الرئيسية > مقالات اليوم

نموذج في الريادة والاستجابة


إبراهيم البليهي

لا يمكن أن يتحقق أي تقدم في أي مجال إلا بالتكامل العضوي بين الريادة والاستجابة فالثبات هو الأصل أما تجاوز هذا الأصل فلا يتحقق إلا بالريادة والاستجابة لها فمنذ بدء التاريخ الإنساني كان المألوف لأي مجتمع أو لأية مجموعة بشرية يحيط ذاته بأسوار عالية ومغلقة ومقدَّسة وبهذا يكاد يكون محالاً اجتيازها وبسبب ذلك تندر محاولة هذا الاجتياز فلا تحصل هذه المحاولة النادرة إلا من الرواد الخارقين الذين يمثلون أقليَّة صغيرة جداً في أي مجتمع أما الأكثرية فتبقى راضية ومطمئنة خلف هذه الحصون الثقافية المنيعة لأن كل مألوف يجعل المنتمين إليه يغتبطون به ويُقَدِّسونه ويرون أن أيَّ ثلْم له هو ثلْمٌ لهم فالإنسان كائنٌ تلقائي فيتبرمج بالأسبق إليه من الثقافات فتصبح هذه البرمجة هي مألوفه المسيطر على عقله وعواطفه والموجه لسلوكه فلا يخرج عنه إلا بجارف قوي يوقظه بقوة ويأخذه عنوة خارج تحصينات المألوف القوية.

وبالإضافة إلى المألوف الذي هو العائق الأكبر لأية ريادة والمانع لأي تقدم فإن الإنسان أيضاً خلال التاريخ المديد ظل مقموعاً بفكرة المحال فقد كانت هذه الفكرة القامعة هي المسيطرة على العقل البشري فلم يكن الناس يطمحون أو يتوقعون إمكانية تحقيق تغيرات نوعية في المعارف البشرية أو في التقنيات والوسائل وبسبب هذا التصور المهيمن الخاطئ لم يكونوا يحاولون الخروج مما هم فيه من رتابة ودوران لأنهم كانوا يجهلون القابليات الإبداعية في الإنسان كما كانوا يجهلون الطاقات المخبوءة في الأشياء فكل ما ليس مألوفاً فهو في نظرهم محال لذلك لم تكن تحصل محاولات جادة ومثابرة للاختراع والكشف فخيال الإنسان على مستوى الأفراد والمجتمعات يبقى محصوراً بحدود خبراته وتجاربه ورؤيته التي يتبرمج بها عن الممكن والمحال أما التغيرات الحضارية البطيئة في العصور القديمة في مجال الزراعة وأدواتها والتجارة وحركتها والري وتقنياته والبناء والتفنن فيه والغزل والنسيج والحياكة وأدوات الحرب وتشييد القلاع وبناء الجسور واختراع السفن فقد كانت تتحقق تلقائياً بقوة دوافع الحاجة الملحة من دون أساس نظري علمي أما ما عدا ذلك فقد كان الجميع مستسلمين للواقع لأنهم قد اعتادوا خلال القرون على استمرار الأوضاع كما هي ففكرة المحال كانت لها سطوة قوية قاهرة لذلك فإن الثبات في نظر الأقدمين هو سنة الحياة.

لقد اعتاد الناس منذ أزمان سحيقة على أن الإنسان يتلقى المعرفة لكنه لا ينتجها بنفسه كما اعتادوا على أن التغيرات لم تكن تغيُّراتٍ تصاعدية من تخطيط الإنسان ذاته وإنجازه وإنما هي تغيراتٌ طبيعية دائرية تكرارية كالتعاقب بين الليل والنهار والشتاء والصيف والربيع والخريف والجدب والخصب والبذار والحصاد والوجود والفناء أو تغيرات تقويضية كالتغيُّر من الشباب إلى الشيخوخة أو من الصحة إلى المرض أو من الثراء إلى الفقر أو من الحياة إلى الموت أو تغير أحوال الأمم من القوة والازدهار إلى الضعف والانحدار فالإنسان في القديم كان منفعلاً وليس فاعلاً وأحواله كانت ثابتة وغير متغيِّرة نحو الأفضل فلم يكن هو يتطلع إلى التغيير ولا يسعى إليه لأن الآفاق مغلقة أمامه بالمألوف وبالمحالات فلم تكن الدنيا تشهد كشوفات علمية ثورية أو انتقالات نوعية في التقنيات وإنما كانت الحياة مأسورة بدوران رتيب فالسلطة كانت تنتقل من أسرة إلى أخرى أو من شعب إلى شعب عن طريق الحروب والاجتياح والغزو أي أن موجودات الدنيا تبقى دون أية تغيرات نوعية فيتغيرالمسيطرون أو المالكون أما الموجودات ذاتها فتظل كما هي تتداولها الأمم عن طريق السلب بقوة الحرب وليس بواسطة التكامل بين إبداعات العقل الريادية ومهارات اليد التنفيذية.

إن فكرة التغيرات النوعية عن طريق الأفكار الخلاقة والأعمال الريادية: بالاختراعات والاكتشافات والإبداعات والابتكارات هي فكرة طارئة على الحضارة وواقعٌ جديدٌ على الحياة الإنسانية فحتى في هذا العصر المليء بالمتغيرات النوعية ظل المألوف مسيطراً وبقيتْ فكرةُ المحال حاضرة وبسبب ذلك ظل الرواد يواجَهون بالسخرية بدلاً من أن ينالوا الإعجاب وهذا الموقف الساخر والمثبط قد واجهه مخترعا الطائرة الأخَوان رايت ولم تكن هذه السخرية غريبة لأن الطائرة هي الاختراع الأكثر إدهاشاً وبُعْداً عن المألوف فمثلما يحصل مع كل الرواد فإن الأخوين رايت أثناء محاولاتهما صناعة طائرة قوبلتْ هذه المحاولات الريادية بالسخرية والتثبيط وكان النفي الجازم باستحالة الطيران هو الحكم القاطع الذي أعلنه الأكثر شهرة والأرفع مكانة والأشد موثوقية من كبار العلماء في ذلك الوقت!! ولكن الرائدين (رايت) لم يأبها بهذا التثبيط شأن كل الرواد الخارقين.

إن الإنكار والتسفيه قد واجها كلَّ رواد الفكر والتجديد والإصلاح والعلم والفن والاستكشاف والاختراع وأهل الابتكار في الأفكار والأفعال والممارسات كما واجها كلَّ المجتهدين في كل المجتمعات وفي جميع العصور فما من رائد في أي مجال إلا ووجه بالاستهزاء حتى الرسل عليهم الصلاة والسلام رفَضَتْهُم أقوامهم ليس من العامة فقط وإنما من القيادات الاجتماعية والمرجعيات الثقافية فمن طبيعة البشر أنهم مقيَّدون بالمألوف مأسورون بالسائد ويستبعدون حصول أو قبول ما لم يألفوه وهذا الموقف المتكرر والدائم هو الذي عاق تقدُّم الحضارة لأنه وقَفَ ضد الاستجابة للأعمال الريادية خلال التاريخ البشري كله وما زال رفْض الاستجابة للمفكرين يمسك بالمجتمعات المتخلفة ويشدُّها إلى المزيد من التخلف.

لق تأخَّر تقدم الحضارة بسبب عجز الثقافات السائدة عن تقبُّل الأعمال الريادية فما من رسول إلا حورب وأُوذي وما من مفكر مضيء إلا وكان حظه القمع والإطفاء والتهميش وما من مصلح صادق إلا وقوبل بالإقصاء والمطاردة والتخوين وما من اكتشاف عظيم إلا وقوبل بالرفض وما من عمل خارق إلا وكان نصيبه في البداية الإنكار وما من اختراع يتجاوز المعتاد إلا وقوبل بالهزء والسخرية والاستبعاد ومط الشِّفاه. إن هذه معضلة مستمرة واجهتْ وما زالت تواجه كل الرواد في كافة المجالات. إن الغبطة بالمألوف وتقديسه والإصرار على السائد والتمسك به والدفاع عنه ورفْض الطارئ بكل شراسة هو السلوك التلقائي أما التخلي عن هذا الموقف التلقائي والخروج منه إلى الاستجابة للأعمال الريادية فهو سلوكٌ استثنائيٌّ لا يحصل إلا بمؤثر مزلزل جارف. إن اختراق السائد التلقائي ليس من طبيعة البشر فيكون التجاوز دائماً نصيبه الإنكار ما لم يفرض نفسه فرضاً وهذه من أكبر وأدْوَم معوقات تقدم الحضارة لأن التقدم لا ينهض إلا على ركنين: ركن الريادة وركن الاستجابة لها.

إن كلَّ ريادة هي فكرٌ أو عملٌ خارق للمألوف وهي نتاجٌ لسخاء بعض القابليات الفردية مع الاهتمام الذاتي التلقائي القوي المستغرق ولكن من طبيعة الناس حتى العلماء أنهم يستنكرون الأعمال الخارقة وقد سجَّل التاريخ العلمي بأن مسلَّمات العلم تعوق تقدُّمه فيواجه الرواد معارضة شديدة ونقداً لاذعاً واستنكاراً مثبطاً ليس من عامة المتعلمين وإنما من كبار العلماء الذين قد استقرَّتْ رؤاهم فاستيقنوا أن لا مزيد على ما عندهم وتزداد قوة الرفض للفكر أو للعمل الريادي بمقدار عظمته وبُعده عن المألوف وهذه إحدى المعضلات المستعصية التي واجهتْ وما زالت تواجه انطلاق الفكر والعلوم والفتوحات الريادية وجهود التنمية في كل المجالات ومثل كل الرواد الذين يخترقون الحجب ويتجاوزون المألوف فإن الأخوين رايت واجها سخرية مريرة في محاولاتهما الطيران وتيئيساً شديداً ليس من العامة وإنما من أكبر العلماء في ذلك الوقت.

يتخذ عالم النفس الأمريكي الدكتور مارتين سليجمان من نجاح الأخوين رايت في اختراع الطائرة مثالاً رائعاً على حسم المعضلات النظرية بالنجاح العملي الحاسم فهو يرى أن العلماء قبله لم يتمكنوا من الوصول إلى نظرية موثوقة تنال القبول حول سؤال: "كيف تطير الطيور؟!" لأن كل نظرية يمكن الاعتراض عليها وتفنيدها لأنها مجرد تخمين لم يخضع للاختبار ولا للتجريب فيقول الدكتور مارتين: "لم يكن هناك أية طريقة لبيان أي النظريات صحيحة ولكن الحل جاء من مصادر غير متوقعة فالأخوان رايت تمكَّنا من جعلها تطير فعلاً فلجأ علماء الطبيعة إلى التقليد باستخدام نماذج كوسائل صالحة لفض المنازعات العلمية يتضمن إعداد النماذج النمطية ابتداع (النموذج المنطقي) من حيث اشتماله على خواص الظاهرة الغامضة والتي كانت تشكّل الطيران بالنسبة للأخوين رايت إذا اشتمل النموذج المنطقي على جميع خواص الشيء الفعلي فإن العملية التي يعمل بها النموذج ستقوم ببيان وتوضيح الطريقة التي يعمل بها الشيء الأصلي الذي تم عمل نموذج مماثل له لقد أقلعتْ الطائرة التي صنعها الأخوان رايت وطارت في الهواء كنموذج لطيران الطيور لهذا استنتج علماء الطبيعة أن الطيور لا بد أن طيرانها يتم بنفس العملية التي تُمَكّن الطائرة من الطيران" فالباحث العلمي وهو يقف أمام مشكلة أو ظاهرة يراد تشخيصها أصبح عليه أن يقوم بإعداد نموذج منطقي يوضح جميع خواص الشيء المراد بحثه ويتضمن هذا العمل جزئين وهما: تكوين النموذج أولاً ثم بيان صلاحيته لتمثيل الموضوع مجال البحث وهما الخطوتان اللتان خطاهما الأخوان رايت للتعامل مع معضلة أعْيَتْ الآخرين: إنهما يريدان صناعة طائرة من الألف إلى الياء بكل ما فيها من تعقيدات وتفاصيل ولا يقف الأمر عند إنجاز صناعتها بل كيف ستقلع هذه الطائرة وكيف ستهبط وكيف يمكن تحقيق توازنها وهي تسبح في الهواء ثم كيف سيجري التحكم بالطائرة وتوجيهها وضبط سرعتها أثناء الطيران وعند الصعود والهبوط ، وكيف يمكن تحاشي ارتطامها بالأرض عند الهبوط؟! فإذا ارتطمتْ بقوة فسوف تتحطَّم هي وتقتل قائدها إنها مسائل شديدة التعقيد وتتطلب فهماً دقيقاً لآليات فيزيائية معقدة فصار عملهما نموذجاً للبحث العلمي أمام أي معضلة يراد فهمها والتعامل العلمي معها وبهذا يتضح أن الإنجاز الذي حقَّقه الأخوان رايت قد تجاوز مجال الطيران: تنظيراً وتطبيقاً إلى الإيحاء للعلماء إلى طريقة النماذج لبحث الظواهر المعقدة وإجراء الاختبارات على ضوء هذه النماذج لقد كان نجاحاً على أكثر من صعيد نَتَجَ عنه علمياً حسم الخلاف حول مسألة الطيران ونَتَجَ عنه عملياً تحقيق الطيران فعلاً وما أسفر عنه ذلك من نتائج هائلة ونَتَجَ عنه ثالثاً تقديم منهج للتحقُّق وهو منهج النماذج.

وما يجب الإشارة إليه هو أن أشَدَّ تأكيدات استحالة الطيران قد جاءت من عالم الفيزياء الشهير اللورد كلفن الذي كان أشهر علماء عصره وكان يعمل رئيساً للجمعية العلمية الملكية في بريطانيا فقد كان يعتبر محاولات الطيران ليست أكثر من محاولات عبثية لأنه كان يعتقد بأن الطيران مستحيل وهذا الجزْم بالاستحالة وكونه قد جاء من أكبر علماء الفيزياء في وقته ورئيس أعرق جمعية علمية له دلالة كبيرة على أن مسلَّمات العلم في أية مرحلة تعوق تقدُّمه ولم يكن كلفن وحده في هذا التأكيد الحاسم وإنما أعلن سيمون نيوكمب وهو من أبرز علماء عصره أن استحالة الطيران ليست مجرد رأي علمي وإنما هي عقيدة علمية ثابتة بشكل كامل وشاركتْ الصحفُ في حملة السخرية لأنها اعتبرتْ أن الطيران شيءٌ محال ولكن الرواد لم يكونوا رواداً إلا لأنهم قد انفكُّوا من فكرة المحال وبسبب هذا الانفكاك فإنهم لا يلتفتون للتثبيط ولا يتأثرون بالسخرية فقد واصل الأخوان رايت محاولاتهما حتى نجحا فتحقق الحلمُ المذهل..!!

إن سطوة السائد وهيمنة المألوف ورسوخ فكرة المحال وتجدُّد السخرية من أهل المبادرات الخارقة تقف في طريق كل الرواد في كل زمان ومكان لذلك فإن المفكرين الرواد يحاولون إيقاظ الناس لهذه السطوة لأن إدراك تلقائية الرفض يحفز الرواد الواعدين على عدم التأثُّر أو التردد حين يسخر منهم المثبطون بل عليهم أن يدركوا أن كل الرواد قبلهم قد ذاقوا مرارة الهزء والسخرية وأن الاستخفاف التلقائي بثمار جهودهم هو سلوكٌ بشري معتاد ومتكرر لذلك فإن إدوارد كورنيش ينبه رواد المستقبل ويدعوهم إلى المضي بعزيمة وإقدام كما يدعو الناس عموماً إلى الانفتاح ويستعرض في كتابه (مناهج استكشاف المستقبل) قصص التثبيط كما يستعرض نجاحات الرواد التي خالفت تصريحات الاستحالة وبعد الاستعراض كتب يقول: "من السهل اليوم أن نفهم لماذا كان الناس في مطلع سنوات ١٩٠٠م يشككون بالآلات الطائرة!! فقد كانت الطائرة اختراعاً مذهلاً لأنه ابتعد عن كل التجارب الإنسانية السابقة وظَهَرَ وكأنه يتحدى (المألوف) وما هو محيِّرٌ أكثر هو أننا طالما وُعدنا بانتظار أشياء جميلة ستحدث في المستقبل لكن هذه الأشياء الرائعة تبدو وكأنها لا تأتي أبداً" ومن المهم أن يعرف القارئ بأن إدوارد كورنيش هو مؤسس (جمعية المستقبل العالمية) ويرأس تحرير مجلة (المستقبلي) التي تصدرها هذه الجمعية وقد عمل مستشاراً لثلاثة من رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية وشارك في تحرير تقرير البيت الأبيض عن (الأهداف الوطنية) فالرجل يتحدث عن علم ويدرك بحرقة كيف أن مسلَّمات العلم تعوق تقدُّمه وأن الأفكار المستقرة المهيمنة لا تُخلي مكانها بسهولة وإنما تقاوم الجديد بشراسة.

إن الانعتاق من المألوف لا يمكن أن يأتي تلقائياً بل يتطلب زلزلة جارفة فتقدُّم الحضارة ليس تسلسلاً متصلاً وإنما قد أتى على شكل طفرات وانبثاقات أو ثورات وكان التكامل العضوي بين الريادة والاستجابة هو السبيل الوحيد للتقدم فأية قراءة لتاريخ الحضارة تكشف بوضوح تام عن أن هذا التكامل العضوي بين الريادة والاستجابة هو الجامع بين كل نقاط التحول الكبرى في التاريخ وكان الرسل عليهم الصلاة والسلام والرواد المصلحون والمفكرون والمخترعون والعلماء والقادة والمبدعون هم الذين صنعوا تحولات التاريخ الإنساني بما تحقق لهم من استجابة فالنجاح الباهر الذي حققه الأخوان رايت في اختراع أول طائرة ناجحة يعتبر أحد المنعطفات الكبرى في الحضارة الإنسانية لأن تحقيق الطيران ذاته كان نقلة نوعية في الحياة البشرية. إن الطائرة صارت هي وسيلة السفر الأسلم والأسرع فالفضاء أصبح مليئاً دائماً في كل أجواء الأرض بالطائرات تنقل ملايين الناس من أقصى الأرض إلى أقصاها في ساعات إنه مشْهدٌ مذهل كما تنقل المسعفين والمنقذين في الكوارث وتنقل المؤن والمعدات وقت الطوارئ كما أصبحت السلاح الذي يحسم المعارك من فوق فهي تضرب وتهرب. إن الطائرة غيَّرت الحياة البشرية تغييراً جذرياً.

إن الريادة عملٌ استثنائيٌّ خارقٌ للمألوف فالأخوان رايت لم يتعلَّما في المدارس والجامعات بل علَّما نفسيهما فبقيتْ لهما دهشة العقل ونقاء الفطرة وانفتاح القابلية وشغف النجاح ولذَّة الكشف والتهيؤ لبهجة الإنجاز فحققا عملاً ريادياً باهراً أما الاستجابة العارمة لهما التي أعقبت نجاحهما فقد أدَّت إلى تغيرات كثيرة وإلى الدخول في صناعات متعددة وفتحت المجالات لتطورات مذهلة في السلم والحرب كما أن ذلك النجاح العملي والنظري هو دليلٌ واضح على أن النابهين قادرون على تعليم أنفسهم بأنفسهم لأن الأخوين رايت لم يحصلا على تعليم أو تدريب في هذا المجال الدقيق الذي حققا فيه نجاحهما العلمي والعملي التاريخي الباهر وهو برهانٌ أكيد على أن الريادة أعلى من أي تعليم فالرواد هم نتاج أنفسهم بل إن التعليم ذاته بفكرته وبمعارفه ومناهجه ونُظُمه ومراحله هو إنجاز الرواد فتعميم التعليم هو أحد التغيرات النوعية في الحضارة الإنسانية وهو لم يُبدع ذاته وإنما أبدعه رواد الفكر فالمعلمون والأكاديميون والطلاب كلُّهم أتباعٌ لرواد الفكر الخارقين للمألوف والمتجاوزين للسائد والمبدعين للجديد وبالإضافة إلى كل ذلك فإن نجاح الأخوين رايت قدَّم أيضاً للعلماء فكرة النماذج التي أسهمت في تسهيل البحث العلمي في كل المجالات وأعطت وسيلة منضبطة ومُرشدة للتحقُّق.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 8

  • 1
    الأستاذ إبراهيم البليهي ما شاء الله مقال سخي، يكتب بماء الورد
    ولكن ألا ترون أن الانعتاق في مجمله لا يتعارض مع نسق القابليات الفردية ؟
    نشكر أهتمامكم وحضوركم

    خالد الصالح - زائر

    12:29 مساءً 2009/08/09


  • 2
    وربما استخدام ( كانط ) لمفهوم الشجاعة لها دلالة عميقة في هذا الاتجاه، فمن غيرها يبقى الفرد يجتر منطق الثقافة الجماعية في الأفكار والمعرفيات والمسلمات والتقاليد والأعراف، وبغير الشجاعة الفكرية الفردية المستقلة يبقى الفرد خاضعاً للاستبداد الجماعي

    hox - زائر

    01:31 مساءً 2009/08/09


  • 3
    يتميز أستاذنا العبقري حفظه الله وكاتبنا العظيم بسعة والأفق وعمق الفكر , يتجلى ذلك عند كتاباته عن الحضارة الغربية.
    ونحن كفراء نتابع بشغف ينابيع أفكار كاتبنا الموهوب , لذا نود أن نتعرف عليه أكثر.
    فكم عدد اللغات الأجنبية التي يجيدها سعاته الكريم تحدثا وقراءة وكتابة. وهل له كتابات في تلك اللغات؟؟؟

    صالح بن خالد بن لصام - زائر

    01:36 مساءً 2009/08/09


  • 4
    هل تعاليم الدين كابح للريادة؟
    أم أن الكابح هو علماء الدين أنفسهم ؟
    خاصة أن من متطلبات الريادة الخروج عن المألوف وهذا في نظر علماء الدين خروج عن نطاق سلطتهم التي لا تخلوا من مصالح لعل أقلها التعظيم وكأنهم جزء الرب!!

    بدر العتيبي - عضو

    02:39 مساءً 2009/08/09


  • 5
    الحمد لله

    بن ثامر - زائر

    05:55 مساءً 2009/08/09


  • 6
    نتوجه للكاتب القدير بالإستفسار عن ماهية الأنساق المتجذرة عبر تميهات الزمن والضاربة في أعماق الإنعتاقات النسقية المتوارثة في سجلات النسق العصري والفلسفي. نأمل من كاتبنا الملهم الشرح والتوضيح لتلك التساؤلات الهامة. والشكر للجميع ونسأل الله التوفيق والسداد.

    بليهان مقروع البريدي - زائر

    07:33 مساءً 2009/08/09


  • 7
    كان يا ما كان أما الأن فكثيرا لديهم قابلية تصديق ما لايصدق وقبول كل غريب ومجهول وما لا تقبله العقول ولديهم قابلية للتخلي عن المألوف والمتعارف عليه من كل جميل بدون أبسط أنواع االتفكير والتقليد والهث وراء كل غريب (الله يرحم الحال)

    الفارس1 - زائر

    09:49 مساءً 2009/08/09


  • 8
    يبدو أنك تكتب أشياء ليست في مدارك البعض يا أستاذ إبراهيم، وبما أنهم لا يدركونها، فليس لديهم إلا خياري الاستهزاء أو الاستنقاص، فلذا اقترح عليك أن لا تكتب خارج المألوف، جرب أن تكتب عن المواضيع التافهة التي يلوكها أغلب الكتاب، وستجد آلاف المثنين على مقالاتك، والله المستعان.

    سعد - زائر

    11:36 مساءً 2009/08/09



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة