الرئيسية > مقالات اليوم

محمود درويش بعد عام على الرحيل (٢-٢)


جهاد فاضل

أما في العالم الخارجي، فالناس ينظرون إلى هذا الشاعر على أنه من نسل الشعراء الكبار الذين عرفهم القرن العشرون، مثله مثل اراغون واليوار ونيرودا ولوركا.

وقد نجح محمود درويش على الخصوص في تقديم صورة إنسانية لقضية بلاده في الخارج، وفي تقديم إسرائيل بصورة الجلاّد الذي يعذب ضحيته. ولو أن محمود درويش استمع إلى «حماس» واستخدم قاموسها ومفرداتها، لما بقي لفلسطين صديق أو نصير في أي مكان في العالم. ولكنه استخدم لغة ذات نزعة إنسانية، فدخلت قضيته إلى قلوب الكثيرين، وظهرت قضية عدوه بمظهر نازي وفاشي غير قابل للدفاع عنه.

وقد كسب محمود درويش على الخصوص احترام النقاد والدارسين. فها هو شاعر تطور تطوراً طبيعياً حتى استقر في سنواته الأخيرة على قمة الشعر. بدأ بداية متواضعة شديدة التواضع لدرجة إهماله ديوانه الشعري الأول: «عصافير بلا أجنحة» الذي كان مجرد تمرينات أولية على الشعر، واعتبار ديوانه الثاني «أوراق الزيتون» فاتحة أعماله الشعرية، مع أنه لم يكن يخلو من التقريرية المباشرة التي تذكّر القارئ بافتتاحيات الجرائد الحزبية:

قصائدنا بلا لونٍ

بلا طعمٍ، بلا صوتِ

إذا لم تحمل المصباح من بيتٍ إلى بيتِ

وإن لم يفهم «البُسَطا» معانيها

فأولى أن نذرّيها

ونخلد نحن للصمتِ!

وفي بداياته وقع محمود درويش في أسْر شعراء كثيرين، عرب وأجانب. فقد ذكر مرة أنه خرج من عباءة نزار قباني. كما ذكر آخرون أنه تدثر أحياناً أخرى بعباءات السياب والبياتي وآخرين. ولا شك أن للوركا تأثيرات كبيرة عليه ظل خاضعاً لها على الدوام. وبالإمكان توجيه ملاحظات كثيرة - قاسية أحياناً - إلى شعره، ولكنه يظل صورة راقية للشعر العربي الحديث، وقبل كل شيء صورة راقية لفلسطين وسؤالها الأخلاقي المقترح على العالم. فمن قصائد ذات طابع حماسي سهل كقصيدته «سجّل أنا عربي»، في البدايات، إلى قصائد خالدة عصية على النسيان بدأت «بأحد عشر كوكباً» وبالأعمال اللاحقة، وفيها كلها يجد القارئ بحثاً عن قصيدة مترعة بالقلق والتجاوز، فيها كشوف رؤيوية وارتياد آفاق. وهو في نظر الكثيرين مهندس قصيدة مؤثرة، ومهندس جمالية خاصة وقوية. تخلصت القصيدة العربية على يديه من زوائد دودية كثيرة، وصارت أكثر كثافة وتقطيراً واختزالاً، وبات لها حضور مؤثر في كل مكان، وحتى داخل إسرائيل نفسها، لا عند عرب ١٩٤٨م، بل عند الإسرائيليين أنفسهم. فلا شك أن شعره أحدث هزة داخل المجتمع الإسرائيلي لا بسبب نصّه الشهير «عابرون في كلام عابر»، بل بسبب مجمل شعره ومواقفه. لقد تعاطف إسرائيليون كثيرن مع عدالة القضية الفلسطينية انطلاقاً من قراءتهم لشعره ومن عدالة ما يدافع عنه.

وقد حقق هذا الشاعر المثقف الذي انصرف سنوات طويلة إلى قراءة متعمقة للأديان والحضارات والثقافات الأجنبية، قفزات هائلة في أعماله الأخيرة ليتحول إلى شاعر كبير ليس على المستوى العربي وحسب، بل على المستوى العالمي أيضاً. ذلك أن الأفق الذي حلّق فيه تجاوز أفق القضية الفلسطينية، إلى آفاق أوسع وأرحب، فبات واحداً من شعراء الإنسانية الكبار، مثله مثل لوركا الذي افتتن به والذي ينتمي مثله إلى الينابيع العربية الأندلسية.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 2

  • 1
    رحمك الله.. ويبقى حي نتغنى بشعره.. وذكراه ستبقى
    كا احمد شوقي
    وحافظ ابراهيم
    وعبدالله الفيصل..

    سمو الزعامه - عضو

    06:15 صباحاً 2009/08/25


  • 2
    فيه احد ينسى.. طلعت يامحلا نورها شمس الشموسه !
    فيه احد ينسى.. زروني كل سنه مره..!
    فيه احد ينسى السلام الجمهوري لمصر الحبيبه !
    الله يرحمك يامحمود درويش... تحياتي للاستاذ جهاد فاضل..

    محمد العمر - زائر

    03:31 مساءً 2009/08/25



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة