في رسالة شخصية من الملك الأردني الراحل الحسين بن طلال إلى المفكر العربي السوري جلال السيد توقفت أبحث عن المعنى والدلالة في رسالة يقترب عمرها من أربعين عاما.
كانت رسالة جوابية من الملك حسين بن طلال ردا على رسالة بعثها الأستاذ جلال السيد إبان أحداث أيلول من عام 1970 في الأردن، وهي الأحداث التي شهدت صداما مسلحا بين الفصائل الفلسطينية والجيش الأردني، وهي أحداث يدركها الكثيرون ممن عاصروا أو قرأوا عن تلك المرحلة، حتى أصبح ما يعرف بأيلول الأسود جزءا لا يتجزأ من الذاكرة الفلسطينية والأردنية والعربية منذ ذلك الوقت.
لفت انتباهي في تلك الرسالة عدة معان، من بينها تلك اللغة البليغة والفائقة الاحترام والغنية بالتفاصيل التي دافع فيها الملك حسين عن قراره الصعب في مواجهة المنظمات الفدائية التي اتخذت من الأردن منطلقا للعمل الفدائي إلى داخل الأراضي الفلسطينية. كما لفت انتباهي أيضا قدرة الملك حسين على نسج علاقات بمفكرين ومثقفين، من بينهم الأستاذ جلال السيد، الذي تواضع الحسين أمام قامته.. إلى درجة استدعت لدي السؤال عن معنى هذه الاهتمام الكبير برسالة السيد، وما مغزى هذه المدافعة البليغة والمستفيضة والتي توحي عباراتها أنها لم تكن إلا من نسج الحسين نفسه، خاصة أنها لم تأت أثناء الأزمة بل بعد أن حسم الأردن المعركة، وخرجت على إثرها حركة فتح والفصائل الأخرى إلى لبنان.
كيف كان يرى الحسين بن طلال مفكرا وسياسيا مثل جلال السيد، ليكتب له رسالة ضافية من أربع صفحات كُتبت بلغة دقيقة، وعبارات بليغة، ومدافعة شديدة، واعتراف كبير ...حتى لتظن أن جلال السيد كان رفيقا للحسين أو معلما له أو له يد وفضل عليه.
وكيف توارت علاقة السياسي بالمفكر والمثقف بالمنطقة العربية؟ ألم تكن المنطقة العربية بُعيد الاستقلال يقف فيها المثقف والسياسي الكبير خلف الزعيم، وربما كان هو الزعيم في مرحلة من المراحل؟
الأستاذ جلال السيد لمن لا يعرفه، كان احد المؤسسين التاريخيين الثلاثة لحزب البعث العربي قبل أن ينفصل عنه في منتصف الخمسينيات. وعلى الرغم من المناصب السياسية التي تقلدها في فترات قصيرة من عمر سورية، إلا انه فضل أن يعيش لعقود في مدينة دير الزور في سورية يكتب، ويساهم في تقديم رؤيته في أحداث وقضايا عربية كانت شغله الشاغل حتى وافاه الأجل المحتوم.
" بالمحبة والأخوة تلقيت رسالتك، وبالإعجاب والتقدير قرأتها وأعدت قراءتها مرة ومرة، ذلك لأنني على عكس ما تظن، أعرفك واحبك، وأحس أن بيني وبينك من الصلة ما ليس بيني وبين الكثيرين ممن ألقاهم ويلقونني من الناس"
"ولئن كانت المعرفة الحقيقية تتعدى حدود اللقاء العادي بين إنسان وإنسان، فإن معرفتي لك وصلتي بك تكاد تلح علي وتملأ عليّ إحساسي كلما طافت ببالي خيالات أولئك الساسة من أبناء أمتي، أصحاب الجهاد الصادق، ورجال الفكر والمعرفة، الذين يشاطرونني آلامي وآمالي، ويحلمون مثلي بغد أنقى وأصفى، ومستقبل أجمل وأنبل للإنسان العربي بكل مكان" .
هكذا تبدأ الرسالة وكأن الحسين يخاطب زعيما أو رفيقا بينما هو يدرك انه يخاطب سياسيا معتزلا ومفكرا متقدا، أقضت مضجعه أحداث أيلول الأسود فكتب للحسين، إذ لا يوجد ما يشير إلى تاريخ رسالة جلال السيد، هل كتب رسالته تلك أثناء الأحداث أم بعدها مباشرة، إلا أن رسالة الملك حسين مؤرخة بالتاريخ الهجري فقط بيوم 21 رجب 1391ه . النص البليغ لم يكن مستغربا من الملك حسين المتذوق للغة والبيان، لكن ما هو أهم، المدافعة التي جاءت في رسالة الحسين حول نظرته للعمل الفدائي آنذاك.
" كان قدر الأردن أن يكون المهد الذي تولد فيه الظاهرة، والبيئة التي تنمو فيها وتترعرع، والمنطلق الذي تندفع منه وتتحرك.... وقد عمدت منذ اليوم الأول، إلى فتح الأبواب على مصاريعها في وجه كل من انتحل الفداء وادعاه...وأحس العدو المتربص بموقفي وأدرك أبعاده، فراح يخطط بمكره الذي لا تحده حدود، في الوقت الذي يمعن في اعتداءاته علينا بلا حدود. ولعلك قد سمعت في منآك بما كان يوقعه علينا في الصباح والمساء..."
" بدأت المأساة حين طوى الفدائيون صفحة التحرير بكل كتابه كله، وأخذت الصفحات بل الكتب التي يسطرونها كل يوم تعج بأنماط من السلوك لا يرضاها الفداء لمن يحمل شعاره ولا تقبل بها القضية ممن يدعي خدمتها والعمل في سبيلها....".
" وأخذت موجات التذمر والشكوى تتدافع عليّ موجة بعد موجة، ولعله لا يخطر ببالك أن يكون منها مثلا عجز الجندي من الوصول إلى بيته لشهر أو شهرين، أو اضطرار الضابط إلى مغادرة معسكره متنكرا بملابس مدنية، أو توقف مصنع بكامله عن العمل لاستحالة وصول عماله وفنييه إليه، أو انقطاع الدراسة في عشرات المدارس ومئاتها حماية لأرواح الطلاب والطالبات من الموت المتربص بهم عند كل حنية. أو تحلل الأجهزة الحكومية وانعدام نشاطها بسبب غياب القائمين عليها نجاة بأرواحهم وكراماتهم . أو شلل الحركة التجارية والاقتصادية نتيجة لجوء أصحابها إلى منازلهم مخافة أن يقع لها وفيها ما لا يرتضون. أو إيثاري أنا شخصيا أن أبتعد عن ديواني ، فلا اذهب إليه إلا في الملمات."
عندما اقرأ هذه الدفاعات من زعيم كالحسين بن طلال لمفكر وسياسي معتزل مثل جلال السيد أدرك كيف يرى الحسين وقتها جلال السيد وكيف ينظر الزعيم وقتها للمفكر أو السياسي حتى لو اعتزل العمل السياسي وقبع في منفاه في عمق مدينة صحراوية على ضفاف الفرات. عندما اقرأ نصا يتجاوز أربع صفحات تناقش كل منحى بدقة ووضوح ومع تقدير الرؤى المتباينة فيما سجله الحسين حينها، وأن الرسالة تعبير عن وجهة نظر زعامة في ظرف تاريخي خاص... مع هذه الاعتبارات واعتبارات أخرى، إلا أن التاريخ يسجل للحسين انه من الزعامات العربية القليلة التي كشفت عن قدرتها على احتواء معارضتها، ولم يسجل في الأردن حالات إعدام للمعارضين... بل حمُل بعضهم من تهمة المشاركة في الانقلاب على العرش إلى كرسي الوزارة يوما ما.
يؤكد الحسين لجلال السيد انه "رغم تلك المواجهة الشرسة ورغم أطنان السلاح الذي استخرج من عمان ورغم عشرات ومئات الجنود الذين قتلوا في تلك المواجهات فإنه لم يعدم فدائيا واحدا ممن اعتقلوا .. وأن من أعدم حينها وهم نفر قليل هم مجرمون يبرأ منهم الفداء ...وقد أدانهم القضاء بعد أن ثبت له قيامهم بقتل رفيق لهم والتمثيل به بعد قتله".
أثق انه لن يُكتب التاريخ من خلال رسالة شخصية من رئيس أو ملك إلى سياسي ومفكر عربي، حتى لو كانت في زمن لم يغادر فيه العرب بعد أحلامهم الكبرى، ولم تنكشف أحوالهم كما هم عليه اليوم.. إلا أن بعض الرسائل تقدم ملمحا من ملامح مرحلة، وقد تتضمن مؤشرات قد لا تكون واضحة حينها، تكشف عن علاقة الزعامات بالقامات الفكرية والسياسية، حيث تكاد تلك المرحلة تطوى وتصبح صفحة من تاريخ قصير.
الأمر الآخر وهو الأكثر أهمية، هو المقاومة الفلسطينية التي ارتهنت طويلا لعوامل الصراع ليس فقط بين إسرائيل والعرب، ولكن بين العرب أنفسهم. من أحراش الأردن إلى مخيمات لبنان، ومن لبنان إلى الشتات، ومن الشتات إلى سلطة أريحا ورام الله، ومن سلطة أوسلو إلى حماس غزة وفصائل دمشق .. بعض عذابات الفلسطينيين هي نتيجة للنزاع والشقاق والارتهان. الأستاذ جلال السيد كان يحذر من مغبة التورط في التحالفات المشبوهة، وكان هاجسه استعادة القضية الفلسطينية لحضنها العربي. هذا السلوك السياسي الباهظ الكلفة لماذا يكرر نفسه في كل مرحلة؟!.
ارتهانات القضية الفلسطينية والفصائل الفلسطينية لقوى إقليمية متضاربة المصالح ومتعددة الأجندات... هو ما جعلها اليوم تعيش أكثر أيامها صعوبة وخطرا وانكشافا.
1
الاردن ومصر جداران اضافيان لجدار الفصل الصهيوني...والله كلب الحراسة ما يسوي مثل ما سوته الاردن ومصر في الاشتراك مع اسرائيل لمحاصرة الضفة والقطاع تحت حجج واهية...اللهم انتقم للمظلومين..
صالح - زائر
07:59 صباحاً 2010/01/11
2
لماذا تسمي إرتباط فلسطيني بالغير ؟لماذا لا تقول انها مصلح الفلسطينين كما يروها وليس إرتباط مجبرين عليه، اي إرتباط إختياري سوف ينفضوا أيديهم منه عندما لا يحقق لهم أهدافهم
محمد احمد كامل - زائر
08:29 صباحاً 2010/01/11
3
رحم الله المفكر الكبير جلال السيد واطال الله فى عمر ابنته د وفاء الصديقه والاخت الغاليه هده الرساله تكشف عن مدى احترام القاده للكتاب والمفكرين
بنت نجد - زائر
09:22 صباحاً 2010/01/11
4
فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا
هل من راد لأمر الله عز وجل
sultan - زائر
10:08 صباحاً 2010/01/11
5
لك ولامثالك ممن يدعون الكمال،، لماذا الذهاب بعيدا عن مقصد الكاتب الى مقاصدك الخبيثة الكاتب يتكلم عن مرحلة من التاريخ وهي مرحلة خيانه الفدائيين للاردن كما فعلوا وخربوا لبنان وفلسطين ونحن نرى الان،،ما زلتم ترمون بأخطائكم على غيركم وانتم سبب البلاء وها نحن نرى حماس الايرانية وفتح اليهودية وانت ممن؟؟
الى صالح - زائر
10:33 صباحاً 2010/01/11
6
الاخوة الكرام لا شك ان ما حدث في ايلول الاسود فتنة سببها الاساسي الجهل وقلة الدين وعدم مراعاة حقوق الغير وفي الاردن يحاول الناس العقلاء عدم التكلم في هذا الموضوع استنادا على القول "الفتنة نائمة ملعون من ايقاظها " وندعوا ان يغفر الله ذنب الجميع وخاصة من اثارها بجهل
وائل - زائر
10:59 صباحاً 2010/01/11
7
لسؤالك عدة اجوبة صحيحة!
إن جدار قادة الفلسطينيين سهل اختراقه لأنه من ورق خفيف..وشواهد التاريخ أثبتت ذلك!
كما ان الفساد المالي والاداري الملازم لكل قيادة فلسطينية يفقد كل ثقة فيهم..بل يكون سلما لذيك الاختراقات!
...
كانت القضية وسيلة للاثراء
وسببا لصعود السلم السياسي
...
وضحية لكل ذلك!
محمد الحسين - عضو
04:11 مساءً 2010/01/11
8
أصحاب المبادئ والقيم الإنسانية الصادقون تبقى شامخة مادامت تتمسك بقيمها ومبادئها، ويحترمها الجميع وينحنون أمامها مهما كانت مواقعهم ومناصبهم.
أبو ولات - زائر
11:54 مساءً 2010/01/11
الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة