الجمعة 26 جمادي الأخر 1430هـ - 19 يونيو 2009م - العدد 14970

على قامة الريح

التكريم الذي حضره بغيابه د. ناصر الرشيد

فهد السلمان

    اعتدنا أن نشهد الكثير من حفلات التكريم هنا وهناك ، بعضها تستطيع أن تشم فيها رائحة الرياء الاجتماعي والتزلف حتى ولو كان أنفك معطوبا برشح مزمن ، وبعضها تشعر أنه تكريم شكلاني ماسخ كما لو أن من قام به أراد أن يُكرم نفسه قبل أن يُكرم المحتفى به ، وبعض ثالث يُمكن تصنيفه تحت بند التكريم الكرتوني الذي توزع فيه الدروع وشهادات الكرتون على من يستحق ومن لا يستحق على وجه المساواة ، وكأنه مجرد رفع عتب ، ورابع يضع التكريم له عنوانا فيما يبتذل بالمديح وبالإطراء حتى يُلاقي حدود الإهانة ، وخامس وعاشر وهكذا .

قليل هو التكريم الذي يذهب للعمق ، يترفع عن المجاملات والغايات ، ليقابل نبل الهدف ، ورقي الفعل ، ليسمو معهما وبهما كقيمة إنسانية طاهرة وعفيفة ، تفتح مغاليق النفوس .. كل النفوس لتعانقها بالرضا كشاهد ومشهود .

مساء الثلاثاء قبل الماضي دُعيت إلى حفل تكريم من نوع خاص ومختلف ، لم يكن المحتفى به حاضرا لا بالأصالة ولا بالنيابة ، لا بل لم يبلغه الخبر ، كان المحتفى به معالي الدكتور : ناصر بن إبراهيم الرشيد ، فيما كان الداعون هم الأيتام من دار الرعاية الاجتماعية والصم والبكم والمكفوفين ، كان كل شيء في ذلك الاحتفال يتجه لهذا الرجل الذي ضخ ما يزيد على 12 مليون ريال لصالح مركز الأمير سلمان لرعاية الأطفال المعاقين ، ومائة مليون لبناء مركز الدكتور ناصر الرشيد للأيتام ، والذي يشهد اليوم مراحل إنجازه الأخيرة .

لم يكن الهدف من هذا التكريم الذي لم يحضره صاحبه خافيا ، فقد كان الهدف في أبعد غاياته أن يعرف هؤلاء الأيتام والمعاقون ، وهم يمرحون وينشدون من هو الرجل الذي استشعر آلامهم وآمالهم ، أن تتجذر في أذهانهم الصغيرة فكرة الوفاء لمن يستحق الوفاء ، أن يشعر من فقد والديه ، أو فقد بعض حواسه أن أجمل التكريم لمن وقف معهم هو ما تجرّد من المظاهر حتى أصبح كالدعوة في ظهر الغيب .

لقد أراد سليمان عبد الكريم العتيق وإبراهيم فالح الحيص ، القيّمان على هذا البرنامج ، وهما شابان مسكونان بهاجس العمل الخيري الطوعي مع هذه الفئات حتى النخاع ، أن يأخذا التكريم من نزعة الحفلات التي يختفي فيها الهدف الأخلاقي والمعنوي بدخان المباخر والخطب والفلاشات ، وتذوب فيها قيمة الوفاء في عبارات التملق ليرتفع إلى مستوى التكريم الحقيقي الذي لا يلتاث بأي غاية سوى غرس الامتنان كقيمة تربوية في تلك النفوس الصغيرة التي يسكنها حزن الفقد ، وألم اليتم والإعاقة ، لتتحسس دفء الأفعال الطيبة والكريمة ، التي لم تحزن من أجلهم بفيض دمعة وحسب ، وهي تستطيع أن تحمل عنهم بجود العطاء بعض العنت .

إنه تكريم مختلف ، لا لون له سوى البياض ، ولا حدّ لنقائه عدا تلك المساحات الشاسعة من الفرح في عيون الأيتام والمعاقين وبسمات المكفوفين ، وهي تتواتر كدعوات جوف الليل .