الرئيسية > الأخــيــرة

حول العالم

ماذا قال أسلافنا بهذا الخصوص؟


فهد عامر الأحمدي

من طبع الإنسان مقاومة التغيير ، وترجيح الموروث ، والثبات على المألوف .. وحين نراجع تاريخ المجتمعات البشرية بثقافاتها وأعراقها المختلفة نكتشف أنها عاشت لهذا السبب دون تطور حقيقي أو تغيير جذري لقرون طويلة وأجيال عديدة ..

فالمجتمعات تنظم نفسها من خلال مجموعة متناغمة من التقاليد العريقة والنظم الراسخة التي تقاوم أي تغيير خارجي أو مفاجئ .. غير أن هناك فترات استثنائية (وفقاعات تاريخية) تمردت فيها المجتمعات على نفسها وارتقت في سلم الحضارة من خلال تبني مفاهيم وأفكار نوعية وجديدة بالكامل..

ففي اليونان القديمة مثلا حصلت طفرة علمية وفلسفية مفاجئة ظهر خلالها علماء وفلاسفة كبار (مثل أفلاطون وأرسطو) أحدثوا نقله نوعية في نظرة الإنسان للحياة والكون .. أما العرب فعاشوا قرونا طويلة حياة بداوة وترحال حتى أتى الإسلام وأحدث نقله نوعية في حياتهم وطريقة تفكيرهم بلغت أوجها زمن الأمين والمأمون .. وفي نفس الوقت تقريبا دخلت أوربا عصور ظلام وجهل طويلة حتى بدأ عصر النهضة الحديثة في ايطاليا وتخلصت المجتمعات الأوربية من سطوة الكنيسة والخرافات المتوارثة !!

... وهذه في الحقيقة مجرد نماذج تاريخية على حالات سبات بشرية (قُطعت بصحوة مفاجئة) قلبت حال الأمة خلال فترة قصيرة ..

غير أن جذوة الصحوة سرعان ما تخمد ويدخل المجتمع في حالة ثبات وسكون تالية ولكنها تؤسس هذه المرة على آخر الأفكار الجديدة ... فحتى "الأفكار الجديدة" سرعان ماتغرس جذورها في المجتمع وتصبح هي ذاتها مقاومة للتغيير والجرح والتعديل (بل وقد تدخل تحت مظلة القدسية والثوابت الفكرية للمجتمع) .. فرغم انها كانت أفكارا رائدة (في زمانها) إلا أنها سرعان ما تصبح قديمة وجامدة لا تتوافق مع المتغيرات المستقبلية والتطورات الطبيعية للفكر الإنساني .. فأفكار أفلاطون وأرسطو مثلا أحدثت (في وقتها) نقلة نوعية وثورة حقيقية في المفاهيم البشرية ولكنها بمرور الزمن اكتسبت قدسية وثباتا فتحولت الى حجر عثرة أمام أي أفكار أو إضافات تالية (لدرجة كان الأوربيون حتى وقت قريب يحسمون أي نقاش بقولهم : ولكن أرسطو قال كذا وكذا، أو لم يقل أفلاطون كذا وكذا) ..

ونفس المفارقة نلاحظها في تاريخنا الاسلامي حيث تميزت القرون التالية لوفاة نبينا الكريم بحدوث انفجار معرفي وفقهي رائع رافقه قدر كبير من حرية الرأي والاجتهاد وتعدد المدارس الفقهية ... غير أن المفاهيم والأفكار الرائدة التي تبلورت خلال هذه الفترة (وأحدثت نقلة نوعية في وقتها) اكتسبت بمرور الزمن رسوخا وقدسية أعاقا بدورهما ظهورأي أفكار أو اجتهادات تالية (لدرجة مازلنا نحسم أي نقاش بقولنا : ولكن مالك قال كذا وكذا، أو لم يقل ابن حنبل كذا وكذا)!!

.. ومن هذا كله نستنتج أهمية التسامح مع المفاهيم والأفكار الجديدة والسماح لها بالحياة تحت مظلة من الحرية وحسن النية ... وفي المقابل لا يجب أن نتحرج من مراجعة المفاهيم القديمة بشكل دوري ومستمر خارج مظلة المألوف أو سطوة الموروث..

وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع هذا الرأي هناك حقيقتان (مجردتان) يجب على كل طرف تذكرهما بشكل دائم :

- الحقيقة الأولى أن من طبع البشر مقاومة التغيير، وترجيح الموروث، والثبات على المألوف.

- والثانية أن من طبع الزمن إضفاء قدسية عظيمة على الأفكار القديمة ، ومثالية كبيرة على الأسماء الشهيرة ..

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 114

  • 1
    حلو..
    تحياتي...

    سبيعيه غيوره - زائر

    02:44 صباحاً 2009/07/02


  • 2
    نحن نعيش عصر الثورات عصر تميز بعدم الثبات على شيئ وبكثرة التغيرات ( الا بالعقيدة بالنسبة لنا كمسلمين ) لدرجة اننا عندما نناقش مع البعض ان المجتمع لايتغير او لا يتقبل فكرة ما نجد الرد سريعا من انه سياتي اليوم الذي سيقبل المجتمع ذلك

    homod - زائر

    02:45 صباحاً 2009/07/02


  • 3
    الحقيقة الأولى أن من طبع البشر مقاومة التغيير، وترجيح الموروث، والثبات على المألوف.
    حط مليون خط تحت الثبات على المألوف :@
    مااا ذبحنا إلا هوو
    شكرا ع المقال..

    شيشو - زائر

    02:49 صباحاً 2009/07/02


  • 4
    مبدع كالعالدة يابو حسام ومقال رائع
    في الحقيقة هذه مشكلة عويصة وهو بإننا لانستطيع الخروج من عباءة الماضي

    عبدالمجيد الطاسان - عضو

    02:50 صباحاً 2009/07/02


  • 5
    تشكرات

    سرورر بن بنيدر - زائر

    03:01 صباحاً 2009/07/02


  • 6
    لايسعني الا ان اقول
    جزيت خيرا على هذا المقال
    الاكثر من رائع
    لكن سوال
    يقول
    هل تبقى تلك المعتقادات او تلك الاجوبه على الاسئلة
    متوافقه في جميع الازمان
    لااقصد الاحكام الشرعيه
    لكن كابعض النظريات
    هل تنطبق في سائر الازمان

    فنان تشكيلي وشكيلك - عضو

    03:05 صباحاً 2009/07/02


  • 7
    صدقت...أن البشر يقاوم التغيير، والزمن يقدس الأفكار القديمة.
    والدليل سقراط مات محكوماً بالاعدام سماًبسبب فلسفته القائمه علي المعرفة والدين بوقت كانت اليونان تعبدالشمس والسماء والنجوم...وإستهجنت أفكاره @
    برأيك ياسيدي الأمة العربية دخلت بسبات نوم الآن...ومتي الصحوة ؟؟
    فقدناك؟كنت في سبات أو تتغلي!!

    يحيي السلطان - زائر

    03:08 صباحاً 2009/07/02


  • 8
    أحسنت يا أباحُسام، وهذا من أروع ما قرأت لك، ذلك أن المقالة خلت من النقل.
    أنا أحبك، وأتابعك يومياً ومنذ فترة طويلة، ربما تجاوزت فيها تلك التي تدعى خلود!!

    إبراهيم عبدالله الدبيان - زائر

    03:12 صباحاً 2009/07/02


  • 9
    صدقت

    العوفي - عضو

    03:13 صباحاً 2009/07/02


  • 10
    يااا سلام على المقال مقال اليوم جميل جدا وانا يوميا اقراء مقلات
    فهد الاحمدي يوجد فيك اسلوب متمايزه بين الورق والقلم وانا اهنيك
    ولك التوفبق اخوكم بندر العتيبي
    ملاخضه؟ امس ليش مانزلت مقال يا استاذ فهد

    بندر العتيبي - زائر

    03:17 صباحاً 2009/07/02


  • 11
    أهمية التسامح مع المفاهيم والأفكار الجديدة والسماح لها بالحياة تحت مظلة من الحرية وحسن النية؟؟؟
    الظاهر يا بو حسام انك مو عايش معانا بهالبلد..

    بوعبدالله - زائر

    03:30 صباحاً 2009/07/02


  • 12
    لكل زمان رجال ودوله يابو حسام
    انصح بكل من يقاوم التغيير يقرأ كتاب من الذي حرك قطعة الجبن الخاصة بي

    وجدان - عضو

    03:30 صباحاً 2009/07/02


  • 13
    يعطيك العافيه بس مااعجبني الموضوع مو أسأه للموضوع لكن انا غير مهتمه بالتاريخ
    اعيش كل يوم بيومه ههه

    سوسو - زائر

    03:31 صباحاً 2009/07/02


  • 14
    اخي هناك قاعده تقول الاصل في العقيده التسليم فهناك أشياء لاينفع معها من اين وكيف وليه
    وكأنك تريد ان تشكر فرويد وثورته التي احدثها بطريقه غير مباشره
    والأئمه حين نوافقهم فهو لمعرفتنا انهم استندوا الى ايه وحديث وقاسوا عليه وليس اتباع على جهل فنحن اناس واعون

    ركز معي - زائر

    03:33 صباحاً 2009/07/02


  • 15
    صباح النور
    ليس كل المفاهيم الجديدة تكون جيدة
    وايضا ليست كل المفاهيم القديمة جيدة
    ولكن..
    أنظر
    جرب
    تعلم
    ان لم نتعلم ونجرب الاشياء الجديدة (افكار,علوم. كل مافي الحياة)
    سا يسبقنا الزمن ونبقى في دارة
    فهد قال كذا وجريدة الرياض لم تقل ها كذا
    C U

    قهوتي سادة - زائر

    03:48 صباحاً 2009/07/02


  • 16
    دائما أستمتع بمقالاتك،،
    دائماً لاتكون الثورات إلا بسلك طرق جديدة والابداع في الفكر الفلسفي،، لكن مثل ماقلت أن طبع البشر لايحب التغيير،، لكن السعوديين ليس فقط مايحبون التغيير.. بل ويذيقونك وابلاً من الشتائم والاستهزاءات. :) ابن امك تبدع يعني

    عبدالله الشكره - زائر

    03:53 صباحاً 2009/07/02


  • 17
    باأختصار اللي ماله ماضِ ماله حاضر،
    وقال صلى الله عليه وسلم [ إني تركت فيكم ما لن تظلو بعده أبدا كتاب الله، وسنتي ]
    أشكرك ياأستاذ فهد على المقال، وإلى الأمام بإذن الله

    خفايا الروح - زائر

    03:53 صباحاً 2009/07/02


  • 18
    يسعدني يأستاذ فهد ان اكون من اوائل الردود والمشاهدة لمقالك

    Mr.HANY - زائر

    03:56 صباحاً 2009/07/02


  • 19
    رائع كعادتك
    اكثر ما يعوني لقراءة الرياض هو زاويتك

    تركي - زائر

    04:13 صباحاً 2009/07/02


  • 20
    رائع كعادتك وفقك الله

    تركي96 - زائر

    04:18 صباحاً 2009/07/02


  • عرض جميع التعليقات

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة