تطالعنا الصحف اليومية على الدوام بآراء على درجة كبيرة من الأهمية ، آراء تصدر عن مسؤولين ورجال دين وباحثين وصناع قرار ، لكننا نلحظ أن كثيراً منها لا يحظى بالاهتمام من وسائل الإعلام ومن بأيديهم صلاحية تفعيلها ليعرف الناس على ضوء ذلك ما لهم وما عليهم ، يقيناً أنها لو فعلت لتفادينا كثيراً من الإشكالات التي هيمنت على واقعنا الراهن ، ولعل أبرز ما يرد إلى الأذهان هنا ما ذكره أحد الباحثين ( جريدة الحياة 20 مايو 2009 ) منسوباً لهيئة كبار العلماء من قولهم ( التكفير حكم شرعي مردود إلى الله ورسوله ، فكما أن التحليل والتحريم إلى الله ورسوله فكذلك التكفير، وليس كل ما وصف بالكفر من قول أو فعل يكون كفراً أكبر مخرجاً عن الملة ) ! وأكدوا (أن التكفير لا يكفي فيه مجرد الشبهة أو الظن ، لما يترتب عليه من أحكام خطيرة ... والتكفير أولى أن يُدرأ بالشبهات ) ! ومما يثير التساؤل هو أنه لماذا لم نرَ لهذا الرأي تطبيقاً في حياتنا ، ولماذا كان ومازال التكفير أسرع مفردة يتفوه بها كثيرون تجاه الآخرين الذين لهم رؤى وأفكار لا تتوافق ورؤى المكفرين وأفكارهم ؟ ألم يكن الأجدر ترسيخ هذا الرأي في المدارس وإشاعته في المجتمع بأسره ؟ أليس عدم أخذ هذا الرأي الصادر عن هيئة كبار العلماء على محمل الجد ، هو السبب في شيوع التكفير في حياتنا ؟
لعلنا اعتدنا على أن نقول شيئاً ونفعل شيئاً آخر ، كما أننا كثيرا ما نطلق الأقوال والآراء التي تبقى مجرد أقوال لا تقدم ولا تؤخر ، ولا تأثير لها ألبتة ، وسأستشهد هنا ببعض الآراء المشابهة التي لو أُخذت مأخذ الجد لكان لنا شأن آخر ، ومن هذا :
1- جاء في جريدة الرياض( 8 يونيو 2009 ) عن أحد أعضاء هيئة كبار العلماء قوله : ( كان التنوع المذهبي بين العلماء يثري المعرفة وينسجم مع سعة الشريعة ... خاصة أن المذاهب الأربعة الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي غنية برؤاها وآرائها الفقهية والتي تكفل ... كونها مستقاة من الشريعة حل كل الإشكالات ) ! إنّ رأياً كهذا جدير بالتعميم والنشر ، خاصة بين أولئك الذين يصرون على تغليب المذهب الحنبلي على ما عداه من المذاهب ،الأمر الذي يضيق واسعاً ولا ينسجم مع سعة الشريعة التي أشار إليها عضو هيئة كبار العلماء ، وهذا أوقع المجتمع كله في إشكالات كثيرة نتيجة تغليب رأي فقهي واحد.
2- حذر مفتي المملكة في محاضرة نظمتها الجامعة الإسلامية ( الحياة 18 أبريل 2009 ) من التعصب للأشخاص والأحزاب ، واستشهد ( بتسامح ابن تيمية مع خصومه وإنه كان يعامل خصمه معاملة راقية ...فعلى طالب العلم أن يتخلق بهذه الآداب في كل أحواله وتعاملاته ) ! ولا أحسب أننا بحاجة إلى أدلة تثبت أن بعض المنتسبين للعلم الشرعي خصوصاً المتحمسين منهم الذين لم ينالوا نصيباً كبيراً منه أكثر الناس مسارعة إلى التحريض على من يخالفهم والافتراء عليه حد تكفيره ، والأسوأ من ذلك أن يستغل هذا المناخ بعض المقيمين الذين يتولون إدارة المواقع الألكترونية فيشعلون بأسمائهم المستعارة نيران الفرقة بين المواطنين ، إذ يعمدون إلى التحريض والتفسيق والتبديع والتكفير ودق أسافين الحرب بين المواطنين من سلفيين وليبراليين كما يحلو لهم التصنيف ، يفعلون هذا في غفلة من قبل الأجهزة التي ينبغي لها أن تراقب أولئك النفر الذين يمارسون دور عبدالله بن سبأ بين ظهرانينا.
3- حذر وزير الشؤون الإسلامية ( الرياض 6 إبريل 2009 ) الدعاة من أخذ أجر على الدعوة بقوله : ( ليحذر أن يقول بثمن وأن يتكلم بثمن وأن يشارك بثمن ، وإذا غلب على نفسه شيء من ذلك ، أو من الحاجة فليراجع نفسه أن يكون مصيباً في قوله ... ) ، ومع هذا فقد أصبحت الدعوة تجارة ومهنة من لا مهنة له ، فتكاثر الدعاة وتناسلوا واستنسخ بعضهم بعضا ، وبالغوا في أجورهم حتى نافسوا المطربين ولاعبي كرة القدم ، وكلنا يذكر ما نشر العام الماضي عن أجور الدعاة الخيالية التي جعلت الدعوة أقصر طريق إلى الثراء الفاحش والسريع ، ومعظم ما يقولونه قصص وحكايات يحكمها منطق ( الجمهور عايز كده ) ، واحتكر بعض الدعاة قنوات بعينها وصاروا نجوماً يبالغون في التأنق والتجمل وطلب الشهرة لا فرق في ذلك بينهم وبين نجوم التمثيل والغناء .
وليس بعيداً عن ذلك ما ذكره إمام المسجد الحرام ، (الحياة 18 أبريل) من أن الشهرة مرض يورث الأنانية ، وهي ( مزلق خطر فكيف بمن يحبها ويسعى لها ويبذل كل وسيلة لينالها ... محذراً من مكمن خطر حب الشهرة باعتباره مظنة الانحراف ورقية الشذوذ عن الجماعة ، وسلم الإعجاب بالنفس والاعتداد بالرأي )! ولا ريب أن هذا القول لم يصدر من فراغ ، فلقد رأينا طالبي الشهرة يتكالبون على المناصب ويتهافتون على المجالس وكل ما له صلة بالانتشار وذيوع الصيت ، حتى لو لم يكن لهم نصيب من تأهيل ، فحسبهم أن يظلوا ملء الأسماع والأبصار ، وقد ساهمت القنوات الفضائية في إطلاق أناس إلى منازل لم يكن لهم أن يبلغوها لولا تلك القنوات ، أولئك الذين لم يمنعهم فقر مواهبهم وتواضع مؤهلاتهم من الجلوس في مصاف المشاهير ، إذ كانت القنوات الفضائية التي لا تفرق بين الغث والثمين أسرع وسيلة لشهرتهم وأصبحوا فيها ضيوفاً دائمين يتحدثون في الدين والسياسة والاجتماع والفن والرياضة .
4- كتب كثيرون عن فوضى الفتوى واستسهالها ممن يتصدرون للفتوى وهم ليسوا أهلاً لها ، وعندما يتحدث الكتاب عن ذلك يتهمون بالتجاوز لأنهم ليسوا من ذوي الاختصاص! ومع تحفظنا على ذلك القول ، لا يفوتنا أن نورد رأياً لأحد أهل الاختصاص ( الحياة 20 مايو 2009 ) إذ أبدى استغرابه من بعض المفتين الذين ( يعمدون إلى التحايل على الأحكام الشرعية وتطويعها لتتوافق مع أهواء الناس ورغباتهم ، خصوصاً من يهمه أمره من قريب أو صديق ، أو من يطمع في وصله من أمير أو وزير أو وجيه ، مشدداً على أن ذلك يبيع دينه بعرض من الدنيا زائل ) ! وهذا كلام خطير لا يطلق على عواهنه فلابد أنه وقف بنفسه على شيء من ذلك وإلا لم يكن له أن يقول ما قال ، وهذا يؤكد ما يتناقله الناس عن تلاعب بعضهم في حقوق النساء وانسياقهم وراء رغبات الرجال فيمحضونهم الفتوى إثر الفتوى طمعاً فيما عندهم من أموال ، ولهذا يقع الظلم على كثير من النسوة لأن أحدهم أفتى لأوليائهن بما يريدونه ضارباً عرض الحائط بالأمانة التي سيسأله الله عنها .
5- دعا مفتي عام المملكة العاملين في السلك القضائي إلى ( أن يتقوا الله في أنفسهم وفي أحكامهم من خلال الأمانة والمسؤولية التي يحملونها من تمكين شرع الله والتحكيم بشرعيته جلّ وعلا ... المسلم يحمل مسؤوليته الخاصة التي أوكلت إليه فيحملها بأمانة ويسأل الله أن يوفقه لحملها فإن الله يوفق العبد إذا التجأ إليه ... ) ! ودعوة المفتي تلك تقودنا إلى ما ذكر في الصحف عما تتعرض له النساء من ظلم في المحاكم نتيجة لانحياز بعض القضاة للرجال ضد زوجاتهم ، وقد أكد بعض الدعاة والمحامين وكثير من الزوجات أن القضاة لا يهتمون بسماع صوت المرأة في كثير من قضايا الأحوال الشخصية ، وطالب أحدهم بالقضاء التنفيذي الذي يهتم بمتابعة تنفيذ الأحكام ... وقال أحد المستشارين القانونيين : إن كثيراً من القضاة يحكمون بالطلاق دون النظر في موضوع الحضانة الذي يجب أن يتم البت والانتهاء منه مع موضوع الطلاق ، وذلك لحماية الأسرة السعودية والأطفال من التشرد وحماية للزوجات من تعسف الرجال ! (الرياض 18 مايو 2009 ) .
6- وفيما يتعلق بالمرأة ، فهناك الكثير من الآراء التي صدرت بشأنها وملأت الصحف لكننا على الصعيد العملي لم نرَ تطبيقاً لها ، بل إني أكاد أجزم أنها مرت مرور الكرام على ذوي العلاقة وكأنها لم تكن ، من ذلك :
- انتقد المفتي العام للمملكة فتوى جواز عقد النكاح بوسائل الاتصال الحديثة ، وقال فيما نقلته عنه جريدة الحياة (7 فبراير 2009) ( إن هذه عقود شرعية خطيرة ومواثيق لا بدّ من حضور الزوجين وولي الزوجة والشاهدين ، أما أن نتوسع عن طريق وسائل الاتصال الحديثة ... يكون فيه خطأ وارتباك وتغيير ) ! ومع هذا لازلنا نسمع عن عقود يقوم بها سماسرة الزواج عبر الهواتف الجوالة والرسائل وعبر الانترنت ، مما يؤكد أن أولئك السماسرة لا همَ لهم سوى ما يجنونه من تلك الزيجات ، وأنهم لم يجدوا من يتصدى لهم ويأخذ على أيديهم جراء ما يقترفونه من انتهاك لقوانين الزواج .
- وانتقد الشيخ المنيع زواج المسيار ( الحياة 19 مايو 2009 ) ، واعتبر ( زيجات مثل المسيار والمصياف والفرند والزواج بنية الطلاق تحايل على الزواج الشرعي ، مؤكداً أنه تنوع في الأسماء يؤدي إلى نكاح المتعة الذي لا يجوز ) وعلى الرغم من ذلك فهاهو سوق هذا النوع من الزيجات يروج أيّما رواج ، حتى أصبح خطراً على كيان الأسر، ومؤذناً بضياع حقوق الزوجات ومشرعاً الأبواب لإنجاب أبناء مشردين ، وقد يقود بعض النسوة لاسيما الوافدات إلى امتهانه بمبرر شرعي وتحت مظلة الدين .
- وذكر الشيخ الفوزان (مجلة الدعوة عدد 2179 ) وقد سئل عن حكم ما يفعله بعض المسلمين في السفر إلى الخارج والزواج لمدة غير محددة ثم يطلق المرأة ويتزوج غيرها ، وقد يتزوج المرأة التي طلقها منذ مدة ، فقال : ( لا يجوز الخلط في الأحكام الشرعية الذي يتزوج ، يتزوج زواج رغبة وليس شهوة فقط ، فإن صلحت له استمر معها وإن لم تصلح طلقها ، أما أنه يتزوجها فقط لشهوته ، ثم يتركها فهذا لا يجوز، هذا تلاعب بالناس ، ولا يجوز هذا شهواني ، وكذلك مسألة الاحتياط للعدة والذرية عليه أن يتأكد من هذه المرأة التي يريد أن يتزوجها لا تكون مطلقة من غيره ولم تعتد ولم تخرج من العدة ... في الخارج في الغالب عليهم لا يتقيدون بالأحكام الشرعية )! إذن ماذا يُسمى ما يفعله بعض الأغنياء وغيرهم من الطائشين والمنحرفين ممن يسافرون للدول الإسلامية وغيرها فيتزوجون لأيام وربما ساعات ويطلقون دونما حسيب أو رقيب .
7 - ذكر أحد أساتذة الفقه ( الحياة 7 مايو 2009 ) أن الصغائر لا عقوبة فيها ، لا لأنها ليست معصية ، وليس لأن صاحبها لا يستحق العقوبة بل رحمة من الله بعباده ، وتخفيفاً عنهم .
وأخيرا ما السبيل إلى ترويج هذه الآراء المهمة ، التي أظن أن أصحابها لم يطلقوها للاستهلاك الإعلامي ، بل رغبة منهم في تعميم الفائدة وتوعية الناس بها ؟ وما دور وسائل الإعلام في تسليط الأضواء عليها لإزالة سحب الغشاوة التي جعلتها مسلمات لا يجرؤ أحد على مناقشتها والتفكير فيها ؟
1
لم نسمع لهم صوت في أوج العصر الذهبي للتكفير ؟!
ومعظم المقولات - مبتور من السياق - فسنجد فيه النظرة الأخرى.
مسك العصا من الوسط ومحاولة الظهور بموقف وآخر بنفس الوقت.
لازال الجمهور المتعصب يشكل شريحة لا يستهان بها وعليهم مداهنتهم للبقاء في دائرة التسويق.
شاهد - زائر
04:48 صباحاً 2009/07/05
2
رصد موفق يدل على هم مجتمعي تتجاذبه عدة تيارات مختلفة نتمنى أن تكون هناك جهة تسعى لترجمة تلك الرؤى والقضايا التي تتعلق بنا كمجتمع مازال يتشكل بين المدنية وطوفانها المغرق وبداوتنا ببسلطتها الساذجة
أم يترك الميدان لكل من هب ودب بالرغم من وجود جهات الاختصاص التي مازالت تحلركاتها خجولة وعلى استحياء
علي بن عواجي محمد مهجري - زائر
06:52 صباحاً 2009/07/05
3
د.حسناء مقال رائع لي ملاحظات:
اعتقد ان كلمة التكفير تصدر بين الشباب مثل مقوله (علي الطلاق )والله اعلم بالنيات
الزوجه الاولى شريك في الذنب بمنعه من التعدد الشرعي
بعض الزوجات تغالي في الطلبات مع معرفتها بقدره الزوج (بعذر منعه من الزواج)
القنوات تدفع مقابل لهم(مال وشهره)
يجب على الزوج والزوجه مخافة الل
ابوابراهيم - زائر
10:11 صباحاً 2009/07/05
4
مساكم ورد ,,
إذا سلمنّا جدلآ بما تقولين علينا أن نستكثر عليك هذه المساحه التي قطعآ إستغلت لحقن أولئك الذين لايثمنون بعض مراميك وليس لهم الخبرة الكافيه في الإحتياط من مأرب دعواتك المشبوهه والتي تحمل التشكيك في من هم فوق الشبهات.
عزيزتي ,,
ليس لأحد الخوض فيما ليس من إختصاصه وله كامل الحريه في النقد
عاشق الورد - زائر
04:10 مساءً 2009/07/05
5
مساكم ورد,,
إذا سلمنّا جدلآ بما تقولين عليناأن نستكثر عليك هذه المساحه التي قطعآ إستغلت لحقن أولئك الذين لايثمنون بعض مراميك وليس لهم الخبرة الكافيه في الإحتياط من مأرب دعواتك المشبوهه والتي تحمل التشكيك في من هم فوق الشبهات.
عزيزتي,,
ليس لأحد الخوض فيماليس من إختصاصه وله كامل الحريه في النقد
عاشق الورد - زائر
04:11 مساءً 2009/07/05
6
سيدتى لكى كل الاحترام على شجاعتك فى طرح التعدى على كل القوانين الالهيه واتباع المحرمات وانتهاك القوانين فى تزايد مستمر وصدمتنا الحقيقيه ان هذه الفتاوى مجتمع محافظ وكنا نعتقد انه شعب الله المختار وخير امه اخرجت للناس شاهده على اكثر من حاله من ما تحدثتى عنهم لو تودين مراسلتى لك كل احترامى
دانه العبور - زائر
10:43 مساءً 2009/07/05
الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة