• انت الآن تتصفح عدد نشر قبل 753 أيام

مأزق إيراني ثلاثي الأبعاد

علي حسين باكير *

    تواجه إيران اليوم تحدّيات جسيمة وخطيرة في الوقت نفسه، واللافت أنّ إعادة التجديد لاحمدي نجاد قد أطلق عنان هذه التحديات على ثلاث جبهات متوازية. ويستطيع المراقب للتحركات الديبلوماسية الإيرانية الحالية مقارنة بمرحلة ما قبل الانتخابات الإيرانية أن يلاحظ تخبّطا يعكسه واقع الحال والمأزق الثلاثي الأبعاد الذي تعاني منه إيران.

فعلى الصعيد الدولي، نجحت ديبلوماسية الرئيس الأمريكي أوباما في إظهار الإيرانيين بموقف الرافض المطلق للتوصل إلى اتفاق دولي في الوقت الذي تقدّم فيه واشنطن كل التسهيلات والتنازلات الممكنة لتحقيق ذلك. وبمعنى آخر فقد خسرت إيران حتى الآن روسيا بعد أن نجحت أمريكا في استمالتها، وفي طريقها لأن تخسر الصين كليا، لاسيما أن روسيا والصين كانتا قد صوتتا مؤخرا في الأمم المتحدة وفي الوكالة الدولية للطاقة الذرية ضد إيران.

ويكمن المأزق الإيراني في هذا الإطار في عدم قدرة النظام على مواصلة رفض العروض الغربية إلى أجل غير مسمى بعد انكشاف سياسة تضييع الوقت والمماطلة التي يتّبعها مما قد يعرضه لاحتمال وقوع حرب من جهة، كما يكمن في عدم قدرته على الموافقة على الطرح الدولي لان من شأنه أن يفتح المجتمع الإيراني والدولة الإيرانية على المجتمع الدولي ويحرر قبضة النظام الاقتصادية والاجتماعية مما يعرضه للاهتزاز وخطر السقوط مستقبلاً من جهة أخرى.

على الصعيد الإقليمي، كان للديبلوماسية السعودية ولجهود الملك عبدالله بالتحديد وقع كبير في تغيير المعطيات الإقليمية خاصة فيما يتعلق بموقع سوريا وإيران في الخارطة الإقليمية. إذ بادر الملك عبدالله إلى إطلاق مصالحة عربية في قمّة الكويت، هادفا إلى تقريب السوريين، ومكثفا الجهود على تحفيز التواصل معهم في الملفات الثنائية والإقليمية، واكبتها انفراجات على الخط الأمريكي-السوري وتطور استراتيجي في مسار العلاقات السورية- التركية. ولا شك انّ هكذا انفتاح قد ضرب السياسة الإيرانية في الصميم.

فالتوافق السوري- السعودي قد يعمل على عزل طهران في لبنان في الوقت الذي ترى فيه الأخيرة انّ حق إدارة البلاد لا بد أن يكون من حصتها لاسيما بعد الخروج السوري العام 2005. أمّا الانفتاح السوري- التركي، فهو يوفّر لدمشق بديلا عن طهران ويحررها من سياسة الحليف الأوحد التي تحولها إلى رهينة خاصّة في الوقت الذي تزداد فيه الضغوط الدولية على طهران والتي قد تنذر بمواجهة ممكنة. كما يعمل التحالف مع تركيا في ظل تدهور صورة إيرن في المنطقة على تعويم الغطاء المذهبي للنظام السوري ويكسبه شعبية مجيّرة أيضا على اعتبار انه انفتح على أكبر وأقوى نظام ذي طابع "إسلامي-سني" في المنطقة.

وحصول انفتاح مماثل لأمريكا على سوريا يعني أنّ المعادلة انعكست، فبدلا من الخطة الإيرانية القاضية بتوظيف سوريا للحصول على مكاسب إقليمية ودولية، قامت سوريا بتوظيف العلاقة مع إيران للحصول على مكاسب من أطراف أخرى، والانفتاح السوري- الأمريكي لو تم بشكله الموسّع يعني أنّ إيران أصبحت معزولة تماما إقليميا ودوليا.

ولعل هذا ما يفسر الحنق الإيراني من السعوديين، وفتح جبهات إقليمية ضدهم على أكثر من محور، وآخرها على محور اليمن نظراً للضرر البالغ الذي سببته السياسة السعودية من إصلاح ذات البين العربي على المصالح الإيرانية في المنطقة. وقد حاولت إيران في هذه المرحلة تصدير أزمتها إلى الخارج للتعويض سواءً على المستوى الطائفي أو القومي.

فعلى المستوى الطائفي، ركّزت وسائل الإعلام الإيرانية والجهات الرسمية والدينية بما فيها لاريجاني والشيخ المتشدد أحمد خاتمي على تصوير الأزمة اليمنية على أنها "حرب ضد الشيعة". وأباحت لنفسها التحدث باسم جزء من اليمنيين كما وبتهديد الآخرين وتحذيرهم من التدخل وكأن اليمن محافظة إيرانية!! وقد ترافق ذلك مع شن حرب إعلامية على السعودية ومحاولة لتسييس الحج، علما أنّ القوات الإيرانية كانت قامت في مرحلة سابقة باستعراض قوتها بدخول الأراضي الباكستانية، ثمّ في مرحلة لاحقة باحتلال أراضي عراقية في منطقة بئر الفكّة لإعلاء الروح القومية الفارسية تحت غطاء تصوير الأمر وكأنه نزاع حدودي.

على الصعيد الداخلي، فإن المأزق الإيراني يكاد يكون الأكبر والأصعب. فقد دفعت غطرسة واستكبار النظام الإيراني "المتمثل بالمرشد الأعلى ودائرته من الحرس الثورة والبسيج والرئيس وأجهزة الأمن والاستخبارات" وإنكاره لوجود مشكلة داخلية نجمت عن إعادة تنصيب احمدي نجاد رئيسا للبلاد إلى تدهور الوضع كليّا.

وعلى الرغم من التقليل من شأن الأحداث في البداية والترويج على أنها حركة معزولة في طهران فقط، تعبر عن مناخ ديمقراطي يتيحه النظام الإيراني للمعترضين للتنفيس عن احتقانهم، وعلى الرغم أيضا من اجتهاد هذا النظام والدوائر الإعلامية التابعة له سواء في إيران أو خارجها من المناصرين والمؤيدين له في تصوير الأمر لاحقا وكأنه مؤامرة أمريكية بريطانية، إلا انّ الواقع اثبت انّ المعضلة داخلية بحتة خاصة مع امتدادها في مدن مهمة لها ثقلها الديني والاجتماعي من قم إلى مشهد إلى شيراز إلى نجف أباد وأصفهان بما يعكس حقيقة المأزق المتمثل في تحلّق الركائز الأساسية للثورة الإيرانية من الشخصيات الرفيعة داخل دائرة الإصلاحيين ضد الرئيس نجاد والمرشد الأعلى والمتطرفين وهو الأمر الذي يصعّب إمكانية اتهامهم بالعمالة للخارج وبالتالي عزلهم والقضاء عليهم.

لكن المأزق الأكبر لإيران في الداخل يكمن في وضع مفهوم ونظرية "الولي الفقيه" الذي يعتبر الركيزة الأساسية للنظام الإيراني على المحك لأول مرّة بما يهدد بالإطاحة بها. ويعلم القيمون على النظام هذا الأمر ولذلك فقد وصل الأمر بهم إلى استباحة كل المحرمات، وهو ما عبر عنه كروبي بشكل جلي حين قال: "ما الذي حدث لهذا النظام الديني أن يأمر بقتل أبرياء خلال يوم عاشوراء المقدس"!! نظام ديني يأمر بقتل الناس والأبرياء في يوم شيعي بامتياز مخصص للاعتراض على الظلم والاستكبار، ولعل تصريح القائد العام لقوات الحرس الثوري محمد علي جعفري والذي كرر فيه مقولة الخميني من أن حماية النظام اوجب من الصلاة نفسها يعطينا فكرة عن المدى الذي من الممكن أن تصل إليه الأمور في إيران خلال المرحلة المقبلة.

*باحث في العلاقات الدولية


حفظ طباعة تكبيير
قيّم هذا الموضوع
 

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الرياض" الإلكتروني ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر، وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى الضغط على زر "التنبيه" أسفل كل تعليق

عدد التعليقات : 2
(جديد) ترتيب التعليقات : الأحدث أولا , الأقدم أولا , حسب التقييم
عفواً ترتيب التعليقات متاح للأعضاء فقط...
سجل معنا بالضغط هنا
  • 1

    الله يعطيك العافيه

  • 2

    وهنا أضيف معلومة لهذا التحليل الجيد لواقع أيران الحالي أن أيران خسرت أنصارها في العراق من المقلدين لها والتابعين نتيجة تصرفاتها العدوانية وأطماعها في العراق وسعيها المحموم على أبعاد العراق من محيطة العربي

    عبدالله الأمين (زائر)

    UP 0 DOWN

    09:40 صباحاً 2010/01/19




التعليق مقفل لانتهاء الفترة المحددة له

 

إعلانات



إعلانات