الرئيسية > مقالات اليوم

حرب أوباما في اليمن


عادل بن زيد الطريفي

احتلت الأخبار القادمة من اليمن صدارة الأخبار العاجلة طوال الأسبوع الماضي، فقد أكدت الحكومة اليمنية مقتل عبدالملك الحوثي قائد التمرد في صعدة، بعد أسابيع من شائعات قضائه بضربة جوية، بينما أعلن الأمريكيون بشيء من الاعتداد عن تمكنهم من تصفية نشطاء بارزين في تنظيم القاعدة عبر ضربة جوية قيل إن الحكومة اليمنية هي التي نفذتها، وكان من بين الأسماء التي تم القضاء عليها ناصر الوحيشي مسؤول تنظيم القاعدة في الجزيرة العربية، ونائبه السعودي سعيد الشهري، وعلى الرغم من أن الأمريكيين كانوا يسعون بشكل جاد للقضاء على أنور العولقي رجل الدين المتطرف (الأمريكي الجنسية) لارتباطه بالعملية الإرهابية بفورت هود (تكساس) التي نفذها الميجور نضال حسن – الأمريكي من أصل فلسطيني-، إلا أن مصير العولقي مازال مجهولا. ولم ينته الأسبوع حتى أقدم طالب نيجيري بمحاولة تفجير طائرة أمريكية متجهة من أمستردام إلى ديترويت في الولايات المتحدة، وكشفت التحقيقات الأولية عن صلة ما تربط بين الشخص المحتجز واليمن، قيل أولا إنه ربما يكون على صلة بالعولقي، وقيل –أيضا- إنه ربما تلقى تلك المواد المتفجرة من احدى الخلايا الإرهابية المختبئة في اليمن.

منذ أن ثارت الأزمة الحوثية في 2004، وكثير من المراقبين والناشطين يتحدثون عن سوء الأحوال السياسية والاقتصادية في اليمن، وكيف أن تلك المشكلات - ومن أهمها الفساد - قد قادت إلى الوضع الراهن الذي لا يستطيع اليمن فيه تبديد المخاوف من احتمالات تفككه كدولة أو سقوطه بأيدي التنظيمات المتطرفة، وهؤلاء غالبا ما يحملون الحكومة اليمنية وأركان النظام المسؤولية عن تدهور الأوضاع.

وعلى الرغم من وجاهة تلك التحليلات، إلا أنها في واقع الحال لم تعد عملية خصوصا مع تصاعد نشاط الحركة الحوثية فيما بات يعرف بالحرب السادسة، لاسيما وأن الحركة قد أوقعت اليمن في شرك إقليمي عبر الارتباط بالحرس الثوري الإيراني وفتح جبهة الحرب مع دولة بحجم السعودية. لو كانت المسألة امتدادا لحرب الجنوب كما يقول علي سالم البيض – نائب الرئيس اليمني السابق والمعارض حاليا - لكان من الواجب أن يكون الجنوب هو مصدر الحوار السياسي لهذه الأزمة التي يراها الكثيرون شمالية بامتياز، بالإضافة إلى أن بعض مناطق الجنوب تحولت مؤخرا إلى مأوى للتنظيمات المتطرفة.

لكن الملاحظة الأبرز، هي أن الأمريكيين وبعض دول المنطقة بدأوا بشكل فعلي بمواجهة مخاوفهم في اليمن كل على طريقته. طبعا، مسألة تعاون الاستخبارات فيما بينها لمراقبة فلول القاعدة في اليمن ليست جديدة، فمنذ توجه الأفغان العرب نهاية الثمانينيات إلى اليمن، واستخبارات إقليمية ودولية تنشط في مراقبة الوضع اليمني ولكن كانت تلك المتابعة والمراقبة تقوى وتضعف تبعا لحالة النظام السياسي في اليمن. بيد أننا نشهد اليوم ملامح تغيير كبير لهذه الاستراتيجية حيث بدأت تلك الدول بالتدخل المباشر لتأمين مصالحها.

في أوائل هذا الشهر نفى المسؤولون الأمريكيون بشدة أي علاقة لهم بما يحدث شمال صعدة، وفي منتدى المنامة الاستراتيجي (13 ديسمبر) تجنب كل من جيفري فيلتمان – مساعد وزير الخارجية -، والجنرال ديفيد بترايوس – قائد القيادة المركزية للجيش الأمريكي- تأكيد أي دعم أمريكي للحكومة اليمنية ضد الحوثيين، بل إن فيلتمان أكد أن بلاده ليس لديها أي دليل على تورط الإيرانيين المباشر في صعدة وسط استغراب عدد من المراقبين والباحثين. السؤال الذي برز حينها: لماذا يتردد المسؤولون الأمريكيون عن إعلان الدعم الرسمي للحكومة اليمنية في حربها ضد الحوثيين؟

الإجابة كشف عنها تقرير مهم نشرته جريدة النيويورك تايمز (27 ديسمبر)، وملخصه أن إدارة الرئيس أوباما قد وافقت قبل عام على مشروع سري لمواجهة تنظيم القاعدة في اليمن، وفقا لتوصية كانت عرضت على الإدارة السابقة تفيد بأن التنظيم بعد فشله في إقامة قواعد ثابتة في السعودية والعراق بات يعيد تمركزه فيما بين اليمن والصومال، بحيث يوفر له الصومال معسكرات للتدريب، والتهريب عبر إريتريا، وحيث تتحول حدود اليمن - السعودية قواعد جديدة لشن هجماته. التقرير يذكر أن كبار عملاء الاستخبارات الأمريكية رحلوا قبل عام إلى اليمن من أجل بناء برنامج لمكافحة الإرهاب، وتدريب وحدات خاصة من القوى الأمنية اليمنية لتنفيذ هجمات مشتركة على معسكرات تدريب تابعة للقاعدة. إضافة إلى عمليات السي آي أي، رصد البنتاغون 70 مليون دولارا في هيئة مساعدات عسكرية ولوجستية لتقوية حرس الحدود ووزارة الداخلية اليمنية خلال الثمانية عشر شهرا القادمة.

إذاً التحفظ الأمريكي فيما يخص الحوثيين هو في الواقع تغطية لمشروع أمريكي آخر لمواجهة القاعدة، وعلى الرغم من أن الحركة الحوثية –كما القاعدة- تعتبر الولايات المتحدة الهدف الأول في عملياتها إلا أن بعض صانعي القرار الأمريكي مازالوا يعتقدون أن بإمكانهم تحييد حركة دينية متشددة –كالحركة الحوثية- حتى يتسنى لهم مواجهة الازدياد الكبير في نشاط القاعدة في اليمن والذي بدأت نيرانه تصيب الداخل الأمريكي مجددا. هذه البراجماتية السطحية تكشف عن قصور في تعاطي الإدارة مع الأزمة اليمنية؛ فالاعتقاد بأن أمريكا قادرة على شراء الوقت مع الحوثيين فيما تواجه القاعدة هي نظرية قاصرة للغاية لسببين: أولا: أن التعاون –وإن يكن تكتيكياً- فيما بين القاعدة والحوثيين بات بارزا خلال الحرب الأخيرة، ولاسيما في عمليات التسلل داخل الحدود السعودية - اليمنية.

ثانيا: أن الداعمين الرئيسيين للحركة الحوثية في الخارج –الحرس الثوري الإيراني- مصرون على أن تستمر المواجهات حتى تحقق الحركة شرطها الأساسي وهو تحقيق الاعتراف بها كحركة سياسية مسلحة، وهو ما لن تتمكن من تحقيقه إلا عبر مفاوضات مع السعودية واليمن عبر وساطة إيرانية تماما كما حدث مع حزب الله اللبناني بعد اتفاق الطائف، والذي لم يتحصل على الاعتراف الرسمي به إقليميا إلا بعد عملية عناقيد الغضب 1996، وهي ذات السنة التي أوعز بها الحرس الثوري الإيراني لخلاياه بتنفيذ مهمات في لبنان والخليج في وقت كانت إيران فيه تغلي سياسيا ضد حكم ولاية الفقيه.

الإدارة الأمريكية ترتكب خطأ فادحا في مقاربتها للحدث اليمني. صحيح، أن الإدارة لا تريد التشويش على المحادثات الرامية لفرض عقوبات على طهران خلال الأسابيع القادمة، وذلك عبر التعامي عن الحدث الحوثي، إلا أن الإشارات التي ترسلها واشنطن بخصوص خصومها مضطربة وغامضة. تنظيم القاعدة عدو بلا شك لدول وشعوب المنطقة، وكذلك الولايات المتحدة، ولكن الحركة الحوثية بهيئتها الراهنة لا تقل تطرفا أو عداءً لهذه الأطراف. إذا تم التغاضي عن الحركة الحوثية الآن، فإن ذلك من شأنه أن يضعف القدرة على مواجهة مشروعات تبيئة الأحزاب المسلحة والمتطرفة في المنطقة. إرسال عملاء السي آي أي، أو صرف الملايين لمواجهة القاعدة لا يحل مشكلات الولايات المتحدة مع عدم الاستقرار في اليمن، ولكن المبادرات السياسية هي وحدها الكفيلة بإعادة اليمن إلى مرحلة الإنعاش. تذكروا أن السي آي أي يزعم معرفة الساحة اليمنية جيدا لكي يقود حملات مواجهة القاعدة فيها، والحقيقة أن اليمن هي احدى أبرز الدول التي تعرضت فيها لضربات موجعة. هذا لا يعني أن على الولايات المتحدة أن تتخلى عن دعم الشرعية في اليمن، ولكن إرسال المزيد من الجنود –كما فعلت الإدارة في أفغانستان مؤخرا- ليس حلا، فأهل اليمن أدرى بشعابها.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 12

  • 1
    مقال ممتع يادكتور عادل

    مهند - زائر

    03:26 صباحاً 2009/12/30


  • 2
    اعتقدان استمالة القبائل ودعمها سلاحاومالاهوالذى يمكن من خلاله تغييرالمعادله فى اليمن وعليناان نتذكرماحدث فى الستينات فارسال الجنوديدفعتلك القبائل على التكاتف مع هذه الحركات كمايحدث فى افغانستان وامريكايجب ان يكون لهادوركماان عدم المبادره وضياع الوقت يؤدى الى ضياع الهدف!!

    عبدالله عبد المعطى الدوسرى - زائر

    07:16 صباحاً 2009/12/30


  • 3
    أسأل الله العظيم الذي إن قال للشيء كن فيكون ان يصلح حال اليمن
    وان يكفيهم كل شر
    وانا لست من العارضة لكن سبب ما يحصل في اليمن هو سوء الإدارة
    فلا أحد يدري أين ثروات اليمن ولا حتى المساعدات الخليجية والدولية
    وبعد ذلك تريد اليمن استقرار وأمن مع فقر ونهب وظلم
    لايجتمعان
    ارجو ان تراج الحكومة سياستها

    محمد عبدالكريم الحميري - زائر

    08:00 صباحاً 2009/12/30


  • 4
    نتمنى ان لا تكون اليمن مثل الصومال وباكستان والعراق حرب اهليه وطائفيه

    عبدالعزيز - زائر

    12:50 مساءً 2009/12/30


  • 5
    اذا أردت أن أقرأ ملخصاً لأحداث المنطقه فإني اقرأ مقالاتك..
    شكراً لك

    ياسر الحر - عضو

    12:53 مساءً 2009/12/30


  • 6
    مقال جميل يستحق القراءه

    خالد - زائر

    02:22 مساءً 2009/12/30


  • 7
    اتفق مع تعليق رقم 5

    صالح المحمد - زائر

    02:26 مساءً 2009/12/30


  • 8
    اعجبني مقالك دكتور عادل ولكن لي تعليق على الاخ الذي يسئل اين ثروات اليمن الايعرف الاخ العزيز بان سكان اليمن يبلغ ثلاثة والعشرين مليون وان النفط المستخرج من اليمن لايتعدي ثلاثة مائه الف...
    فل يعمل الاخ العزيز مقارنة بين ثروات اليمن وعدد السكان ثم يقارنة بنفط وعدد سكان دول الخليج لعرف وين الخلل

    عبدالرحمن احمد الصبري - زائر

    03:45 مساءً 2009/12/30


  • 9
    ولكن ماذا فعلنا لحمايه حدودنا مع اليمن على المدى الطويل للاسف لاشي

    عبدالاله - زائر

    04:45 مساءً 2009/12/30


  • 10
    لسنا ضليعين بالساسه ولكن نقول دعاء اللهم جنب المملكه شر الحاسدين والطامعين.

    الاعصار - زائر

    05:16 مساءً 2009/12/30


  • 11
    اذا لم يتم دعم الحكومة اليمنية
    فسوف تتحول اليمن الى افغانستان ثانية
    لان الحكومة الضعيفة بيئة خصبة لنشوء حركات التمرد
    وارسال الجنود لم يحل مشكلة افغانستان
    حتى يحل مشكلة اليمن

    اسراري - عضو

    07:32 مساءً 2009/12/30


  • 12
    اليمن الوجبه القادمه لحتلاله..وأعادة مجد اليهود فيه !
    نعم اليمن هو قلق أمني وتخلف نظامي ,
    وتدهور فلسفي وبيئه مشجعه للكراهيه!
    ومايحدث اليوم للحد الجنودي لنا ,
    الا بعض مالدى الكثيرين من سكان هذا الجار من الضغينه لنا!
    ولحدسي أشك وبكل قوه أنا اليوم الحوثيين متضامنون مع,
    القاعده كذلك لهم مصالح مشترك لشن حرب أمنيه,
    وبث الفتنه في جزيرة العرب,
    وجعل السعوديه تستهلك موارها على التسلاح,
    والبعد عن تنميه للأنسان السعودي!
    وأني بعد اشك أن بن لادن متواجد في مسقط راسه,
    وأصوله { اليمن اليوم! }

    بدراباالعلا - عضو

    08:37 مساءً 2009/12/30



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة