السبت 11 رجب 1430هـ - 4 يوليو2009م - العدد 14985

مجتمعي.. ذلك الأسرة النبيلة

تركي عبدالله السديري

    ليس هناك في الكون وجود لكائن تبرهن تناقضات تكوينه.. قدراته المبالغة في براهين وجوده ثم ضعفه المتناهي حين تهاجمه كائنات من الضحالة والضعف بحيث أنها لا تُرى.. مثل الإنسان.. معجزة الرب جلَّ وعلا التي لا تُضاهيها معجزة أخرى.. هذا الإنسان الذي بنى الكون.. الأرض.. مدنه.. طرقه.. علوم طبه.. علوم طبيعته.. أسرار بحاره ومحيطاته.. كان مبهوراً من تحليق الطائر فإذا به يرتفع بالطائرة تحمل أكثر من مئتي شخص على ارتفاع يزيد على الثلاثين ألف قدم وربما كان عدد الطائرات في الأجواء التي تقرِّب آلاف أميال المسافات من بعضها أكثر من عدد الصقور أو العصافير المحلقة في أجواء قريبة..

هذا الإنسان القوي في علومه وقدرات ذكائه ومستجدات طبه والرقي المتواصل لرحابة أنظمته هو الأضعف عندما يواجه فيروساً بكتيرياً.. يدخل مع ركض كريات دمه.. فيأخذه إلى التسمم السريع.. ثم الموت.. واجهت أنا تدخل البكتيريا ولم أكن لا عالماً ولا طبيباً ولا صاحب أي قدرة في مواجهة هجوم كاد أن يكون كاسحاً لولا تدخل الأطباء في مستشفى الملك فيصل التخصصي الذين قلبوا المعادلة في غضون ساعات وبالذات الدكتور عبدالرحمن الراجحي أخصائي الالتهابات.. والمنقذ هو الله دون شك، هذه هي المرة الثانية.. قبل أحد عشر عاماً ونحن نعرف لؤم ونعومة تدخل مرض السرطان الذي تسلل إلى المعدة لكن إرادة الله أولاً ثم الحضور العملي للدكتور محمد القويز الذي قابلته في لندن ورفض تأجيل فحص المنظار حتى العودة للرياض حيث تم ذلك في لندن بترتيب شخصي منه وكان قبل شهر قد أجرى فحصاً في الرياض تخوف منه رغم سلبية النتائج لكن ما تخوف منه وضح في فحص لندن وكان المرض في بدايته.. ومن هناك إلى أمريكا ثم عملية جراحية لينتهي الأمر بإزالته لكن بعد فقد ٨٠٪ من حجم المعدة وذلك لم يكن ضرورة ولكن تحفظاً من الطبيب.. حدث ذلك قبل أحد عشر عاماً.. وفي مناسبة الإنقاذ الثانية قبل أسبوعين أيضاً أقدر للدكتور محمد القويز متابعته ورعايته، وللدكتور فهد بامحرز.. الجراح الرائع.. تنفيذه لأكثر من عملية إنقاذ في زمن وجيز وقدرات ناجحة ثم متابعته الحريصة والواعية لما استجد فيما بعد شاملاً عمليتين إضافيتين فصل بينهما وبين الأولى بالخروج أربعة أيام من المستشفى ثم العودة إليه، ولا أنسى شكر الدكتور عبدالله السليماني الطبيب الجراح.. بالطبع أشكر الله على إنقاذي مما حدث..

لكن من الصعب أن أحدد شكراً جزيلاً فقط.. بل انحناءات تقدير بالغة الاعتراف بجزالة النبل والوفاء لعدد معين حيث تجاوز الحضور والاتصال حدود ما يمكن أن يكون معيناً.. حتى أشعر أنني قابلت ذلك التعاطف بشيء من الإكبار له مما يلزمني أن أورد الأسماء.. كل اسم له أسخن مشاعر الود.. لكن مكان النشر لن يتسع لكل أسماء الناس الأفاضل والفاضلات الذين تتابعت زياراتهم أو اتصالاتهم من خارج الرياض وخارج المملكة.. حتى عندما نشر الخبر الأول كان يتحتم أن يتوقف النشر عند ذلك الخبر لأن المتابعة كانت مستحيلة.. والناس الأفاضل في تعددهم أشبه ما يكونون بأطباء نفس بدءاً من اتصال صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبدالعزيز وحضور فضيلة المفتي وأصحاب المعالي الوزراء والسفراء في الرياض ورجال الأعمال وزملاء الإعلام.. في المملكة والخليج وبالذات في اليمن الشقيق..

هناك جانب آخر له خصوصيات إنسانية وخليجية وعروبية عندما استلمتُ بطاقات بعض الزهور من سمو أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، وسمو الشيخ ناصر المحمد الجابر الصباح رئيس مجلس الوزراء الكويتي، وسمو الشيخ الدكتور محمد صباح السالم الصباح نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الكويتي، وسمو الشيخ حمد بن جابر العلي الصباح سفير دولة الكويت.. عندما يتم وجود هذا الحجم الهائل في أهميته ومكانته لشخص لا يذكر أنه قدم شيئاً مميزاً للكويت، لكن قادة الكويت يعبرون بذلك عن التقدير في بلد لهم فيه الأخوة والمحبة..

من كل ما سبق يلمع تميز الجميع، ويتجوهر ليس في أي خصوصية لي فأنا مثل أي زميل آخر بل بالتأكيد يوجد من هو أكثر كفاءة مني.. إلا أن مجتمعنا.. بكل تدرجاته هو من يتجوهر فيه التميز بتوفر شمول عواطف الأسرة الواحدة التي تتماثل فيها مشاعر المواساة بين كل فئات المجتمع.. المجتمع الذي أشعرني بحضوره كأسرة..

كان نبل الحضور يمثل معالجة نفسية هائلة النتائج تريك عملياً كيف تتعدد روابطك الأسرية مع مئات العائلات، كيف تتعدد روابطك المهنية مع مختلف الفئات..

عندما صد الله جلَّ وعلا بفعل الطب بريق ركض الموت تحمله البكتيريا مهدداً بتسمم عام خلال ساعات قليلة لو لم يكن الطب أسرع حضوراً وكذا تعدد من لم تعد تنظر إليه إلا أنه والدك أو أخوك أو ابنك أو ابن عمك.. الكل كان أسرة نبيلة مشرفة الانتماء، والأسماء احتفت بهزيمة الخطر الساحق..