الرئيسية > فن

صبا

لما أناخوا قبيل الصبح...


أحمد الواصل

إنها من عيون الشعر العربي في العصر الوسيط، قرون الحضارة العربية- الإسلامية، في عهد العباسيين 750-1258 م، جاء هذا الشاعر مع جيوش الغزو والجهاد مهاجراً من مصر إلى بغداد، وعاش بها.

خلدت هذه القصيدة بين حناجر عراقية وكويتية وشامية ومصرية، فهي قصيدة قصيرة ومكثفة ترسم مشهداً درامياً بين عاشق لسعه ألم رحيل المحبوبة، وجنونه في تذكرها. فهل، حقاً، كان الشاعر مجنوناً؟.

يذكر ابن عبد ربه في كتابه العقد الفريد (ج4) بأنه –أي الشاعر- قضى نهاية عمره في دير رهبان، يسمى دير هرقل، بين طريق بغداد وواسط رآه المبرد، صاحب الكامل في اللغة والأدب، مع صحب له مسافرين، فأنشدهم من شعره وطلب رأيهم:

لما أناخوا قبيل الصبح عيسهمو .. وحملوها وسارت بالدمى الإبل

وقلبت بخلال السجف ناظرها.. ترنو إلي ودمع العين ينهمل

وودعت ببنان زانه عنم.. ناديت لا حملت رجلاك يا جمل

ويلي من البين ما ذا حل بي وبها .. من نازل البين حل البين وارتحلوا

يا حادي العيس عرج كي أودعهم .. يا حادي العيس في ترحالك الأجل

إني على العهد لم أنقض مودتهم .. يا ليت شعري لطول البعد ما فعلوا

ويقف ابن عبد ربه عند هذا الحد، ولكن التقط مؤلف «ألف ليلة وليلة» هذه الأبيات فوظفها ضمن القصائد المنشدة في لياليه، ولعلها انتشرت بين مغنيات تلك الفترة، خاصة مؤنسة جارية بنت المهدي التي يذكر أنها شدت للشاعر قصائده، ويتواتر عند مغني المقام العراقي هذا النص الشعري مضافاً إليه حواراً بين الشاعر وراهب الدير، وهو الجزء الذي سجله مصطفى أمين أحد شيوخ الإنشاد المصريين:

«لما رأيت بأن القوم قد رحلوا .. وراهب الدير بالناقوس مشتغل

وضعت عشري على رأسي وقلت له: .. يا راهب الدير ، هل مرّت بك الإبلُ ؟

يا راهب الدير بالإنجيل تخبرني عن البدور اللواتي عندكم نزلوا

فحن لي وبكى بل رق لي ورثا .. وقال لي: يا فتى ضاقت بك الحيلُ

إن الخيام التي قد جئت تطلبهم .. بالأمس كانوا هنا واليوم قد رحلوا «

وبرغم أن عبد اللطيف الكويتي لفتت نظره القصيدة من قراء المقام العراقي، ولكونه يتمتع بذاكرة حفظ القصائد أعجبته كلها، إلا أنه اختار أجزاء منها ليغنيها في قالب الصوت الشامي بينما سوف يكتب بيرم التونسي نصاً متخذاً مطلعها يا حادي العيس موالاً شدا به المغني صالح عبد الحي.

وقد اشتهرت القصيدة مغناة على مقام الحويزاوي (وهو من فروع الحجاز) بصوت المغني الكبير محمد القبانجي إذ سجلها مرتين 1956 أول مرة وأخرى زمن مؤتمر الموسيقى الثاني في بغداد 1964 ثم شدا بها ناظم الغزالي في حفلة الكويت الشهيرة، وسوف يشدو بها (المقطع الأول) عام 1990 في قصر المؤتمرات – باريس بينما سوف يعيد تسجيلها سعدون جابر في مسلسل ناظم الغزالي 1996.

وقد تنبه عادل العامل أحد الباحثين الجادين، وأنجز جمعاً لقصائده المتناثرة في بطون الكتب العربية ما بين كتاب الأغاني للأصبهاني والعقد الفريد لابن عبد ربه، ومحاضرات الأدباء للراغب الأصفهاني، وديوان المعاني لأبي هلال العسكري، وتاج العروس للزبيدي، وطبقات الشعراء لابن المعتز، ودرس شعره باعتباره يعد مجايلاً لشعراء كبار آنذاك مثل البحتري والحسين بن الضحاك ودعبل الخزاعي وديك الجن الحمصي..

ويذكر له تاريخ الأدب أشعر بيت في المديح لأبي دلف العجلي، وهو من أمراء الجند وقوادها، علق عليه: والله ما مدحت قط بمثل هذا البيت!، وهذا البيت السائر:

«كرَّات عينك في العدا .. تغنيك عن سل السيوف «

ذلك البيت وتلك القصيدة «لما أناخوا» للشاعر المنسي ماني المُوَسوَس 245 ه / 859 م، وهو محمد بن القاسم اشتهر بأبي الحسن المصري. شاعر من أهل مصر، قدم إلى العراق، واتصل بأبي نواس وأبي تمام والمبرد وأنشدهم بعض شعره، وذلك عند إقامته في مدينة السلام، وتوفي بها.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 11

  • 1
    فرحت لك كثيرا المشاركة في ثقافة الرياض اهلا وسهلا بك مشاركا

    solomon ali - زائر

    04:30 صباحاً 2009/06/20


  • 2
    رائع يا أحمد
    جميل ماسطرته عن هذا الشاعر المغمور
    والأجمل ذكر المراجع والمصادر واسم الباحث وبعض الأبيات
    استمر بالحديث عن أمثال هؤلاء (:بانتظارك..
    وفقك الله

    د/ عبدالعزيز العبد الكريم - زائر

    06:47 صباحاً 2009/06/20


  • 3
    آخي آحمد
    سلمت يدآك
    في المطلع
    لما أناخوا قبيل الصبح عيسهمو.. وحملوها وسارت بالدمى الإبل
    واختلف كثير من الادباء
    في البيت
    وقيل
    لما أناخوا قبيل الصبح عيسهم
    وحمّلوها وسارت في الدجى الأبل

    خنفور خنآفير آلمخنفر - زائر

    08:31 صباحاً 2009/06/20


  • 4
    ولا ننسى أن الفنان الكبير صباح فخري قام بغناء الأبيات موالا جميلا في مقدمة غنائه للقدود الحلبية المشهورة
    تحية وتقدير

    محمد الفاتح - عضو

    09:42 صباحاً 2009/06/20


  • 5
    اختيار جميل للقصيدة...
    وللعلم فقد أنشدها المنشد الكبير رشيد غلام بعدة حفلات.
    يعطيك العافية ونريد اختيارات أجمل لقصائد أفضل. تحياتي

    فالح - زائر

    10:41 صباحاً 2009/06/20


  • 6
    شكرا
    أحمد

    محمد - زائر

    01:12 مساءً 2009/06/20


  • 7
    للإستزاده
    انظر جريدة الرياض النسخة الإلكترونية عدد الجمعة 10 ذي الحجة 1425ه (11 ذي الحجة حسب الرؤية) - 21 يناير 2005م - العدد 13360
    موضوع منادمة ماني الموسوس

    الحاج متولي - زائر

    02:21 مساءً 2009/06/20


  • 8
    شكرا لك
    تم اعتماد القصيده لتمويلها في اقرب مناسبه
    اكرر شكري.

    ابو فيصل - زائر

    03:25 مساءً 2009/06/20


  • 9
    ياسلام عليك ياستاذ احمد الواصل ياعبقرى
    والمطرب العراقى الراحل ناظم الغزالى غنى القصيده بصوته
    الرائع المعبر 0

    النوخذه - زائر

    05:46 مساءً 2009/06/20


  • 10
    مرور اي قصيدة ب-حنجرة-"ناظم الغزالى"يكفل لها الحياة..::"ميم"

    شايفة وساكتة - زائر

    08:48 مساءً 2009/06/20


  • 11
    أنا سمعتها أول مرة من صاحب الحنجرة الذهبية
    الصون الحلبي الذي لا يشيخ
    صباح فخري.

    أبو منيف - زائر

    12:05 صباحاً 2009/06/21



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة