الرئيسية > مقالات اليوم

محنة العروبة في لبنان


جهاد فاضل

لم يتعب بلد عربي في إثبات عروبته وانتمائه إلى الأمة العربية كما تعب لبنان. ذلك أن لبنان خضع في تاريخه الحديث إلى تيارات فكرية متنوعة متصادمة اتفق قسم كبير منها على لا عروبته، وعلى أن علاقته بمحيطه علاقة هشة تقتصر على موقعه الجغرافي وعلى أن أبناءه يتحدثون باللغة العربية لا غير! وحتى هذه الأخيرة لم تسلم من الطعن. فقد أصدر أحد المثقفين الفرنكوفونيين مرة كتاباً حاول أن يثبت فيه أن لبنان كان يتحدث على الدوام بأكثر من لغة واحدة، باثنتين أو بثلاث. فحتى اللغة لم تؤخذ في الاعتبار عند عملية «تصنيفه» بين البلدان، بل نُظِر إليه على أنه بلد متوسطي وجهه إلى البحر وينتمي إلى حضارة هذا البحر، كما إلى أوروبا بوجه عام. وعندما تضمن بيان حكومة رياض الصلح الاستقلالية الأول عام ١٩٤٣ عبارة تنصّ حرفياً على لبنان «ذو وجه عربي» هلّل العروبيون اللبنانيون فرحاً، واعتبروا أن نصراً ما للعروبة قد تحق في بلدهم، مع أن العبارة جاءت خجولة ولم تُلب ما كانوا يطمحون إليه، ولكنهم تعاملوا معها بحبّ على أساس أنها أول الغيث.

كان في نظر المسيحيين اللبنانيين يومها، أو في نظر جماهير ونُخَب مسيحية مثقفة واسعة النفوذ، أن العروبة «ذات وجه إسلامي»، أو ذات طابع إسلامي، ولأنهم مسيحيون فهم يرفضون أو يتحفظون عليها ويكتفون بمجرد العلاقات الحسنة مع العرب لأنهم يخافون على بلدهم من فكرة الوحدة العربية. والواقع أن ما يُسمّى بالميثاق الوطني اللبناني الذي قام عليه استغلال لبنان يتلخص بأمَرين اثنين: أولهما فكرة تخلّي المسلمين اللبنانيين عن طلب الحماية من فرنسا والغرب بصورة عامة، ولأن المسلمين اللبنانيين اتسموا يومها بسعة الصدر وتفهموا هواجس اخوتهم في الوطن، وأدركوا أنهم مجرد خائفين لا أكثر، وأن لبنان يُثريه تنّوعه وتعدّده، فقد سلك طريق الوحدة الوطنية اللبنانية سبيله وسارت الأمور على ما يرام سنوات طويلة.

ولكن العروبة إذا كانت قد أقنعت اللبنانيين مع الوقت بأنها ليست «إسلامية» فقط لا غير، وأنها إنسانية في جوهرها، ويمكنها أن تضمّ تحت جناحيها كل اللبنانيين وكل العرب، فإنها متهمة في لبنان الآن بأنها «سنّية» أو «سعودية» أو «مصرية»، ولذلك فإنها لا ترد لا في خطب ولا في بيانات ولا في أدبيات حزب الله المرتبط بإيران، على الاطلاق. يُجهد المرء نفسه، وهو يقرأ كل يوم ما يصدر عن هذا الحزب في بيانات أو نشرات أو كتب، فلا يجد أن عبارة «العروبة» قد تمكنت من التسلل إليها. وحتى عندما يعود المرء إلى الوثائق والبيانات الأساسية فإنه لا يجد على الاطلاق ما يشير إليها لا من قريب ولا من بعيد. فالانتماء ليس إليها، بل إلى ملّة أو مذهب يؤجج الروح ويعمر الوجدان. والرابطة، استناداً إلى ذلك، ليست الأرض سواء كان اسمها «لبنان»، أو «بلاد العرب»، أو «العروبة» أو «الإسلام» بمفهومه المعروف، بل الرابطة في جوهرها تختلف عن ذلك. صحيح أن هناك إشارة إلى «الأمة»، وأحياناً إلى الأمة الإسلامية، ولكنها ليست أبداً الأمة الإسلامية التي يستخدمها الإسلاميون، وإنما أمة أخرى لا يجوز للمرء أن يُجهد نفسه حتى يتأكد تماماً منها. إنها بلا ريب «الأمة الإسلامية الإيرانية»، أو «الأمة الإسلامية» التي ترى في إيران قدوتها وقيادتها.

ثمة إذن هجرة روحية إلى «فاتيكان» بعيد تهفو إليه النفوس، وتجد فيه فئة من اللبنانين أنه «الوطن» الحقيقي الذي لا وطن سواه. لبنان مجرد «مكان» لا أكثر، ولكن «الوطن» ليس هو، بل سواه، والعروبة لا علاقة لنا بها لأنها تخص السوي أو الغير. وهي بلا ريب «سنّية» أو «سعودية» أو «مصرية». أما أن العروبة رابطة حضارية جامعة لقوم هم العرب إلى أية ملة أو نحلة أو مذهب انتموا، وأن هذه الرابطة استطراداً تخص المسلمين جميعاً، إلى أية طائفة أو مذهب انتموا، كما تخص المسيحيين وحتى اليهود العرب، فأمر لا يدور في الذهن، ولا يقبله عقل. فالوطن هو المذهب، والولاء المطلق هو لأعلى الفقهاء رتبة في هذا المذهب، أي للوليّ الفقيه المقيم خارج لبنان وخارج بلاد العرب.

لكل ذلك لا يجوز أن نستغرب إذا ما تناهى إلينا في يوم قريب أن اللغة الفارسية تأخذ مكانها في بعض المدارس اللبنانية إلى جانب اللغة العربية، أو تحل محل اللغة الأجنبية المقررة، سواء كانت هذه اللغة هي الفرنسية أو الإنكليزية. أوليست هي اللغة السائدة في بلد «الأمة»، وعندما تكون «الأمة» غير الأمة العربية، فلماذا يُحصر التدريس بالعربية وحدها، وهي أصلاً وأساساً لغة قريش وأميّة؟

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 2

  • 1
    انها قضية تربوية..شائكة

    دالجوهرة - زائر

    04:17 صباحاً 2009/09/25


  • 2
    تعتبر لبنان الوطن العربي الوحيدالحر والشعب البناني هو الشعب العربي الوحيد المثقف ثقافه انسانيه محترمه لا عبوديه لاهوتيه او هندوسيه والحكومه البنانيه حكومه ديمقراطيه بحثه وان تجاذبتها الثقافات المختلفه فهي( اي لبنان )العلم لمن اراد العلم والحريه الانسانيه لمن ارادالحريه والطبيعه الساحره لمن اراد

    عباد البصري - زائر

    09:06 صباحاً 2009/09/25



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة