منذ أن بدأت فكرة جامعة الملك عبدالله وأنا أحاول أن أفهم أهمية هذه الفكرة وتأثيرها على مجتمعنا وكيف ستساهم هذه الجامعة في بناء فلسفة تعليمية وبحثية مختلفة، والحقيقة أنني شعرت ببعض الامتعاض عندما أختير مديرا لها غير سعودي فقد تحركت حميتي الوطنية وقلت لماذا؟ ألا يوجد سعوديون يستطيعون إدارة هذه الجامعة، لكني قلت إن التنوع ووجود ثقافات وجنسيات متعددة لابد أن يترك أثره الإيجابي وتذكرت كيف كانت جامعاتنا في السابق عندما كانت تزخر بهذا التنوع. والحقيقة أنها هذه الجامعة الوليدة عملاقة فقد كنا في "رحلة عقلية" الأسبوع الفائت في هذا الصرح وبدعوة كريمة من مسؤولي الجامعة، والجميل في هذه الرحلة أنها كانت بصحبة لفيف من الكتاب والمفكرين السعوديين الغيورين على هذا الوطن الذي أعطى الكثير وينتظر من أبنائه الكثير. الرحلة كانت مراجعة لكل شيء يمس الوطن لم تكتف بالجامعة المثيرة لكنها اعتبرت الوطن كله "جامعة الملك عبدالله"، وكأن التحول الذي تحدثه هذه المؤسسة هو تحول في رؤيتنا لكل ما يحيط بنا من تراجع في كل شيء، ولا أكذبكم القول انني شعرت ببعض الأمل، رغم أنني كنت مثل كل الزملاء في هذه الرحلة، محبطا من كل شيء، فأنا لدي إيمان أننا مقبلون على عصر جديد سيغير من حالة الاحباط هذه، فليس من المعقول أن نستمر هكذا دون تغيير والجامعة الجديدة تدفع للتفاؤل وتحث على التشبث بالأمل لأنها تقدم كثيرا من الصور التي يمكن أن نتعلم منها.
الرحلة إلى جامعة "الوطن" صادفت مرور أربع سنوات على تولي خادم الحرمين الشريفين (حفظه الله) مقاليد الحكم، والمتابع لما يحدث في بلادنا يرى كيف أن الملك يهتم بالصغير قبل الكبير فقد كرس وقته لإعادة الشعور بالانتماء عند كل أبناء شعبه، ولعمري أنه عمل عظيم، لو كنتم تعلمون، فبداية "الأخلاق" المجتمعية هو الشعور بالانتماء، لأنه يصنع الوازع الذي هو أساس "الحب" للمكان ولأهله وهو ما عمل عليه حفظه الله، فالعدل والمساواة في الحقوق والواجبات وإلقاء الفروقات بين أبناء الوطن، وتأكيد فكرة الوطن الكبير الذي يفخر الجميع بالانتماء له كلها بدايات "المواطنة" فلا ريب أن نجد جامعة عملاقة يصعب أن تكرر في مكان آخر في قرية صغيرة مثل "ثول"، انني أشعر بتفاؤل لأننا بدأنا نفكر بمنطق التنمية المتوازنة التي تمس كل الوطن بخيرها.
الجامعة مثيرة عمرانيا، وتقدم دروسا في "العمارة الخضراء" فمبانيها الأكاديمية لديها شهادات من "الليد" الأمريكي وهي المؤسسة الأهم على مستوى العالم التي تعطي شهادات في العمارة الصديقة للبيئة. المشهد المعماري صادم يتناسب مع قامة كبيرة مثل "خادم الحرمين" لكنه كذلك يقدم رسالة كبيرة في التنمية وفي التطوير الاكاديمي. عمارة الجامعة مستقبلية وملفته للنظر تحتضن حرما أكاديميا به عشرة مبان مستدامة ذات تشكيل تقني عميق يعبر عن رسالة الجامعة ودورها المستقبلي كما يوجد بها مدينة سكنية للأساتذة وللطلاب والطالبات تمتد عبر واحة منفتحة على البحر. تداخل الرسالة العمرانية والرسالة الاكاديمة في الجامعة يعطينا تصورا لما يمكن أن ننجزه خصوصا عندما تكون شركة وطنية هي أرامكو وراء كل هذا الانجاز ففترة إنجاز المشروع وجودة العمل والسيطرة على التكلفة وكثافة المهنيين السعوديين الذين قادوا العمل الميداني (كما هي أرامكو دائما) والمتابعة المباشرة من قبل وزير البترول (حتى أن أحد مسؤولي الجامعة علق على أن الوزير اكتشف بعض الاخطاء الإملائية في شرائح أحد العروض في إشارة للمتابعة الدقيقة واليومية كلها إشارات لما يمكن أن نكون عليه في المستقبل. مشروع الجامعة يؤكد أننا نستطيع أن ننجز وأن نعمل الكثير لكن نحتاج إلى الإدارة وقبل ذلك الإرادة.
كنت ذكرت مرة أن الفيلسوف الألماني (مارتن هيدغر) كان رئيس الجامعة الألمانية في زمن (هتلر) وترك الجامعة دفاعا عن الحرية الأكاديمية، وفي اعتقادي أن جامعة الملك عبدالله يمكن أن تكون بداية حقيقية للجامعة السعودية، حتى وان كان أغلب اساتذتها وطلابها من غير السعوديين، فرغم أنه شيء مؤلم أن أسمع أنه لم يتمكن المجلس الاستشاري من الحصول على أكثر من ثلاثة اساتذة سعوديين من أصل 75 يعملون الآن في الجامعة و200 طالب (مع غض الطرف) سعودي من مجمل الطلاب الذين سيصل عددهم إلى 600 طالب إلا أن نتائج هذه الجامعة ستنعكس على الوطن لأنها ستكشف حاجتنا لتطوير التعليم وستبين أننا خارج المنافسة وأن كل الميزانيات الضخمة التي تنفقها الدولة على التعليم هي مجرد "أرقام" و "أوهام" لن تؤتي أكلها، لأنها تفتقر للإخلاص إلا إذا كان هناك أهداف واضحة نصر على تحقيقها. جامعة الوطن سيعلم فيها وسيتعلم فيها الكثير من غير أبناء الوطن لكنها ستمطر بالخير على هذه الأرض المباركة لأنها ستتحدى تقوقعنا على ذواتنا وستخرج رؤوسنا المدفونة في الرمال غصب عنا لأنها ببساطة ستقول لنا إما مواجهة التحدي أو الانزواء في الظل وإلى الأبد.
لا أريد أن أتحدث عن هذه الجامعة كثيرا فقد كنت منبهرا بالعمارة وبالوقت القياسي الذي أنشئت فيه هذه المباني الخلاقة والعملاقة، لكني كنت أفكر في التأثير الأكاديمي الذي ستتركه هذه المؤسسة، فهو الأهم، نحن نستطيع بناء المدن بسهولة، لكن بناء الإنسان صعب جدا خصوصا عندما يكون إنسانا يجر وراءه كل الخيبات التي تخيم على الاطار المجتمعي العام ويحمل في باطنه بذور الأنانية ومفاهيم الأنا التي لايهمها الطوفان بعد ذلك. هذه الجامعة درس في العطاء لأنها ستكون وقفا خيريا وقد تعودنا من الملك البذل ورصد الأوقاف الكبيرة للأعمال العظيمة، وهي درس في التنمية لأنها ستعيد تشكيل المكان الذي تقع فيه (رغم أنني ما زلت أنتظر ما سيحل بقرية ثول وبسكانها فهم يستحقون أن يرتقوا مع هذه الجامعة) وهي درس في التعليم سيكشف ما للحرية الاكاديمية واستقلال الجامعة من تأثير بالغ، أبلغ من تأثير الميزانيات الضخمة التي تذهب للمظاهر الزائفة لا للعمل الأكاديمي الحقيقي.
1
ياعزيزي أحترامي لك ولصراحتك
أنت دكتور ومهندس معماري وصدمت بما شاهدت
ليس الصدمة أنك في ضعف وأنما أحسست كما ذكرت أن الميزانيات الضخمة التي تنفقها الدولة على التعليم هي مجرد أرقام وأوهام ؟
جامعاتنا أذا لاتتخد التخصص منهاج لها فقل السلام
واي مشاريع وتوسعات غير مدروسة سوف تزيد أعباءها وتصيبها بالترهل
جامعة الملك عبدالله حدث تاريخي
سوف تغير نظرة العالم الينا كمصدرين فقط للنفط ومستوردين لكل شيء
وأنم أصبحنا
المستقتطب والمصدر للثروات العلمية للانسانية لخدمة البشرية
حفظ الله ولي أمرنا
ع ع م ا 1375 - عضو
03:58 صباحاً 2009/06/27
2
صباخ الخير د.مشاري
عندما قرأت التقرير عنها بالتلفاز قلت هيا وفرحت كثير..هي مستقبل أبني!
ننتظر المزيد وليس بمستغرب بعهد العبدالله ملكنا آدامة الله لنا وللمسلمين معلماً ونبراساً نحو الحضارةوالعلم
سمرمحمد - زائر
06:28 صباحاً 2009/06/27
3
عزيزي الدكتور مشاري
عندما نعمل مثل كوريا الجنوبية عندما أعادت في اوائل الثمانينيات بناء وزارتي التعليم والصحة على أساس علمي و وطني، وعندما نعمل مثل ماليزيا بتطويرها المذهل لمؤسساتها في ذاك الوقت سنكون على اول جادة التطور وسنكون مضرب المثل مثلنا مثل كل الدول النامية المتطورة التي يضرب بها الأمثال
محمد بن عبدالله الخرب/ الرياض - زائر
08:52 صباحاً 2009/06/27
4
ياخي حنا ناس ماهي فاضيه نفكر في الاصل والفصل واحتقار الاخرين اي علم وخرابيط هذه رااح تسحب البساط من شيوخ القبائل والعائلات المتعنصره
فادي - زائر
12:59 مساءً 2009/06/27
5
الجامعة هدية من خادم الحرمين يحفظه الله للأجيال القادمة، و تبرز الإمكانات المتميزة التي تمتلكها أرامكو ورجالها المبدعين والمخلصين لوطنهم. إنهم شباب آمنوا بربهم الله يزيدهم هدى. و أرامكو هي أرامكو الأولى لم تتغير إلا إلى الأفضل.
أخونورة - زائر
09:22 مساءً 2009/06/27
الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة