الأثنين 12 شعبان 1430هـ - 3 أغسطس 2009م - العدد 15015

التوافق المجتمعي وقيادة المرأة للسيارة (٢ + ٢)

د. عبدالجليل السيف*

    وفي شأن الضوابط، يمكن وضع ضوابط وقيود على مَنْ تمنح لهن رخص القيادة من النساء شرعياً ونظامياً وهذه القيود والضوابط، تحتاج كما ذكرت إلى إجماع مجتمعي عام، وهذا لن يحدث إلا بما ذكرت آنفاً، بعقد مؤتمر حوار وطني خاص بتلك القضية، يستفيض فيه المحللون، ويضع كلٌّ حلوله في هذا الشأن.. غير أني يمكن أن أتحدث عن ضوابط تحمي بيئة قيادة المرأة للسيارة، مثل:

وضع برامج تثقيفية تحث على احترام آداب المرور ونشرها على جميع المستويات على مدار أيام العام.

تكثيف رجال ودوريات رجال المرور خلال الفترة الأولى من السماح للمرأة بالقيادة. وكذلك رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمنع أي متجاوز على حرية المرأة وسلامتها أو مضايقتها بأي شكل من أشكال المضايقة وتقديم يد العون والمساعدة لها حين طلبها لذلك.

توفير الخدمات المساندة على الطريق للنساء من خلال إسناد رفع الحوادث المرورية وأعطال السيارات لشركات خاصة، مثلما تقوم به حالياً شركة نجم.

والمعطيات والمقومات التي تؤكد الحاجة إلى ضرورة فتح المجال لقيادة المرأة للسيارة في الوقت الحاضر، كثيرة جداً ولا تحتاج إلى دليل، وما يهمني التأكيد عليه المعطيات الاجتماعية، والآثار السلبية لتواجد السائقين الخاصين في بيوتاتنا؛ وهناك معطيات اقتصادية غير خافية على أحد؛ بالإضافة إلى المعطيات الحقوقية للمرأة، حيث تبذل المملكة جهوداً كبيرة وما زالت في اتخاذ جميع التدابير المناسبة، لوضع الانطلاقات من ثوابت الشريعة الإسلامية التي تمنح المرأة حقوقها وواجباتها. ومن المعطيات أيضاً، المعطيات الفكرية والثقافية فوضع المرأة في المجتمع السعودي، يشهد حراكاً مجتمعياً متجدداً فكرياً، اقتصادياً واجتماعياً، ما يعد مؤشراً للوعي بأهمية دورها وتأثيره على تنمية المجتمع، والرغبة في مواصلة دعم وتعزيز دورها للمشاركة في بناء الوطن. فالمرأة نصف المجتمع والمسؤولة عن تنشئة نصفه الآخر، وبالتالي فإن تمكينها وتأهيلها علمياً، صحياً، مهنياً، واقتصادياً، ومن ذلك تأهيلها لقيادة السيارات ينعكس على إنتاجية المجتمع بأسره ويكمل منظومة الاستقرار والتطور.

إنني كثيراً ما أشفق على رجال المرور الذين يجابهون اختراقات بعض النساء للأنظمة، اعتماداً على قراءاتهن لبعض التصريحات العليا والسيادية التي تؤكد عدم وجود ممانعة رسمية لقيادتهن للسيارات..، بل إن الأمر بات لأن يكون ظاهرة تحتاج إلى تقنين، حينما يطلق العنان لبعضهن لتعليم قيادة السيارات للنساء في الصحراء..! فضلاً عن الخسارة المادية الكبيرة التي يفقدها اقتصادنا الوطني، نتيجة لالتحاق بناتنا وأخواتنا في مدارس تعليم قيادة السيارات في الدول الخليجية والعربية المجاورة..، خاصة بعد انضمام المملكة العربية السعودية إلى الاتفاقية الدولية للمرور: فيننا ١٩٨٦م. وبتوقيعها عليها تكون جميع دول مجلس التعاون قد انضمت إليها ما يتيح تلبية طلب وزراء الداخلية في المجلس اعتماد أية رخصة قيادة سيارات صادرة عن تلك الدول؛ لتكون أساساً معتمداً لإصدار الرخصة الدولية من هذه الدول.

ثم إن لدينا تجربة وطنية لقيادة المرأة للسيارات داخل حرم مدينة أرامكو، تشير التقديرات لوجود ثلاثة آلاف سيدة سعودية يقدن سيارتهن ويذهبن لأعمالهن ويوصلن أبناءهن إلى المدارس، وقد أسهمت الأنظمة الصارمة بإدارة أرامكو في جعل قيادة المرأة مشروعاً ناجحاً دون عوائق وأصبح بإمكان المرأة قيادة السيارة والتدريب على قيادتها موافقة ولي أمرها وسط بيئة اجتماعية آمنة، لا سيما وأن عدداً كبيراً من هؤلاء النساء يعتبرن موظفات بمناصب قيادية كبرى في شركة أرامكو السعودية.. خاصة المملكة مقبلة على تدشين أعمال مدن اقتصادية كبرى وعملاقة، ذات بيئات متشابهة ببئية أرامكو..؛ ما يعطي الأمل في ضرورة توفيق أوضاعنا الاجتماعية في هذا الخصوص.

إنني على يقين بأن الدولة حريصة على سماع كل الآراء والتوجهات الفكرية والثقافية والمهنية.. الرأي.. والرأي الآخر المخالف ووجهات النظر المتعارضة؛ وتستوعب كل هذه الآراء، حتى إذا ما تولدت القناعات بضرورة إجراء هذا التنظيم؛ كان الضرر منه أخف وطأً؛ وأقل سلبيات. ومعروف أن أي عرف اجتماعي هو عرضة لا محالة للتغيير مهما كانت سلطته.. فالتغيّر والتطوير سنة الحياة وما يجب الحرص عليه هو التغيّر الإيجابي الذي يؤدي إلى وصول المملكة العربية السعودية للغاية المنشودة في تنمية مستدامة واقتصاد متين يؤمن للمواطن الرفاه والاستقرار وللوطن التقدم والازدهار، وفي سبيل تحقيق ذلك أرى أن تقديم ما يعضد هذا التقدم بإتاحة الفرصة أمام النساء في هذا الوطن لنيل استحقاقاتهن الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية ومن بينها تهيئتهن وتعليمهن قيادة السيارات التي تم استثناؤهن منها.

* عضو مجلس الشورى،

وخبير مروري