كنت والصديق الأديب الدكتور عبدالله المعطاني ذات شتاء قارس في شمال اسكوتلندا .. كنا في فندق على رأس ربوة تطل على ماحولها وكانت فضاءً عراءَ إلا من هذا الفندق .. وكانت الأرض مكسوة بالثلج، والقمر بازغ في كبد السماء ، ونحن في بداية الليل الذي يمتد طوله إلى سبع عشرة ساعة .. خرجنا من الفندق وسرنا مشياً وكانت الدنيا بياضاً في بياض . وكان الجو رغم الثلج الذي لا ينتهي مداه مقبولاً لمن احتاط باللباس. مشينا في الطريق الضيق المتعرج والأشياء من حولنا صامتة، لا نسمع إلا صوت الصمت…! تحدثنا بحرية وصدق ونقاء وكأن لون الثلج والقمر المشع في كبد السماء أعطيا حديثنا لوناً نقياً صافياً، وكانت الثريا فوق رؤوسنا رغم ضوء القمر لها بريق عجيب وكأنها طائر أبيض فتذكرت قول الشاعر ذي الرمة وهو يشبه الثريا بطائر "الغرنوق" وهو محلق فوق رأسه ،
وَرَدتُ اعِِتَسافاً والثرّيا كأّنها
على قمّةِ الرأسِ ابنُ ماءٍ مُحلّقُ .
وعدنا إلى الفندق وجلسنا قبالة النار الموقدة ورحنا نصغي إلى"هسهسة" الحطب الملتهب ، ونرى الشرر المتطاير، وننعم بالدفء ، وبلون النار التي جعلت قاعة الفندق الصغيرة أكثر توهجاً ، وكان هناك ثلاثة أشخاص فرادى ، كلُ لوحده ، أحدهم يقرأ كتاباً ، والآخر يتصفح جريدة أما الثالث فقد أمال رأسه على الأريكة وغط في نوم عميق.. دخلت في صمت . فظن صديقي أنني متعب من كثرة الحديث ، فجاراني في صمتي وعندما رأني أخذت عوداً أحرك به النار قال أراك كنت مستغرقاً في التفكير ؟ قلت نعم .. قال ماذاك ؟ قلت إني لأعجب من الدنيا ومن الناس ، يتباغضون ، ويتكارهون ، ويتطاحنون ، ويحارب بعضهم بعضاً ثم يموتون ولا ينتهون إلى شيء.. وإني لأظن أن من أسباب ذلك بعدهم عن التأمل في الكون وفي ملكوت الله وفي أنفسهم ، الناس ياصديقي اليوم مذهولون عن أهلهم ، عن أصدقائهم بل مذهولون عن أنفسهم وكأنهم خلقوا للذهول..!
إن ابتعادهم عن الطبيعة والجمال جعل أنفسهم بشعة قبيحة ومتوحشة ، لو أن الإنسان تعامل مع الطبيعة لأدرك أسراراً كثيرة في هذا الكون.. بل لتماثل مع الكون ، وتناغم معه بل لخلق حواراً رائعاً بينه وبين الكائنات الأخرى ..الناس يا صديقي علّبواً أنفسهم في مساكن المدن، وشدوا أقدارهم وحياتهم بأعمال تبعث الشقاء والكآبة في أنفسهم ، فلا يرون شيئاً حولهم إلا هذا المعتقل الآلي الذي اسمه المدينة، يستيقظون بسرعة، ويأكلون بسرعة، ويركبون بسرعة، ويعملون بسرعة ثم يعودون بعد الإجهاد ويسقطون من شدة التعب فينامون ، ويدخلون هذه الدوامة الصارمة القاسية التي تحولهم إلى مسامير في هذه الآلة الجبارة ، فيذهلون عن كل شيء . ولو سألت أحدهم كم شجرة أمام منزلك لما استطاع الإجابة ولما استطاع التذكر إن كان هناك شجرٌ أم لا !!
أرأيت إلى أي حد يذهل الناس.. رد الصديق وقال: وهل تريد أن يتوقف الناس عن أعمالهم ؟ حياة اليوم مختلفة، نمط العيش مختلف ، الإنسان في ذاته يكاد يكون مختلفاً عن الإنسان القديم في كل شيء، في قدراته ، وفي إبداعه ونظرته للكون ، إنسان اليوم أو إنسان العصر هو انسان الطائرة والكمبيوتر، والهاتف النقال، إنك من مكاننا هذا المنعزل تستطيع أن ترى الكون، وتتحدث معه بسهولة ويسر، أما تعب الإنسان فهو ضريبة هذه الوسائل العجيبة التي بين يديه ... قلت كلامك هذا حق لا لبس فيه.. ولكنني أسأل نفسي وأسألك ياصديقي لماذا أعيش، لماذا تعيش ؟ وماهي الحياة، هل كتب علينا أن نعيش لنركض كل هذا الركض ، أم كتب علينا أن نستمتع بوسائل التقنية ، ولا نستطعم طعم الحياة..؟! يا صديقي انظر إلى مكاننا هذا كم هو رائع وساحر وجميل!! فكم من الآدميين استمتعوا بجماله وصفائه ونقائه ؟ وفي كوننا أسرار، ونفائس، ومفاتن لا نلتفت إليها!! ياصديقي أجزم أن الإحساس بالجمال قد مات عند الناس، الإحساس بالحب ، بالرحمة، الإحساس بالإنسانية، ها نحن خمسة أشخاص هؤلاء الثلاثة أمامنا لا يتحدثون إلى بعضهم ، لا يتحدثون إلينا ، لا يهمس بعضنا نحن بني الإنسان لبعض ، ماتت نوازع الخير والرحمة في ذواتنا وتحولنا إلى آلات لا تشعر بجمال الحياة ، ولا بجمال الإنسان .. صدقني يا رفيقي أن بعض من يعيشون في الغابات والأماكن الرعوية البدائية النازحة خير من بعضنا ألف مرة، إنهم يتحلقون حول بعضهم ، يشربون قهوتهم مع بعضهم، يأكلون خبزهم مع بعضهم، يفرحون لبعضهم بصدق ، ويحزنون على بعضهم بصدق ، ويغنون أغنية الحياة بصدق، ولذا فإنهم يحسون بإنسانيتهم بصدق..! ياصديقي إن أحدنا يجلس أمام التلفاز فيشاهد مناظر الموت المروعة ، يرى دماء الأطفال ،ي رى وسائل الدمار، ووسائل القصف، يشاهد الموت يرعى الناس ويأكلهم ، يشاهد الإبادة البشرية، فما يهتز له ضمير ولا يحزن له قلب، وإنما تراه يسارع في البحث عن منظر للهوِ والتسلية .. أرأيت كيف توحش الإنسان .؟!!
ولم يكتمل الحديث بيننا فقد دق جرس إنذار الفندق فهاج النزلاء وماجوا .. حيث تبين فيما بعد أن حريقاً قد شب في مستودع الحطب..!
1
"يغنون أغنية الحياة بصدق" جميل جدا يا أستاذ عبدالله.. مقالك اراحني نفسيا.. كلنا يجب ان ننعزل من فترة لاخرى في مكان جميل بعيد عن توتر المدينة لاستعادة انفسنا. صراحة انا اول مره اقرأ مقالة لك لأني لم اجد مقال استاذ فهد الاحمدي فكنت بحاجه لجرعة مفيدة فأعجبتني مقدمة مقالك فقرأته كاملا.شكرا للصدفة
المهاجرة - زائر
04:09 صباحاً 2009/06/26
2
شكراً مقالتك رائعة دائماً
* الله خلق الأنسان لعمارة الأرض
* ما نوع العمارة عمارة مادية وعمارة معنوية إنسانية ؟
قد يعتقد البعض أن بناء الحضارة المادية أصعب من بناء الحضارة الإنسانية
وهناء نتجادل ونختلف معهم حضارة الرحمة والتفكر والسلام والحب والخيرية هي حضارة محمد صلى الله عليه وسلم
Rima_UK - زائر
04:25 صباحاً 2009/06/26
3
ههه
اضحكني آخر سطر... موضوعك اليوم استاذي درر.. اعجبني جدا...
ولكن انا كأنسان شعرت بماتقول... ولكن كيف ابدأ التنفيذ ؟
وكيف تقنع من حولك بهذ1 الكلام ؟
فبعض الناس مثل ماقلت علبو انفسهم في المدن ونسو معنا الحياه وكيفيه الاستمتاع بها..
استاذي شكرا لك.. موضوع قيم ويستاهل اعلى درجه..
فهد سدير - عضو
04:35 صباحاً 2009/06/26
4
غير مناسب ابداً وقت الحريق شوقتنا لبقية حديثكم الرائع...
اوافقك فيما قلت ولكن لازال هناك قلوب طاهره ونقيه تحب بصدق وتفرح بصدق وتحزن وتأسا بصدق مشخصك الكريم...
جديد - زائر
04:48 صباحاً 2009/06/26
5
بارك الله فيك يا استاذي الكريم
مقال في الصميم
دمت ودام قلمك الساطع
صالح بن محسن - زائر
05:01 صباحاً 2009/06/26
6
كويس انه شب مستودع الحطب علشان تنتهي القصه
عبدالله الدهمش - زائر
05:05 صباحاً 2009/06/26
7
كلام جميل جدا ولا ينسجم مع هذاالحديث الا الشخص الذي مر بهذه التجارب المره
اكررر
اعجابي بهذا الكلام
الرياضي - زائر
05:23 صباحاً 2009/06/26
8
ولكنني أسأل نفسي وأسألك ياصديقي لماذا أعيش، لماذا تعيش ؟
قال تعالى ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون )
@ندوى@ - زائر
05:23 صباحاً 2009/06/26
9
الله الله لا فض فضوك ولا عاش حاسدوك
والله اني استمتعت فالمقال الممتع
الإنسان إحساس
سلطان الدوخي - زائر
05:31 صباحاً 2009/06/26
10
الحمدلله على سلامتكم. وأغبطكم على الجلسة الرومانسية ههه
تسلم يا أستاذ عبدالله على المقال الجميل كالعادة.
المعتصم - زائر
06:55 صباحاً 2009/06/26
11
حال امتنا عجيب فطوبا للغرباء
سبحانك ربي - زائر
07:02 صباحاً 2009/06/26
12
خلق الانسان في كبد... ما شاء الله عليك مميز في كل كتاباتك.. يا ليت يكون لك أكثر من مقال في الاسبوع..أسأل الله العظيم في هذا اليوم أن يوفقك في منصب عالي في هذه البلاد التي أدعو الله أن يحفظ عليها دينها وأمنها
ابو عبدالاله - زائر
07:10 صباحاً 2009/06/26
13
الله واكبر عليك... كلام لايتكم به الا الحكماء فقط..!
الله يكثر من امثالك يا معلمي..
فهد - زائر
08:15 صباحاً 2009/06/26
14
لو استطاع كل البشر ان يحضو بما حضيت به وصديقك من فرصة التمتع بالمناظر الخلابة ونزول الثلج في فندق اسكتوتلندي على هضبة مطلة على وادي جميل، لاصبحوا كما تريدهم في مقالك بشر متحابين. ولكن هيهات كل البشر يركضون ركض السباع وقد حاصرتهم الديون واعياهم المرض وكسرت حالتهم طلب العيش، منظارك مختلف عن البشر
وسع صدرك - زائر
08:27 صباحاً 2009/06/26
15
لو طبقت مقالك على الناس في الوطن هل سيجد خيالك الفياض من يبحث عن الطبيعة في ارجاء مدينة صاخبة كالتي تسكن فيها حاليا. ان الشعور الذي احسست به والنزاعات التي تواردت في ذهنك اثناء جلوسك في الفندق الاسكتلندي هي طيف منعم لم يذق طعم الحرمان ولا مطالبة الديان او انكسار الفقير الغلبان فكيف تقارن حالك بحالنا
وسع صدرك - زائر
08:35 صباحاً 2009/06/26
16
المقال تطرق لمثاليات صعب ان تجدها خاصة ونحن نعيش في عالم تتحكم فيه المصالح دون النظر لما يحدث للآخرين
بوحمد - زائر
09:04 صباحاً 2009/06/26
17
احييك بكل صراحة واحيي جميع كتاباتك
دائما مبدع
تكتب عن الثقافة والفكر
واشياء جيدة
ليت جارك يتعلم منك ويترك عنه الخرابيط الي يكتب عنها
FARIS-AUSTRALIA - زائر
09:13 صباحاً 2009/06/26
18
سلمت اناملك أيها الكاتب القدير...
لقد أبحرت بي بعيدا عن حيث التفكير والتأمل ويا لها من نعمة...
بانتظار كتاباتك الشيقة والقيمة...
ما أجمل الكون - زائر
09:17 صباحاً 2009/06/26
19
أضف الى ذلك الابواب الالية حيث لاتعلم هل جارك بجوارك مما زاد في العزلة والانطواء واداء ذلك الى حالات من الاكتئاب و الامراض النفسية التي لاحصرلها بل أنها في حقيقة الأمر أصعب من أنفلونزا الخنازير اااه على أيام زمان أيام البجيري والطريف والمريح وسمحان والروقية كم هي حلوة ولها نكهة خاصة
حمد فهدالشبوي - زائر
09:31 صباحاً 2009/06/26
20
مقال جميل.. واهنئك على هذا الحس المرهف الجميل
عطارد التميمي - عضو
09:55 صباحاً 2009/06/26
الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة