الرئيسية > مقالات اليوم

الرؤية الأبعد اجتماعياً في ظاهرة الإرهاب..!


د. علي بن حمد الخشيبان

من المؤكد أن خبرات رجال الأمن في المملكة العربية السعودية أصبحت قادرة على تحقيق انتصارات أمنية رائعة في طريق نجاحها لمحاربة ظاهرة الإرهاب وتحقيق ضربات استباقية لكل محاولات التفجير أو التخريب أو التجنيد أو الاستغلال من اجل القيام بأعمال إرهابية.

الأمن السعودي بقيادة سمو وزير الداخلية أصبح مثالا حقيقيا يحتذى في تحقيق الانتصارات على فئات الإرهابيين وإفشال مخططاتهم ففيه من الخبرات والكوادر التي تمرست على تحقيق النجاح تلو الآخر في سبيل حفظ امن واستقرار هذا الوطن، ومن هنا كانت ثقة خادم الحرمين الشريفين بهذا الجهاز وقياداته عندما وعد حفظه الله بأن المملكة سوف تقضي على كل من تسول له نفسه العبث في امن هذه البلاد أو المساس بمقدراتها.

خلال السنوات الماضية ثبت فعلياً قدرة الأمن في المملكة العربية السعودية على تحقيق الانتصارات على الإرهابيين سواء بإفشال مخططاتهم أو بالقبض على المجموعات والخلايا التي كانت تخطط للتدمير في هذا الوطن.

لقد استطاعت أجهزة الأمن وبدءا من العام 2003م، ان تحقق الكثير من النجاحات الأمنية لمحاربة الإرهاب وكان آخرها ما تم الإعلان عنه خلال الأسبوع الماضي من القبض على مجموعة من القيادات والمنظرين للفكر التكفيري.

هذه المجموعة ضمت الكثير من العناصر التي تشكل بالتأكيد الدعم الهندسي والتقني للقاعدة حيث ضمت مجموعة من حملة الشهادات العليا والمتخصصين والخبراء في المجالات التقنية ذات العلاقة بصناعة المتفجرات وتنفيذ عمليات التفجير عن بعد وتزوير الوثائق.

هذا الإعلان لوزارة الداخلية كما اراه يعتبر مؤشرا فعليا لفرضيتين أساسيتين حول القاعدة في المملكة ونشاطاتها، الفرضية الأولى تقول إن أجهزة الأمن استطاعت خلال السنوات الماضية في جهودها الأمنية من الانتهاء والقضاء على نصف الأفعى الإرهابية المتمثلة في القاعدة وهي الآن وبعد الإعلان عن هذه المجموعة أصبحت قريبة من رأس الأفعى.

حيث إن الرموز التي تم القبض عليها تعطي مؤشرا بقرب أجهزة الأمن من وضع يدها على رأس الأفعى الإرهابية ومن ثم القضاء عليها بإذن الله.

الفرضية الثانية تقول إن القاعدة لم يعد أمامها الكثير من الفرص لتجنيد الشباب وصغار السن فلجأت إلى قيادات ومنظرين لتنفيذ المخططات على أمل أن تنجح ولو بعملية واحدة بعدما فشل الإرهاب في تنفيذ أي عملية إرهابية خلال السنوات الماضية.

في الحقيقة انه ومن خلال كلا الفرضيتين فإن ظهور هذه المجموعة بهذا القدر من التأهيل العلمي والتقني يشير إلى قرب أجهزة الأمن من تحقيق انتصارها المؤكد بالقضاء على القاعدة ورموزها وهذا يمكن أن يكون قريبا وخلال فترة وجيزة فظاهرة الإرهاب كما يبدو تسير نحو الانحسار وخاصة أن المجتمع بجميع فئاته العاقلة أدركت أن الخطر كبير والذي يمكن أن يحصل للمجتمع باستمرار الظاهرة الإرهابية. مع كل هذه الانتصارات التي حققها الأمن برجاله الأبطال وقياداته الفذة لابد وان نتوقف للإجابة على سؤال يشكل الرؤية الأبعد اجتماعيا في ظاهرة الإرهاب.

هذا السؤال يقول: كيف يمكن للمجتمع وثقافته تحقيق نفس القدر من الانتصار الفكري على الإرهاب..؟ كظاهرة وكأيديولوجيا وكأفراد يقدمون الدعم المعنوي أو الحسي وتشجيع ممارسة الإرهاب بالتجنيد أو الدعم أو التعزيز.

بلا شك أن النجاح الأمني في محاربة الإرهاب بحاجة إلى نجاح اجتماعي يوازيه في القوة والثقل والكثافة وإلا تحولت العملية إلى مشكلة اكبر حيث إن التعامل مع الفكر التكفيري والإرهابي والتزمت والتطرف لن يتوقف ما دام هناك منابع تقدم التسهيلات لظهور الفكر المنحرف.

السبب في ضرورة وجود هذا التوازي في النجاح بين الأمني والاجتماعي الثقافي هو ضمان أن ما تحقق في الجانب الأمني من نجاح لا يوازيه إخفاق في معالجة الظاهرة اجتماعيا وثقافيا.

المجتمع إذا ما استمر في تردده في تعريف الظاهرة وحسم موقفه من القضايا غير الواضحة في ظاهرة الإرهاب فإنه قد يصبح مصدر إنتاج للظاهرة الإرهابية دون أن يدرك، حيث دائما تنشأ الايديولوجيا والأفكار في الثقافات الاجتماعية غير القادرة على حسم علاقاتها في الفكر التكفيري إلا من خلال أدلة وبراهين ليست مقنعة بشكل كبير للمجتمع أو ثقافته.

ما يقلقنا كثيرا في عالمنا الإسلامي ومجتمعاته، وخاصة تجربة العالم الإسلامي مع القاعدة وقبلها الإخوان المسلمين في كثير من الدول الإسلامية ومن ثم المجموعات الفكرية التي ولدت في خضم التحولات في الفكر، قلقنا يتزايد من خلال سؤل استراتيجي يقول كيف لم تحد الأساليب الأمنية في عالمنا الإسلامي خلال عقود مضت من نمو ظواهر التطرف..؟.

هذا السؤال كبير جدا وقد يحتاج إلى كثير من الدراسات لتفسيره ولكن دعونا ننظر للجانب الأكثر بساطة في هذه القضية: هناك قاعدة اجتماعية تقول إن هناك علاقة طردية دائمة بين انخفاض الجريمة أو ارتفاعها ومستوى الدخل فكلما قل الدخل في مجتمع من المجتمعات كلما كان ذلك المجتمع يسجل اكبر نسبة من الجريمة.

هذا المثال يقرب لنا الفهم بين معدلات العمل الإرهابي الفكري ذي الاتجاه المؤدلج وبين أسباب القضاء عليه، في عالمنا الإسلامي وخلال السنوات الماضية ظلت المعالجة الأمنية وحيدة في الميدان دون المعالجة الاجتماعية والثقافية لظواهر التطرف.

كثير من المجتمعات لجأت إلى فرضية عكسية في المعالجة الاجتماعية لظاهرة التشدد والتطرف الفكري فمنحت الثقافة مزيدا من المساحات ذات العلاقة بالممارسات الدينية الفرعية التي لم تكن مقننة بل إن كثيرا منها غامض وغير واضح.

هذه المساحة والانفتاح هو الذي سمح للفكر المتطرف بأن ينشأ تحت قبة دينية وفرت الحماية غير المقصودة فخرج المتطرفون في مؤسسات حكومية ومؤسسات تعليمية ومساجد وجامعات مع العالم، إن هذه المؤسسات هي من يحارب هذه الظواهر فعليا.

هنا كانت الأزمة اكبر واستطاع الفكر المتطرف أن يختفي ويجد من يدافع عنه بكل سذاجة لقد أصبحنا نرى مخارج تلك العناصر المتطرفة ومن أين تأتي ولكننا لم نستطع أن نقول إنها خرجت من ذاك المخرج أو غيره خوفا من أن يتهمنا المجتمع بأننا نحارب المجتمع وتدينه أو نحارب المؤسسات التعليمية أو الجماعات أو الجمعيات.

هذا التصور كما اعتقد هو الذي سوف يساهم في وجود صورة ضبابية دائمة بين ما هو ديني وما هو غير ديني، فالتقنين في ممارسة الثقافة الدينية وتحديد منهجيات محكمة في العمل التعليمي والتوعوي والنشاطات والجمعيات هو احد الحلول الجذرية السريعة.

إنني استطيع أن أقول إن هناك إمكانية كبيرة لوجود علاقة طردية دائمة بين الثقافة والفكر السائد فيها: فكلما كانت الثقافة الدينية مساحات مفتوحة غير معروفة الحدود (من حيث التوجيه أو جمع المال أو تحريك المجتمع أو تبني الآراء) كلما كانت فرصة الانحراف عن الأهداف السامية اكبر في تلك الثقافة الدينية.

إنني على يقين أن محاربة الفكر الضال امنيا هي الخط الأساسي ولكني أيضا على يقين اكبر أن الثقافة المجتمعية بحاجة لتحقيق الانتصارات على شكل استراتيجيات ومناقشات صريحة واضحة تضع الحدود وتحافظ عليها، فتعميم الوسطية دون تقنين حدودها ليس حلا لخلق توازن بين جهودنا الأمنية ونجاحاتنا وبين ثقافة المجتمع.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 3

  • 1
    حفظ الله بلدنا من كل من تسول له نفسه التخريب. نشأل الله العظيم ان يتم قطع رأس الافعى عاجلا غير اجل. لا بد من تكاتف الجهود فقد بذلت وزارة الداخلية جهودا مشكورة في كبح جماح الارهاب ولا زالت جهودها مستمرة في حفظ هذا البلد الذي يحتضن الحرمين الشريفين. ويبدو ان رأس الافعى قد دنا أجله.

    رجب - زائر

    06:16 صباحاً 2009/08/24


  • 2
    اتق الله يا دكتور... هل الأمن في بلادنا أصبح مثالا يحتذى ؟
    و كأننا من كوكب آخر
    ذكرتنا في مقال في هذا العدد واحد يمدح رئيس بلدية و يقول مدينتنا بمنتجعاتها السياحية أجمل مدينة بالوطن العربي
    قبل أسبوع سرق متجر لي من عامل و بلغت الشرطة و أحضرت لهم العامل و لم يسجنوه و تقول أمن... روح لسورياأومصر

    الداب - زائر

    01:33 مساءً 2009/08/24


  • 3
    ابدعت د علي وفغلا تكاد تلمس ان هناك من يعبي البسطاء والعامة بمناصرةالتطرف باسلوب و بطريقة خبيثة خذ مثلا من يرمي المثقفين بتهم القبض من الخارج او يوحي للعامة بعدم تطبيق بعض الجهات للشرع اوالتشكيك بفتاوى اخذ بها ولاة الامر( المسعى) وهم اصلامسئولين بلجان حكومية
    كيف تكون النتيجة مع استمرار الشك منه

    الرياض 33 - زائر

    02:51 مساءً 2009/08/24



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة