الرئيسية > مقالات اليوم

الأنظمة المالية في مشاهد النقد غير المتخصص


يوسف أبا الخيل

من ضمن ما يوجه للأنظمة المالية من "نقد" تعوزه الخبرة العملية أو العلمية, أو كلاهما, والذي يظهر في صحفنا المحلية بين الفينة والأخرى على هامش ما حدث لمحافظة جدة من كوارث طبيعية نتيجة السيول, ما تطرق له الزميل حمود أبو طالب في مقال له بجريدة عكاظ (26/12/2009) بعنوان:(سعادة المعطل المالي), عما أسماها: "سلطة الممثل المالي". والتي منها أنه"...لا بد أن يحضر جميع اجتماعات عروض الأسعار في جميع هذه الإدارات". ويتساءل الزميل بعد ذلك عن تأثير هذا الحضور المكثف للممثل المالي بقوله: "... فهل هذا إيجابي للعمل ويعجل بالمشاريع، أم أنه مقبرة للعروض وتأخير لها؟".

والحقيقة أن مثل هذا الكلام ينبئ عن بضاعة مزجاة في المعرفة باللجان التي يشارك فيها الممثل/المراقب المالي, وبكيفية تشكيلها, وعدد أعضائها, وآلية انعقادها واتخاذها لتوصياتها. ففيما يختص بفحص عروض الأسعار, فإن اللجنة المناط بالمراقب المالي حضور أعمالها كأحد أعضائها, هي بالتحديد: لجنة فحص عروض الأسعار التي تقدم من خلال المشاريع المطروحة في المنافسات العامة, والتي يعلن عنها في الصحف. وتتركز مهمة تلك اللجنة في " تقديم توصياتها في الترسية على أفضل العروض وفقاً لأحكام هذا النظام (=نظام المنافسات والمشتريات الحكومية) ولائحته التنفيذية", (المادة السادسة عشرة من النظام). أما تلك الأعمال التي تتعاقد عليها, أو تطرحها الجهات الحكومية بواسطة آلية الشراء المباشر, وهي تلك الأعمال التي لا يعلن عنها في الصحف, فتفحص عروض أسعارها بواسطة لجنة لا يشترك فيها المراقب المالي. وهذا ما حددته الفقرة (أ) من المادة الخامسة والعشرين من نظام المنافسات والمشتريات الحكومية. وبالتالي فكان يجب على الزميل أن يفرق بين اللجنة التي يشترك المراقب المالي في عضويتها, وبين تلك التي لا يشترك في عضويتها.

ويواصل الزميل "نقده" لدور الممثل/المراقب المالي في الرقابة السابقة على صرف المال العام, فيقول: ".... تصور أيضا أنه عندما يكون عدد أعضاء لجنة العروض أو أي لجنة أخرى مثلا سبعة أشخاص وغاب منهم الثلث وحضر الممثل المالي فإن اللجنة تعقد، بينما لو حضر جميع أعضاء اللجنة وغاب الممثل المالي فقط, تلغى اللجنة. مما يجعلك فعلا تشعر بالأسى والحزن، حيث إن هؤلاء جميعا لا قيمة لهم واللجنة فقط هي الممثل المالي". وينطوي هذا الكلام على جملة من الأخطاء القانونية التي مصدرها عدم المعرفة بتلك الأنظمة التي تنظم عملية الرقابة على صرف المال العام. وأهمها هنا هي: نظام المنافسات والمشتريات الحكومية, ولائحته التنفيذية, ونظام الممثلين الماليين. والأسطر التالية كفيلة بتوضيح مكامن تلك الأخطاء.

لا بد من انعقاد لجنة فحص العروض, التي لا تعتبر انعقادها صحيحاً ما لم يشترك المراقب المالي في اجتماعها, بكامل أعضائها. وليس صحيحاً ما أشار إليه الزميل من أن غياب ثلث الأعضاء يعوضه حضور المراقب المالي. وهذا ما تضمنته مقدمة المادة التاسعة عشرة من النظام بنصها على أن " تتخذ اللجنة توصياتها بحضور كامل أعضائها....".

دور أعضاء اللجنة, بمن فيهم المراقب المالي, ينحصر في "تقديم" توصياتهم بالترسية من عدمها. وعلى صاحب الصلاحية اتخاذ ما يراه مناسبا. وهذا ما حدده عجز المادة التاسعة عشرة من النظام بالنص على ما يلي: "... وتدون التوصيات في محضر، ويوضح الرأي المخالف إن وجد ، وحجة كلا الرأيين ، ليعرض على صاحب الصلاحية للبت في الترسية بما يتفق مع أحكام هذا النظام". وإضافة إلى ذلك, فقد أكد نظام الممثلين الماليين الصادر بموجب قرار مجلس الوزراء رقم م/85 وتاريخ 20/9/1380ه في فقرته السادسة على ما يلي: على الممثل المالي أن يتأكد من وجود اعتماد للصرف في الموازنة ووجود نظَام أو قرار أو أوامر من السلطة المختصة بإقرار الصرف والجباية, وإلا فعليه أن يمتنع عن توقيع المستندات مع بيان أسباب الامتناع كتابة. فإذا لم يؤخذ بوجهة نظره يرفع الأمر للوزير المختص أو لرئيس الدائرة المستقلة متضمناً الرأيين معاً. فإذا أقر الوزير أو الرئيس وجهة نظر الممثل المالي كان بها وإلا وجب عليه تنفيذ أمر الوزير أو رئيس الدائرة المستقلة فوراً. ثم إخطار كل من وزارة المالية والاقتصاد الوطني وديوان المراقبة العامة بذلك". وهذا ينفي ما أشار إليه الزميل من أن انعقاد اللجنة واتخاذها لتوصياتها يتوقف على حضور الممثل وحده.

وأعود لأذكر بما قلته في بداية هذه السلسلة من المقال من أن النقد, وبالذات نقد الأنظمة والتعليمات واللوائح, مطلوب, بل إنه فضيلة لا بد وأن يتوافر عليها المجتمع ليستمر متسنماً هامة الرقي والتطور. لكن مما يعوق التطور هنا أن تؤخذ المبادرة في نقدها ممن ليس لديه خبرة عملية بها,أو لا يتوفر لديه حد أدنى من الإلمام بها. وكما لاحظنا فيما سبق من مقالات, فإن ما أثير من نقاط اعتبرها أصحابها أنها نقاط ضعف في تلك الأنظمة التي تصدوا ل "نقدها" كانت في حقيقتها تعبيراً صارخاً عن تقحم غير المختصين لمجالات هي أبعد ما تكون عن مجالات اهتماماتهم فجاء "نقدهم" هشاً ضعيفاً غير قادر على تكوين رؤية تنظيرية في مجال تلمس نقاط الضعف الحقيقية في تلك الأنظمة التي تصدوا ل "نقدها".

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 7

  • 1
    وفقك الله
    نقد الانظمة واجب فعلا
    فالانظمة يتحاج الى تعديل وتطوير واعادة صياغة وفق محكات التطور والتغيير التقني والاداري الذي عجت به كل الشئون...بما في ذلك المالية !!!
    وانظمتنا بعضها تجاوز نصف قرن...اصبحت الامور (تقفزها ولا تبالي )!!

    د.الجوهرة - عضو

    05:45 صباحاً 2010/01/16


  • 2
    شكرا للأخ يوسف،ولكن أقول لك أن معظم الممثلين الماليين ليس لديهم خلفية فنيه عامه ولو قليله بالمشروع وخبرة المقاول ومدي جديته ونزاهته في تنفيذ المشروع،والذي حصل في جده هو يقع تحت عنوان واحد وهو(خيانة الوطن والأمانه)وعدم متابعة تنفيذ المشاريع من الوزراء وأمراء المناطق،لذا يجب أن لانضيع جريمة كارثة جده

    ياسر الشمري - زائر

    08:47 صباحاً 2010/01/16


  • 3
    السلام عليكم ورحمة الله
    أصبت كبد الحقيقة أستاذنا الفاضل واضيف
    النقد لا يكون من أجل النقد بل من أجل اتخاذ خطوات عملية فعلية على أرض الواقع وإلا ضاع الجهد سدى وبقي النقد والتطوير مجرد حبرٍ على ورق
    دمت برعاية الله

    مسلم عربي - عضو

    09:25 صباحاً 2010/01/16


  • 4
    معنى كلمة "نقد" لغويا: "ندد, تناول بالهزء والسخرية شخصا أو مقاما"...المشكلة أن الكثير من الكتاب -الله المستعان- لا يعرفون الفرق بين "النقد" و "النصيحة"..الأولى "رأي فقط" بينما الثانية " نقد و حل"..دائما ما امازح قائلا عبارة "نقد وطني" تستطيع قرائتها على الوجهين :)..ما دام الناقد "قلم مأجور بثمن"..المفارقة هي الثمن الكبير الذي يجره هذا القلم على المجتمع..ولو ردوه الى اولى الأمر منهم لاستنبطوه بعلمهم بطريقة أفضل..لنكن ناصحين وليس ناقدين..فالقلم أمانة
    موضوع مهم استاذي..لكن من يقرأ ؟..

    ابوعبدالله الفريدي - عضو

    09:42 صباحاً 2010/01/16


  • 5
    إعاقة لا رقابة!
    وظيفة الرقابة المالية السابقة(مراقب مالي أو ممثل مالي) إجراء أو نشاط تجاوزه الزمن والتقنية فالدورة المستندية للصرف تحولت من ورقية إلى إلكترونية فدور المراقب المالي منذ البداية كان عبارة لتكميل ملف ورقي(وجود إعتماد مالي،مر المشروع بإجراءات معينة من مواد النظام المالي)
    وهذه المهمة والرقابة السابقة يقوم بها الجهاز الحكومي داخليا من إدارة المراجعة في المرفق الحكومي ولا داعي لتواجد المالية!
    من تعايش مع المراقبين الماليين وخصوصا في جده
    يدرك حجم التعطيل والتأجيل للصرف المالي المزاجي

    ناصر حماد الجهني - عضو

    02:32 مساءً 2010/01/16


  • 6
    لو تكلم من يجب ان يتكلم لسكت الاخرون وفي غيابه لابد ان تعلو اصوات حتى غير المتخصصين لكني اشكرك على مقالك واسهامك والتمس العذر لابي طالب واشباهه مثلي لعدم التخصص لكنا نحتاج للموضوع فتكلمنا شكرا

    نورالقمر55 - عضو

    05:47 مساءً 2010/01/16


  • 7
    من المفهوم جدا ان يدافع عن "المالية"، "أبا الخيل" آخر.. لقد نقد زملاؤك ابوطالب والدحلان وصباغ المركزية وسوء البنود والانظمة، وهذا موقف وطني وشجاع، حتى لو اخفقوا في نقطة هنا ام هنالك.. فيما انت لم تفعل شيئا سوى تصيد تلك الثغرات، ولو اننا ترصدنا مقالاتك لأخرجنا عشرات الاخطاء. عجبي يا مثقف

    عمير الدهر - زائر

    08:52 مساءً 2010/01/16



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة