الرئيسية > ثقافة الخميس

همزة وصل

سيول جدة ..الأسى المريب!


سعدية المفرح

أتابع المشهد الغارق في مائه الفائض عن التصور من على شاشة التلفزيون، فانساب في خضم المياه.. أبحث عن مشاهد أخرى فيتكرر الأسى المريب وتتشابه الوجوه.. تقترب الكاميرا كثيراً من الوجوه الذاهلة عن مكامن الدهشة، وتجتاح الجميع تلك اللمعة الخاطفة التي لا تعني سوى المزيد من الوجع.

وجع يحيط بكل الأشياء والبشر، ووجع يتمحور ليكون على شكل سيارة طافية في حركة سوريالية قد لا تتكرر كثيراً..

تعود بي الذاكرة إلى مشاهد لعلها أكثر قسوة للمياه وهو تمارس جبروتها المدمر في أمكنة أخرى بعيدة، فأندهش من بلادة تلك الذاكرة التي تكتفي باسترجاع المشهد مجرداً من لحظة الوجع الأولى وملامحه المغموسة في العجز شبه الكامل..

الكارثة هنا، في مدينة جدة، أقرب إلى روحي، على الرغم من أنها تطل علي أيضا من شاشة التلفزيون، وعلى الرغم من أنني أناوشها بمجرد العيون الباحثة عن تفصيلة صغيرة للتفاؤل، لكن هذه الوجوه التي أراها الآن وهي تدفع السيول وتقاوم المياه، أعرفها جيداً مع أنني لم أشاهدها من قبل على وجه اليقين، أعني أنني أتنفس وجعها كما لو أنه وجعي، وأتحسس القلوب الساكنة في قاعها كما لو أنها صورة عن قلبي، وأحاول أن أمسح أساها كما لو أنني أمسحه عن ملامحي.

أتلمس أطراف ثيابي لأتأكد من أن المياه القاسية التي تدفقت من على الشاشة فغمرت روحي قبل قليل لم تبلل ثيابي، فتفاجئني الرطوبة المتسللة إلي عبر مسامات الأسى المستفحل.

أبحث عن وجه ما فيلقاني هلع طفلة مدسوس بين ثنايا "اليوتيوب " وكأن التلفزيون خشي من فتنته الباكية فاعتذر عن بث ذلك الذعر الكامد فيه.

تنتابني نوبة صداع أعرفها في حالات العجز الكبير.. هذا وجعي أنا، وهؤلاء أهلي، والسيل يغرق في بقايا الحنين إلى ضحكة فلتت من تلك المدينة الساحرة عبر صورة فوتوغرافية يوماً ما..

تستمر نوبة الصداع الى ما بعد المشهد الغارق، وتبدأ الأسئلة في احتلال بقية السكينة..ويسكن الماء أخيراً..بلا إجابات.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 8

  • 1
    مقال رائع

    ام محمد - زائر

    04:18 صباحاً 2009/12/10


  • 2
    ليت كثيراً من المسئولين الذين سرقوا مارصدته الدولة لتطوير وتحسين أوضاع مدينة جدة يحسوا ويتفاعلةا مع الحدث ولو بنسبة 10% مما احسست به وتفاعلت أختي الكاتبة ولكن هؤلاء ناس ماتت ضمائرهم ( نسوا الله فأنساهم أنفسهم ) ( ويمدهم في طغيانهم يعمهون ) حتى أرجعهم قرار سيدي خادم الحرمين الشريفين أطال الله في عمره إلى جادة الصواب فخشوا الحساب وأنبروا لتنفيذ ماكان يجب أن ينفذوه منذ سنوات طوال.

    بحر العرب - عضو

    06:47 صباحاً 2009/12/10


  • 3
    فاض البحر الهادئ فأخرج السيل أمامه جثث فرجع البحر فقال إن كان السيل فعل هذا فأني أخاف إإن لايعيش أحد ولكن سوف أتركهم ماسيفعلون مع بحيرة المسك!!! لعلي أحصل مابها من المرجان ؟؟
    لو تلاقا البحر مع بحيرة المسك مع سيل صغير!!! سوف نتظر سكون الماء!
    لك الشكر اختي

    سالم فهد الموكا - زائر

    08:18 صباحاً 2009/12/10


  • 4
    سلاما جدة العز...سلاما جدة التاريخ من قلب بغداد لكي..سلاما جدة الانساب من قلب..سلاما جدة الاصول من كل قبيلتي..سلاما جدة الخير من شواطئ دجلتي وفراتي..سلاما جدة الامال من الارض والوادي..سلاما جدة الحنين من كل طفل وشيب وشبابي..سلاما جدة الجود من اليتامى والشهداء..سلاما جدة الايمان من كل عابد والعبادي..سلاما جدة العز فانت نعم البيت والاوطاني.

    الشجاع الشجاع - عضو

    12:09 مساءً 2009/12/10


  • 5
    اسلوب رائع مستخدما ماساة شعب !!
    وقد اضاء الخبر الفجيعة مكنون الشعراء والمبدعون وغيرهم
    فاصبحوا يعبرون حسب انائهم !!
    تلوين المعاني بتعابير حزن لفاجعة شعب وماذا نقول اكثر !!

    جاسم الشبلي - زائر

    01:50 مساءً 2009/12/10


  • 6
    "سيول جدة..كان لابد ان يكون" للحقيقة" ثمنها الباهض الذي دفعه الضحايا لتتعرى الحقيقة ,حقيقة البشر حين يفقدون الاحساس بالمسئولية والامانة فتتوارى انسانيتهم ويصبح الجشع والطمع مسيطرا "

    شايفة وساكتة - زائر

    03:08 مساءً 2009/12/10


  • 7
    سيول جده فاجعه مريبه جدا < فاولله يااخواني ماجت هذه الكارثه الا من الممعاصي الله يغفر ذنوبنا بس / مقال رائع جدا

    الالمعي - زائر

    10:54 مساءً 2009/12/10


  • 8
    سيول جده فاجعه مريبه جدا < فاولله يااخواني ماجت هذه الكارثه الا من الممعاصي الله يغفر ذنوبنا بس / مقال رائع جدا

    الالمعي - زائر

    10:54 مساءً 2009/12/10



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة