في أبريل الماضي كنتُ في مدينة مراكش المغربية حيث تبدو منارة جامع الكتبية من كل اتجاه.. وهي أقدم وأعلى مبنى في المدينة بناها الموحدون عقب فتح مراكش سنة ٥٤١ه وغدت أنموذجا معمارياً احتذي لاحقا في مساجد الأندلس والمغرب العربي -
وكنت كلما رأيتها أتصورها كشاهد عملاق عاصر دولا وأحداثا وقادة ذهبوا (واندثروا) فيما بقيت هي على مفترق التاريخ.. وذات مرة كنت أمر أمامها بالتاكسي حين تملكني شعور قوي بضرورة النزول إليها ولمسها بيدي.. وبالفعل قطعت الطريق الفاصل إليها حتى وصلت لقاعدتها وبدأت أتلمسها وأنا مغمض العينين.. حينها فقط شعرت بالتاريخ - إن جاز التعبير - وتداعت في ذهني جيوش الموحدين والمرابطين وعظمة يوسف بن تاشفين (بل وأدركت مشاعر المتدينين اليهود حين يلمسون حائط المبكى في القدس ويتخيلونه من بقايا معبد داود)!!.
... ورغم اعترافي بغرابة التصرف - ولفت انظار الناس من حولي - إلا أنني أؤمن بوجود فرق بين المعرفة وبين «الشعور بالمعرفة».. فالمعرفة أمر يمكن الحصول عليه من القراءة والاطلاع في حين يتطلب الشعور بالمعرفة التواجد ضمن الحدث والامتزاج عاطفيا بما تعلمناه سابقاَ.. والحصول على المعرفة أمر سهل نسبيا (بسهولة حفظ الطفل لكتاب الله دون تمييز أو فهم) في حين أن الشعور بالمعرفة شعور شخصي وإحساس خاص (كأن يكبر الطفل ويشعر بعظمة ما يحفظ ويمتزج ذلك في أخلاقه وتصرفاته)..
وما فعلته مع منارة الكتبية أمر كررته وجربته في مواقف ورحلات كثيرة سابقة (مثل جلوسي على كرسي اللورد البريطاني كيليرن حين سمعت بأن شبحه يجلس ليلاً على نفس الكرسي).. وهي بطبيعة الحال حالات نادرة يشعر فيها الإنسان بوصوله إلى أعلى مستويات الحقيقة (المقصودة في عنوان المقال).
... فأنا شخصياً اقسم إدراكنا لما حولنا إلى أربع مستويات للحقيقة:
❊ المستوى الأول: هو ما تظن أنه موجود سواء كان موجوداً بالفعل (مثل سيارتك وزوجتك ومقر عملك) أو ما تؤمن بوجوده رغم عدم رؤيته والاحساس به (كإيمانك بوجود الأشباح والأرواح وقبائل الجن).. وهذا المستوى هو الأبسط والأعم والموجود لدى كل الناس..
أما المستوى الثاني: فما هو موجود بالفعل ولكنك لا تعلم عنه شيئاً بسبب قصور علمك وعجز أحاسيسك.. ويندرج تحت هذا المستوى عموم قوله تعالى (ويخلق مالا تعلمون)..
أما المستوى الثالث للحقيقة: فهو افتراض وجود شيء ما رغم عدم تأكدنا من وجوده.. وهذا النوع من التفكير يميز العلماء والباحثين ومن يتأملون كثيراً في آيات الله.. فالطبيب مثلاً يفترض وجود فيروس للمرض ثم يحاول التأكد من وجوده، وعالم الفلك يفترض وجود كويكب ما ثم يحاول اكتشافه (والعجيب أن معظم ماتفكر فيه يمكن تنفيذه، ومعظم مانفترض وجوده يمكن اكتشافه)!!.
أما المستوى الرابع للحقيقة: فهو الأكثر رقياً وندرة ويأتي كلحظات تمتزج فيها أرواحنا بالحدث ومعرفتنا بالواقع ومشاعرنا بالمكان (بحيث تشعر للحظة أنك كنت موجوداً في هذا المكان أو شاركت سابقاً في صناعة الحدث)!!.
.. ورغم أن هذه الحالة نادرة لدى معظم الناس، إلا أنها شائعة وعامة لدى الأنبياء والرسل... فمن معجزات الأنبياء قدرتهم على تجاوز الأحاسيس البشرية، والشعور بالجمادات، والتواصل مع مواقع الحدث.
.. ولضيق المساحة أذكركم فقط بأنين الجذع الذي كان يقف عليه رسولنا الكريم وكيف كان يسكن حين يضع يده عليه، وكذلك استماعه لتسبيح الطعام وتحذيره من وجود السم فيه.. وأخيراً - وليس آخراً - الشجرة التي استأذنت ربها للسلام عليه فشقت الأرض نحوه قبل أن تعود لمكانها أمام الصحابة..
1
اللهم صلي وسلم على محمد
والحقيقه الخامسه : انني فعلاً لا استطيع النوم قبل قراءت مقالاتك الجميله
شكراً من القلب اخي واستاي الكبير فهد الاحمد.. ابو حسام..
والله لك بقلبي معزه وتقدير خاص
03:07 صباحاً 2009/07/05
2
الله يعطيك العافية ليس لدي إضافة
مقال رائع وجميل
دمت بود
03:10 صباحاً 2009/07/05
3
ذكرها ابن خلدون في باب الرؤيا بشكل جميل وواضح وهي غير مقتصره على الانبياء فقط بل لكل من سما بنفسه عن متاع الدنيا واتجه بروحه الى الله وصفاها من شوائب الدنيا واطماعها.
03:12 صباحاً 2009/07/05
4
لا أدري... !
03:21 صباحاً 2009/07/05
5
لا جديد...
مبدع... وحسب
03:26 صباحاً 2009/07/05
6
بو حسام انت الى المستوى الرابع
03:43 صباحاً 2009/07/05
7
الله يحفظك قل آمين..
03:47 صباحاً 2009/07/05
8
دائما عندما أقرأ قصص الصحابه رضي الله عنهم والتاريخ.. فإني إندمج لدرجه أنني لا أحس بمن حولي من شدة التركيز.. هل هذه الصفه تندرج في الحقيقه الرابعه
03:53 صباحاً 2009/07/05
9
جميل
النقطة الرابعة تحصل لي في بعض الأماكن اللي ازورها أول مرة
احس اني زرتها من قبل
أو شخص التقيه لأول مرة احس اني اعرفه من سنين
يعطيك العافية استاذ فهد وواصل تميزك.
03:56 صباحاً 2009/07/05
10
الله اكبر وسبحان الله ولا اله الا الله
الله يبارك في علمك وينفع به
احيك يابو حسام والله يعطيك العافيه
03:57 صباحاً 2009/07/05
11
مشكور يابو حسام على الأبداع المتواصل
فعلا هناك فرق بين المعرفه والشعور بالمعرفه
عندما تعلم ان الرسول صلى الله عليه وسلم
كان يتعبد بغار حراء هذه معرفه
لكن اذا ذهبت الى الغار وبقيت فتره تتأمل هذا
الغار وان الرسول كان يتعبد فيه وتدخل الغار
في هذه الحضه ستعرف الفرق بين المعرفه والشعور بالمعرفه
04:11 صباحاً 2009/07/05
12
السلام عليكم، أتمنى أن أكون أول من يقص شريط افتتاح الردود على هذا الموضوع القيم و الفكر الراقي
مقال كله متعة و تجليات في حقائق الأشياء..
04:14 صباحاً 2009/07/05
13
بارك الله فيك أستاذى الفاضل.
وأكثر الله من سفرياتك حول العالم.
04:24 صباحاً 2009/07/05
14
بعد التحيه
مقال رائع ويلامس المشاعر
04:35 صباحاً 2009/07/05
15
أيضاً في حالة تحصل أحياناً وهي أنك تمر بموقف معين وتحس يقيناً أن هذا الموقف قد فعلته من قبل وأنه قد مر عليك مع أنك أول مرة تفعل هذا الأمر!
,
Aim,,الرياض...
04:55 صباحاً 2009/07/05
16
نحن إلى قيام الساعه__نندرج تحت الآيةالكريمه"ويخلق مالا تعلمون"__أشكرك فمقالاتك بالنسبةلي_نوافذ فكريه وتذكيريه_لمصادر المعرفه
05:00 صباحاً 2009/07/05
17
أستاذ فهد يعني المستوى الرابع معناه انه يمرني موقف أحس انه قد مر علي.. صح؟؟
تحياااتي..
05:03 صباحاً 2009/07/05
18
ياليت يااستاذ فهد تكتب مقال عن تأثير اسم الشخص على شخصيته.
05:12 صباحاً 2009/07/05
19
لا تعليق يا ابو حسام
ابداع
انت يا ابو حسام شخص خارق للعادة
مع خالص الود
05:12 صباحاً 2009/07/05
20
ابدعت
05:18 صباحاً 2009/07/05