي على التركيز على جانب الوحدة العقدية..
والفرق بين السلف وبيننا نحن هو أن السلف الحقيقي "الرعيل الأول" وليس النسخ المتقدمة انشغلوا في بناء "الأمة" بينما انشغل من بعدهم بالبحوث والتعمق في مسائل "حقا" لا تنفع..لا أظن أن أبوبكر الصديق وعمر كانا يجلسان في مجلس يتناقشان عن "الميتافيزيقيا":) ضحكت عندما تخيلت ماذا كنا سنؤول اليه لو فعلوا ذلك
ابوعبدالله الفريدي - عضو
08:18 صباحاً 2010/01/23
3
كعادتك استاذ يوسف، تلقي بالتهم جزافا على الإسلاميين وتضرب أمثلة غير واقعية لذلك.
فمن قال لك أن السحر عند السلف حقيقة، فالسلف لا يؤمنون بقدرة الساحر على قلب الأشياء وتحويلها، ونحن نؤمن أن أفاعي السحرة عند فرعون كانت خيالات فقط، فقط عصى موسى كانت حقيقة لأنها معجزة.
فالسحر يؤثر نعم، ولكن وفق تخيلات وليس حقائق فالساحر لا يتسطع أن يحول الخشب إلى كائن حي مثلا.
أيضا نظرية النشوء والتطور، هي نظرية صحيحة في تكيف الكائن الحي، ولكن ليس تحوله كما يزعم داروين،
منور الخليف - عضو
08:30 صباحاً 2010/01/23
4
الكاتب معك في جريدة الرياض فهد الاحمدي دائما يناقش هذه الإشكالات بإسلوب متزن وسلس، وهو من أكثر الكتاب متابعة،
أنا أعتقد أن اسلوب الكاتب ونيته من يحدد سخط القراء عليه. فإذا كان طرحه متطرف في تبني نظرية معينة فمن الطبيعي أن يجد اعتراض
خاصة عندما يأتيني كاتب سعودي مسلم يؤمن بأن أصل الإنسان قرد على سبيل المثال فماذا تريد من القراء أن يقولوا.
والقارئ لديه فهم، فنظرية دارون لها جانب صحيح. وهو تكيف الكائن الحي مع بيئته، وجانب خزعبلات مرفوض حتى من مراجع علمية غربية في أن أصل الإنسان قرد
محمد عبد الله الرويلي - عضو
08:52 صباحاً 2010/01/23
5
الحادثه فكر غربي لا نؤمن به
والجن والسحر والشياطين وسوسة الشيطان للانسان امور حقيقيه
وليست خيال
ومن ينكرها من اتباع مدارس العولمه
والمبهورين بالغرب
والمحتقرين لمجتمعهم
بوصف المجتمع
بالتكفريين (وهي عباره ايرانيه صفويه
يعنون بها اهل السنه السلفيه)
اقل ما يقال فيهم
انهم جهله
بامور الدين
حسن اسعد الفيفي - زائر
09:01 صباحاً 2010/01/23
6
مع الأسف أن معظم الردود سطحيه وتدل علي أن كتابها لا يقرؤون المقال إلاأن عندهم موقف سابق من الكاتب فهم قد حكموا عليه مسبقا،وياليتهم علماء ومثقفين ولكن من اسلوبهم ولغتهم الركيكه يدل علي أنهم معارضون ويحاولون أن يكونوا أوصياء علي الناس،لماذا لا تشغلوا أنفسكم بما ينفع الأمه وبالأعمال التطوعيه بدلا من؟
فهد ملفي - زائر
10:21 صباحاً 2010/01/23
7
أنصح الإخوة الذين يشككون بصحة نظرية التطور أن يبتعدوا عن المصادر العربية لأن فيها تدليس و دجل واضح خصوصا كتب الجاهل هارون يحيى
و أن يقرأوا الكتب العلمية الحديثة الصادرة في الموضوع و أنصحكم بكتاب
Why Evolution Is True
فهو يشرح النظرية بشكل مبسط و مليء بالصور التوضيحية
أبو عبدالله - زائر
12:24 مساءً 2010/01/23
8
أيضا هناك كتاب علمي رائع يتحدث عن اثباتات نظرية التطور و أنها هي التفسير العلمي للتنوع الذي نراه حولنا
وهو كتاب The Greatest Show on Earth: The Evidence for Evolution
و هذه الكتب كتبها علماء مختصون في علم الأحياء
و ليست ككتب المكابرين الذين يعارضون النظرية بشكل فاضح ينم عن جهل كبير.
أبو عبدالله - زائر
12:38 مساءً 2010/01/23
9
مقال جيد
فعلا الحداثة والفكر تغير
ام نواف - زائر
05:10 مساءً 2010/01/23
10
الاستاذ يوسف : تحية طيبه وبعد كم مجتمعنا في تعطش لطرح مثل هذه الامور. التي قيدته.
فإن بعض الجهله من الرقاه والدعاه. جعلو من الساحر شي عظيم مخيف. يفعل الافاعيل. وله قدره. على اسعاد شخص او شقاءه. وكانا بدون عقول. > وليس كما تصوره لنا ق
hs;l - زائر
08:40 مساءً 2010/01/23
11
الاستاذ يوسف : تحية طيبه وبعد.كم مجتمعنا في تعطش لطرح مثل هذه الامورفإن بعض الجهله من الرقاه والدعاه.جعلو من الساحر شي عظيم مخيف.يفعل الافاعيل.وله قدره.على اسعاد شخص او شقاءه.وكانا بدون عقول. > وليس كما تصوره لنا قناة المجد في برنامج " دمعة موحد " فإين عقولكم يااهل لااله الاالله
عبدالله 111 - عضو
08:58 مساءً 2010/01/23
12
تعليق جميل رقم 8
kodfk - زائر
09:04 مساءً 2010/01/23
الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة