الرئيسية > مقالات اليوم

الجوف: عشق من أول نظرة


د. مشاري بن عبدالله النعيم

تمتلك بعض الامكنة جاذبية خاصة تحبها من أول نظرة، تغريك بطبيعتها البسيطة وبأناسها البسطاء الاشداء الذين يبدون وجهة نظرهم بقوة ودون مواربة، الثقافة في الجوف نابعة من المكان الذي يصنع الهدوء والسكينة لكنه يصنع كذلك الأنفة. في وسط سكاكا وعند قلعة (زعبل) كنت مع بعض الزملاء الشباب من الجوف، نسير بين طرقات المدينة القديمة التي تهدمت لكن بقيت بعض جدرانها صامدة، كان الشباب في غاية الحماس لمدينتهم الصغيرة وكأنهم في حالة عشق دائم، ثائر لا يهدأ، المكان ساحر، يتنفس التاريخ ويشع بالذاكرة الملتهبة. توقفنا عند بعض الاوراق المنزوية في أحد البيوت في "القهوة" (مجلس الرجال)، أثارت تلك الأوراق الشباب فعمرها يزيد عن الثلاثة عقود لرجل يعرفه الجميع توفاه الله، المكان بكل ما فيه ملك للجميع يعرفه كل من سكن أحياء المدينة القديمة (الضلع والشلهوب والمعاقلة) فتلك الأحياء هي كل ذاكرة (سكاكا، ويعني اسم المدينة مجموعة من السكك أو التقاء السكك، حسب قول أحد كبار السن في المدينة) بكل سكانها الذين فرقهم المكان "المتشيئ" الذي صنعته المدينة الحديثة بكل توسعاتها وبكل قسوتها الاجتماعية وبكل فروضها الاجتماعية التي جعلت من أبناء الجوف ينتظرون المناسبة كي يجتمع شملهم مرة أخرى. المكان هنا غير عادي ولا يمكن أن يكون عاديا يصفه ابن الجوف البار القاص عبدالرحمن الدرعان بأنه "ليست أرضا قديمة فحسب، إنها قصاصات سراب أنهكها الوهن من الركض، وجفت تحت شمس الصحراء الحارقة ونثرها في أكثر من مكان"، هذا المكان (أو الأمكنة) التي يعتبرها السوريون بداية نجد ويعتبرها النجديون جزءا من سوريا (حسب جورج أوغست والن الذي زار الجوف في القرن التاسع عشر)، يحمل ثنائية الصحراء والريف ويجمع بين سكان البادية والمدينة ويصنع مجالا حضريا تلتقي فيه ثقافة الشمال بثقافة الوسط والجنوب. ونحن نسير في أزفة سكاكا المهجورة والمتهالكة كنت أسأل عن الأمكنة المعمارية فكل غرفة مرتفعة عن الأرض (في الطابق الأول) تسمى "علية" وكل سباط (مجبب) يسمى "سويق" والدكك (الحبوس) الخارجية بالقرب من المساكن تسمى "ربعة". البيت "السكاكي" بسيط جدا ومتقشف للغاية يعكس طبيعة الناس المنفتحة على الحياة في حدودها "المقنعة"، فالبيت هنا تعبير عميق لنسيج سكاني واقتصادي يأخذ من الحياة حدود الكفاية دون زيادة أو نقصان، حتى أن الاسرة الواحدة تتجمع في خلية سكنية واحدة تجمع عدة بيوت صغيرة لها باب واحد وكأن المدينة كلها مجموعة "بوتات" أسرية متجاورة.

عندما تنظر للجبل (زعبل) وتشاهد المساكن الصغيرة المتلوية والملتصقة به كما يلتصق الطفل الرضيع بصدر أمه، تدرك ما ل "زعبل" من قيمة رمزية عند سكان الجوف (وسكاكا على وجه التحديد) فهذا الساتر العظيم الذي تحيط به "الحوطات" (البساتين الملتصقة بالمساكن) تلونه وتعطيه "طعم الحياة" يغري بالمشاهدة وبالاكتشاف فالقلعة التي تعلوه تضغط على كل الحواس للصعود للأعلى وعندما تصعد لابد أن تتكشف لك المساكن بدرجات مختلفة تظهر بصورة متشابكة للغاية لا تستطيع أن تحدد حدودا بين مسكن وآخر، وتبدو الأزقة المتعرجة التي تجمعها مع بعضها حالة عضوية يصعب صنعها مرة واحدة أنها تشكيل "زمني" تكون مع الوقت. تشكل جدران الطين والصخور الناتئة التي تصنع جدرانا خلفية للمساكن مزيجا "حيويا" واحدا لا تفرق بين ما هو طبيعي وبين ما صنعه الناس فقد ذاب كل منهما في الآخر. المكون هنا إنساني بامتياز، خصوصا عندما تخترق البصر حوطات النخيل الكثيفة بين المساكن وعلى أطراف الجبل فاللون الأخضر هنا صادم للون الأرض الصارم والهيمن الذي يدفع كل الأشياء إلى التوحد والاندماج. صدمة "الأخضر" الحي والمتحرك في هذا المكان تكشف سر الحياة الذي احتفظت به الجوف عبر السنين.

الصعود لقلعة "زعبل" متعة لأنها تكشف "طبقات المدينة" كلها قديمها وحديثها فكل ما صعدت للأعلى كلما تكشفت طبقة وكلما توقفت لألتقط بعض الصور لنفس المكان لكني صرت أراه أوسع وأشمل، انها تجربة أو لأقل درسا "حضري" يكشف "أركيولوجية" المدينة التي صارت تتوسع باطراد حتى أن حدودها البعيدة أصبحت غير مرئية. اللوحة "السوريالية" التي يرسهما (زعبل) بنتوءاته الصخرية وبقلعته التي تتواصل مع السماء وتشرف على المدينة القديمة وبمساكنه المحتمية والملتصقة به يصعب تكرارها في مكان آخر، انها مزيج عمراني طبيعي وإنساني يمثل لوحة أقرب للخيال منه للواقع.

الجوف تاريخيا هو جوف آل عمرو والذي يعني بالتحديد (دومة الجندل) وهي المدينة الأقدم التي لا يمكن أن تمحى من الذاكرة. توقفت عند الصخر الذي يستخدمه أبناء دومة في تكسية مساكنهم وقيل لي إنه صخر يسمى "الجندل" والبعض يقول إنه "حجر الجوف" ولا فرق بين الجوف ودومة الجندل، الحجر هنا سطحي وطبيعي يمكن جمعه مباشرة من سطح الأرض ولا يحتاج إلى "محاجر" وعادة ما يصف فوق بعضه البعض دون رابط (مونة) ويصنع أشكالا تجريدية مثيرة تحتاج أحيانا إلى تفسير. لم أستغرب هذا المشهد عندما صدمني قصر (مارد) بصريا وتقنيا فهذا المبنى الصخري الصامد الذي لم أعرف متى بني يشكل حالة عمرانية مباغته وفي مكان لا تتعدى ارتفاعات المباني المحيطة به أمتار قليلة، مبنى شاهق يلتصق به مسجد عمر (وهو مسجد ينسب لعمر بن الخطاب لكن هناك من يؤكد أن المسجد بني في عهد عمر فقط ولم يشرف عليه الخليفة الثاني ابدا) ومهما كانت الحقيقة التاريخية فإن المسجد يمثل تحفة معمارية عفوية متقنة الصنع، أروقة المسجد والقاعة الشتوية والفناء المنخفض عن مستوى القصر والسوق من الجهة الأخرى، ونضارة الحجر وخشب الأثل الظاهر في الأسقف وجسور العقود تنم على حرفية معمارية مبكرة لا نجدها في أماكن أخرى من الجزيرة العربية في تلك الفترة المبكرة.

الجوف بنسيجه الطبيعي وتشكيله العمراني درس في عبقرية المكان الذي يتجدد دون افتعال، فكل ما تضيفه لهذا المكان الخلاق جميل، ولعل هذا سر بعض الأمكنة التي تأسرك من أول نظرة وتحاول أن تفسر هذا الحب الذي اندفع إليك فجأة، إنه عشق غير قابل للتفسير أو التبرير فالأرض ومن يعيش عليها يصنعان جودة المكان "الكامنة" التي يستحيل تسميتها أو وصفها لأنها ببساطة غائرة في باطن الأرض التي تبعث نفسها مع كل جيل يعيش عليها تطبعهم بطباعها الطيبة.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 17

  • 1
    شكر وعرفان لك ايها المنصف ,
    تحية الى اهالي الجوف الكرام بكل اطيافهم.
    دعوة لمن لم تتسن له الفرصة لزيارة المنطقة ان لا يتردد البته.
    وبالنسبة لاثار الجوف فهذا المقال جدا مقتضب , ومن اراد الاستزادة فعليه ان يرجع للمختصين , وليس الخبر كالمعاينة, ومن رأى ليس كمن سمع !!

    ابو ندى - زائر

    04:53 صباحاً 2009/06/20


  • 2
    شكراً يادكتور على هذا الطرح الجذاب , وتمنيت لو مررت على قصر الحيزان للضيافة والذي كان مناخ تنيخ أمامه القوافل وكان جزء من أهالي هذا البلد يجتمعون فيه ساعة الخطر لحماية أنفسهم والدفاع عن أراضيهم ضد الغزاة , وذلك قبل الحكم السعودي أدامه الله.
    تحياتي

    مقتفي أثر - زائر

    07:23 صباحاً 2009/06/20


  • 3
    اهلا يا دكتور وبعد (((...والمدينة خير لهم لوكانو يعلمون))) على ساكنها أفضل الصلاة والسلام

    فتى السعوديه - زائر

    08:03 صباحاً 2009/06/20


  • 4
    الظاهر ان الكاتب مل من ازدحامات الشرقية الملتويه طرقاتها عل صدور الكباري المعوقه وبعضها يحتاج الى فصل تؤم. اصبحنا مع الازدحام كالدجاج داخل حضيرة نلهث لكون الجو حار جدا اكرمكم الله. واصبحنا نفكر بالبعيد مع اقاربنا مع افكارنا مع اهدافنا مع احلامنا.

    سعيد بديه - زائر

    08:39 صباحاً 2009/06/20


  • 5
    بصراحه تشوقنا نشوفها وهذا مقال جيد جدا خصوصا لهواة السفر والاكتشاف
    عن جد كبير يا وطنا
    مشكور على الطرح الجميل

    اميرة الظلام - عضو

    09:47 صباحاً 2009/06/20


  • 6
    شكرا لك... مقال رااائع انصف هذه المدينة المظلومة من قبل "الحكومة "والشعب والاعلام...للاسف هي كالقطعة الالماس الخام ولكنها لم تجد من يصقلها ويجملها ويضعها في اطار ذهبي اللون كباقي مدن مملكتنا الحبيبة !!
    تحياتي..

    ام ماي بيبي.. - زائر

    09:50 صباحاً 2009/06/20


  • 7
    شكراً لذالك القلم الذي يشع نور وسحر
    لم أذكر أني قم بجولة في مدينتي بهذه الروعه كالتي قمت بها معك أنا وزميلي أيمن السطام كانت في منتها الجمال وستبقى ذكرى عالقه في أذهاناً ماحيين نتطلع إلى زيارة أخرى وجولة أخرى أكبر وأشمل نرحب بك أستاذي ثانياً وإلى لقاء قريب بأذن الله

    أحمد الثلج - زائر

    09:52 صباحاً 2009/06/20


  • 8
    حياك الله يادكتور بين أهل وأخوان

    كريّم الشراري - زائر

    09:53 صباحاً 2009/06/20


  • 9
    الرد رقم 2
    الاخ مقتفي أثر
    هل انت مقتفي أثر اللي ناكب عفش هوامير البورصة والا انت واحد منتحل شخصيته أرجو التوضيح شكلك من الجوف طلعت بلدياتي

    فيصل السرحاني - زائر

    02:08 مساءً 2009/06/20


  • 10
    هلا بك في وادي السرحان " وادي النفاخ " يا دكتور نتشرف بوجودك وحضورك يزيدنا رفعه

    راعي البويضا - زائر

    02:09 مساءً 2009/06/20


  • 11
    فعلا الجوف عشق ليس له حدود مدينة آن لها ان تأخذ نصيبا من الهالة الاعلامية السياحية لهذه المدينة اللتي حوت حضارات ضاربة وموغلة في القدم هي ودومة الجندل

    بن السرحااان - زائر

    02:14 مساءً 2009/06/20


  • 12
    احلى يالجوف والله لهم فترة يدندنون على عودتس تستاهلين المدح يام الحلوه

    الذيب سرحان - زائر

    02:17 مساءً 2009/06/20


  • 13
    أحب الجوف واهل الجوف...محبة من خفايا الجوف.
    لأن الجوف واهل الجوف...حقيقة قطعة من جوفي.

    فهد - زائر

    05:19 مساءً 2009/06/20


  • 14
    الجوف المنطقة المنسية...
    وكما قال الامير السابق عبدالاله بن عبدالعزيز " اهل الكرم والطيب يعيشون في القرون الوسطى"!...
    شكر وامتنان للدكتور...

    Joe المحامي - زائر

    07:09 مساءً 2009/06/20


  • 15
    مرحبا
    المقال جميل ومعبر وخصوصا عنوانه.. وهو يعكس بشكل كبير طبيعة الجوفيين التي تتميز بمزيج خاص من الطيبة والحزم, الكرم والشجاعة, الثقافة والحرية وتقبل الآخر.. وهذا يلمسه بشكل واضح كل من زار المنطقة وخالط أهلها.
    شهادتك يادكتور يشكرك عليها كل الجوفيين.. فهي لله ثم للتاريخ.. فشكرا لك

    د. فهد الكبيدان - زائر

    08:23 مساءً 2009/06/20


  • 16
    شرفتنا يادكتوري بحظورك للجوف والجوف تفخر بمثلك يكتب فيها المقال الرائع هذا

    زيد الحسيان - زائر

    10:28 مساءً 2009/06/20


  • 17
    شكرا يا دكتور مشاري على هذا المقال الرائع.. نتمنى ان نراك في زيارات قادمه للمنطقه وأن نسعد بلقائك هناك..

    د.نايف الواكد - زائر

    10:39 مساءً 2009/06/20



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة