الأحد 11 شعبان 1430هـ - 2 أغسطس 2009م - العدد 15014

التوافق المجتمعي وقيادة المرأة للسيارة (١ - ٢)

د. عبدالجليل السيف*

    تابعت، كما تابع غيري الحراك الاجتماعي حول قضية من القضايا الوطنية التي أثارت الرأي العام في الآونة الأخيرة والتي تجاوزت العشرين عاماً، وهي قيادة المرأة للسيارة، والتوافق المجتمعي حولها. هذا الحراك الاجتماعي، بلا شك، ظاهرة صحية، خاصة وأنه يصدر عن التوجهات الوطنية كافة، بين مؤيد ومعارض. والمتابع لكل ما يطرح في وسائل إعلامنا المحلية بشأنها؛ يجد قدراً كبيراً من الأخذ والرد دون الوصول إلى نتيجة محددة رغم أن القضية برمتها ليست بهذا القدر من التعقيد والتضخيم..

وكمهتم بالشأن المروري، فقد اطلعت على معظم ما عرضته وسائل الإعلام المختلفة: مقروءة ومسموعة ومرئية.. هذه المتابعة، قادتني إلى التوصل إلى نتائج، أهمها أن كل طرف، مؤيد أم معارض، يبني قناعاته على خلفيات ثقافية واجتماعية، تبرر موقفه، وتجعله أكثر تمسكاً برأيه! ومن مبدأ ممارسة حرية الفكر والتعبير المسؤول، تأتي صعوبة تخطئة أو تصويب فئة على أخرى، وهذا كان الموقف الرسمي من هذا الحراك الاجتماعي، والجديد في هذا الحراك، هو شموله شرائح المجتمع كافة. والخشية كل الخشية أن يستمر هذا الحوار أو الحراك الوطني كما هو لما هو أطول من ذلك، وقد يثمر، إزاء كل تمسك طرف برأيه، ما لا يحمد عقباه!

وقد أثار شجون الجميع الحوار الذي أجرته صحيفة الوطن الصادرة يوم الأربعاء العاشر من جمادى الآخرة ١٤٣٠ه مع المفكر الإسلامي الدكتور محمد عبده يماني، وزير الإعلام الأسبق، عن قيادة المرأة السعودية للسيارة مؤكداً أنه أمر سيادي ينتظره الناس - كما أثار لغطاً كبيراً، في في الشارع السعودي وكان بمثابة إضافة قوية لأصوات المنادين بإتاحة الفرصة أمام المرأة لقيادة السيارة. وتزداد القناعة بالأفكار التي حواها هذا الحوار، كونها صادرة عن رجل محافظ، وهي دعوة قديمة احتكرها الليبراليون بالإضافة إلى المرأة نفسها، وجدلهم الذي يقوم على مسألة «التطور الاجتماعي، والحاجة الاقتصادية وحق المرأة في العمل» أما معاليه، فقد استخدم منطق المعارضين نفسه؛ كي تحفظ المرأة نفسها؛ لتقود سيارتها بنفسها. واتفق مع الطرح القائل: إنه هذه القضية مجتمعية؛ إذ لا يوجد حسب علمي موانع شرعية، تحول دون قيادة المرأة للسيارة، في الوقت الذي يحرّم الشارع خلوة السائق الأجنبي بالمرأة في السيارة.

في هذه القضية، أجدني منحازاً إلى الوطن وجميع مكتسباته الحضارية والاقتصادية والإنمائية..، مراعياً الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والثقافية..، وقد قطع خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز مطلع عام ٢٠٠٧م خلال الحوار الذي أجرته معه وكالة الأنباء الروسية (إيتار تاس) كل الملابسات في هذه القضية، وأوصد الأبواب أمام بعض الآراء الخارجية التي يروق لها مهاجمة المملكة من هذا الباب؛ وآراء البعض في هذا الشأن، حينما أوضح، حفظه الله «أن قيادة المرأة للسيارة هو قرار اجتماعي، وأن دور الدولة هو ضمان (توفير المناخ الملائم) لأي قرار يراه المجتمع مناسباً بما ينسجم مع مبادئ الشريعة الإسلامية وتعاليمها التي ترتكز عليها الدولة...». وبذلك أخرجه حفظه الله، من كل الاختلافات الجدلية، ومنحه طابعاً اجتماعياً ثقافياً خالصاً يتلاءم مع حساسية القضية. وكانت هناك إشارات مشجعة في هذا الخصوص، صادرة عن صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز، ولي العهد، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الدفاع والطيران والمفتش العام، حفظه الله؛ وصاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز، النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء.

إن الموقف الرسمي للدولة من هذه القضية، إذن، مشجع، فهو لم يمل إلى تغليب رأي على آخر، بل ترك أمره كافة إلى التوافق المجتمعي.. ولكن يبقى السؤال: إلى متى سنظل منتظرين هذا التوافق دونما إجراء ما يسهم في بلورته في ظل تزايد أعداد الخريجات، فضلاً عن تعطش سوق العمل لهذه القوى العاملة النسائية الماهرة والمدربة والمتعلمة؛ إذا ما أخذنا في الحسبان عامل قيادتها للسيارة الذي ربما يكون عاملاً أساسياً في تعطيل نصف القوى العاملة في المجتمع وعدم الاستفادة من إمكانياتها وطاقاتها. وإذا نظرنا إلى الأبعاد الاجتماعية والآثار السلبية لها؛ نجدها تتجاوز الماديات، في ظل الخلوة المحرّمة مع السائق الأجنبي.

والثابت أن هناك واقعاً مُعاشاً، ووتيرة متسارعة، وفي ظل ارتفاع سقف المطالبات اليومية من قبل قطاعات نسائية كثيرة. ولكي لا نطيل أمد الانتظار في إحداث توافق مجتمعي، الذي من الصعب بل المستحيل التوافق عليه. ومساهمة مني في هذا الخصوص، اقترح حل هذه المعضلة بالتدرج عن طريق مسارين:

- المسار الأول: إقامة حوار وطني جاد، برعاية الدولة، يتم فيه استقصاء جميع جوانب القضية اجتماعياً واقتصادياً... إلخ والخروج برؤية واضحة ملزمة للمجتمع؛ وتشكيل لجنة وطنية من جهات رسمية بالاشتراك مع مؤسسات المجتمع الأهلي السعودي لبحث نتائج وبحوث وتوصيات الحوار الوطني حول هذه القضية والرفع بها للقيادة لاتخاذ اللازم حيالها..

- المسار الثاني: أن يُعهد لمركز مستقل، إجراء دراسة مسحية استقصائية للتعرف على اتجاهات المجتمع من فكرة قيادة المرأة للسيارة.. الإيجابيات والمخاطر، والحلول..

وتمهيداً لحدوث أي من المسارين أعلاه؛ لا بد من إحداث تهيئة شاملة في هذا الخصوص، بعد التهيئة المجتمعية: تدريبية وتعليمية سليمة، خاصة تقوم على معالجات برامجية وتدريبية للنساء؛ وهذه البرامج لن تختلف كثيراً عما هو متوافر؛ اللهم إلا في بعض المعالجات الخاصة. والعمل من الآن على تأهيل وتهيئة وتدريب عناصر أمنية مرورية نسائية، على غرار ما هو حاصل الآن في الجوازات والسجون، والمطارات ودور الملاحظة؛ للتعامل مستقبلاً مع قائدات السيارات؛ وإنشاء معهد لتخريج ضباط صف نسائي وكلية أمنية نسائية تخرج ضابطات؛ وضابطات صف وجنديات من النساء، تخدم وتغذي القطاعات الأمنية النسائية المختلفة، ومنها قطاع المرور.

يتبع ...

* عضو مجلس الشورى وخبير مروري