وكما كان تعصّب الصفويين للتشيع تعصبا سياسيا خالصا، فقد كان تعصب العثمانيين للتسنن تعصبا سياسيا خالصا أيضا. زايدَ العثمانيون على التسنن، وبالغوا جدًا في التفاصيل، وخاصة في تصوير الخطر الشيعي العقائدي على عقائد التسنن التي تدين بها الغالبية العظمى من رعايا العثمانيين. وهو خطر حقيقي على العثمانيين، لكنه لم يكن خطرا شيعيا عقائديا، كما كان العثمانيون يُوهمون البُسطاء من عامة الناس. لقد كان مجرد خطر سياسي صفوي؛ يستخدم الدين كإطار إيديولوجي لإرساء قواعد دولة فارسية بالغة النفوذ.
بالغ العثمانيون في التدين، وأظهروا أنفسهم كحماة للدين وللمذهب السني، وتظاهروا بتعظيم حرمات الله، ودعموا الطرق الصوفية التي تُتقن تدجين العامة، وشيدوا المساجد والأضرحة التي تُخلّد ذكراهم في متون صفحات الدين الجماهيري. ومع كل هذا، كان الخليفة إذا بويع بالخلافة أو السلطنة، يقوم فورا بقتل جميع إخوته؛ حتى لا يَدخل من خلالهم خللٌ على استقرار السلطنة؛ وكيلا يصيبها شيء من داء الشقاق الداخلي. ولقد قام محمد الفاتح بقتل أخيه الرضيع. نعم، القتل يطال حتى الرضّع !. فالرضيع قد يكبر، وينازع أخاه الكبير على السلطة. وقد أصبح هذا الإجراء (= قتل الإخوة) عرفا عثمانيا، بحيث يتم تنفيذ سلسلة الإعدامات في اليوم الأول للبيعة. ولأن السياسة كما تصوروا تقضي بقتل الأشقاء، فضلا عن غيرهم، فقد وجدوا من الفقهاء (ولماذا لا يجدون؟!) من يؤكد لهم أن (الفتنة أشد من القتل) وأن قتل إخوة الخليفة ذوي العدد المحدود، أهون من (فتنة) تتسبّب في ملاحم من الاقتتال الداخلي، الاقتتال الذي قد يذهب ضحيّته عشرات الألوف من الأبرياء. إذن حسب هذا المنطق أو هذه الفتوى لا بأس من قتل هذا العدد المحدود؛ سدا للذريعة، ومن باب: جواز ارتكاب المفسدة الصغرى لدفع المفسدة الكبرى. هكذا كان السلاطين (الأتقياء) يفعلون، وهكذا كان الكهنوت العثماني يبرر لهم ما يفعلون !
في الوقت نفسه، وعلى الضفة الأخرى، أي في المشرق الإسلامي، كان الحاكم الصفوي: الشاه عباس الكبير، يُمعن في إظهار تعلقه بالمذهب الشيعي، ويُبالغ في ذلك جدا إلى درجة الإسفاف بل الهوس. لقد بلغ به التظاهر بنُصرة المذهب، أن يسافر من عاصمة ملكه (= أصفهان )، إلى مدينة (مشهد )، حيث قبر الإمام الثامن (الرضا عليه السلام) مشيا على الأقدام. كانت المسافة طويلة جدا (1300) كيلومتر، قطعها الحاكم المُتجبّر المُتكبّر على قدميه؛ تعبيرا عن صادق الولاء للمذهب. لم يكتفِ بهذا، بل سافر أيضا إلى العتبات المقدسة في العراق، وكنَسَ بنفسه ضريح الإمام علي رضي الله عنه وخدم بنفسه زواره، بل وأطلق على نفسه اسم (كلب عتبة علي )، ونقش هذا الاسم على خاتمه الخاص، واستعمله في المعاملات الرسمية. لكنه، في الوقت نفسه، ومع كل هذا التظاهر بالتدين، حارب نفوذ رجال الدين؛ لأنه رآهم منافسين كمراجع للتقليد المذهبي لسلطته السياسية، وكان يحاول جاهدا بكل ما يستطيع كبح نفوذهم الاجتماعي، ذلك النفوذ المزعج، الذي يراه منافسا لنفوذه السياسي.
إذن، أين الدين وأين السياسة؟. هذا السلطان الشيعي، ينشر التشيّع، ويكافح بما يستطيع للذود عنه، ويمتهن نفسه غاية الامتهان في إظهار ولائه التام لشعائر المذهب. لكن وهنا تحكم السياسة بقوانينها يرفض أن يتقاسم النفوذ مع سدنة المذهب. إنها دولة تستخدم التشيع؛ في الوقت الذي تخشى فيه نفوذ رجال التشيع. يبالغ الحاكم السياسي في التشيع، لا لمحض التدين، وإنما لأنه يرى في هذا استقرارا واستمرارا لحكمه. وعندما يكون هذا التشيع خطرا في أية صورة من الصور على نفوذه كحاكم، يحاربه كألد الأعداء الحانقين.
لم يعمد الحاكم الصفوي الشيعي إلى هذا التوظيف البراجماتي للدين؛ إلا لأنه يدرك الأثر العميق للتدين في قلوب الإيرانيين. لا يمكنه اللعب على الشعار الديني في مجتمع لا يكترث بالدين. إن الإيراني عبر تاريخه شخصية مُتديّنة؛ أيا كانت طبيعة هذا الدين أو هذا التديّن. وكلما كان الدين موغلا في البعد الديني (= الجانب الغيبي) للدين؛ كلما كان أشد تأثيرا في الإيرانيين. هذا الجنوح الغنوصي الواضح، هو أحد المقومات الأساسية في التركيبة الثقافية العميقة للشخصية الإيرانية منذ أقدم العصور. ولهذا، فالشعب الإيراني شعب عاطفي/ وجداني؛ لا يَحتشد ولا يَنقاد إلا بالإيحاءات الدينية ذات المنحى الغيبي الغامض؛ هذه الإيحاءات هي التي تمتلك القدرة على أن تشعل اللهب المقدس في أعماق الوجدان.
إن من يتأمل الحضارة (الحضارة بالمفهوم المجازي العام؛ لأنه ليس ثمة حضارة حقيقية قبل الحضارة الغربية) الإيرانية، يدرك أنها (حضارة أديان ). ولهذا كانت التغيرات الجذرية التي طرأت عليها اجتماعيا وسياسيا تبدأ وتنتهي بتغيرات تظهر على المستوى الديني. فتاريخ الحضارة الإيرانية هو تاريخ تدينها، ولا وجود لحراك معتبر خارج هذا التاريخ.
هذا التاريخ لا زال فاعلاً في الراهن الإيراني؛ لأنه كأي مجتمع تقليدي، مشدود إلى مكوناته التاريخية. ولهذا، ففهمه لا يتأتّى إلا من خلال التاريخ. والخمينية ظاهرة تاريخية؛ من حيث هي نتاج حسابات التاريخ. تكمن براعة الخميني في أنه أدرك هذه الحقيقة الواضحة، الحقيقة التي فشل الشاه في إدراكها فشلا ذريعا. الخمينية بدأت من ذاتها كمرجعية دينية عظمى، مُحمّلة بكل طوفان التاريخ. بدأت من هذه المرجعية، لكنها وهنا الموقف المفارق لكثير من الحركات المشابهة لم تنتهِ في حدود هذه المرجعية، وإنما وظفتها ببراعة براجماتية فائقة. لقد كانت خطوة غير مسبوقة، فلم يُعهد في السياق الديني الإيراني أن قام أحد المراجع بمثل هذا الدور ولا بما هو قريب منه. وهذا ما منح التجربة مساحة خيارات أكبر من أي تجربة أخرى؛ لأنها كانت رغم تاريخية مرجعيتها ابتكارا يملك كثيرا من عناصر الدهشة التي تلغي إبان فورانها الوجداني أي تساؤل عن شرعية التوظيف الجديد.
1
وبعد...
فأهلا بحضارة أبو غريب وحضارة جونتناموا وحضارة هورشيما
نضمي - زائر
05:01 صباحاً 2009/06/18
2
جزاك الله خير ولكن لماذا لم تدون المصادر لمعلوماتك حتى نستفيد
raad - زائر
05:45 صباحاً 2009/06/18
3
والله ما ادري من اي جامعه
اتتنا هذه المعلومات
الشيعة والسنه سواء
الظاهر اننا اما عقيده جديده
امريكيه غربيه اسلام مهجن بثقافه غربيه
نحن مسلمون ونفتخر بالخليفه العثماني محمد الفاتح ونقول انه برىء مما نسب اليه..
ونحن ضد التصوف
ومع كتاب الله والسنة
حسن اسعد الفيفي - زائر
08:28 صباحاً 2009/06/18
4
اشكرك اخي الكاتب لكن لمعلوماتك ان التشيع كان في زمن الرسول حيث اصبح الولاء والتشيع لامام علي بعد وفاة الرسول ومنهم الصحابي عمار بن ياسر اي ليس في زمن الصفويين كما ان اول من اوجدمبدا التكفير بالاسلام هو الخليفة الاول ابي بكر عندما ارسل خالدبن وليدبنالمغيرة لقتل مالك بن نويرة وقتله
فاضل الربيعي - زائر
08:59 صباحاً 2009/06/18
5
انا معجبه بكتابات الكاتب بس ياليته يبسط اسلوبه شوي لتكون القراءه اكثر متعه لانه احيانا نقف في وسط المقال ولا نكمل كما نفعل مع بعض مقالات الدكتور البليهي
منتظرين مقالاتك
ولك منا كل التقدير والاحترام
سعوديه - زائر
12:01 مساءً 2009/06/18
6
الفرق بيينا وبين ايران شاسع لايقاس انظر اليها الي اين وصلت في جميع
المجالات وانظر الي دولتنا الي اين وصلت لقد ضحكت ذات يوم الي ان فطست
من الضحك بسبب انه كتب على علبة البسكوت صناعه سعوديه 100%100
هل نحن دولة تفتخر بصناعه البسكوت والبطاطس والشيبس عجبي
saaad - زائر
01:53 مساءً 2009/06/18
7
لافض فوك ولاعدمناك كاتب تنويريا
لم يكن هناك مصطلح تشيع وتسنن ايام الرسول ولكنها ظهرت بعد وفاة الرسول واجتماع السقيفه والخلاف السياسي على السلطه واقصاء الانصار من توزيع المناصب التي ظفر بها المهاجرون
السياسي والديني لايجتمعون الا عندما يوظف احدهم الاخر واكبر دليل تاريخنا الاسلامي صانع المأسي
بندر الاسمري - زائر
01:54 مساءً 2009/06/18
8
الاسلام ممقوت ولا يصلح سواء كان سنيا أو شيعيا والبديل هو الحضارة الغربية ومقالات يوم الخميس هذه ليست إلا جبهة داخلية تشن من العاصمة السعودية دعما للجبهات الخارجية التي تشن من العواصم المناوية.
moatad - زائر
01:55 مساءً 2009/06/18
9
مع إن الكاتب عنوان مقالاته عن إيران إلا أن الهجاء للسنة والمقارنة مع الشيعة واضحة في كل مقال. وهذا سرد تاريخي لا أدري مالغاية منه خصوصا أن تركيا الآن علمانية [ ديكتاتورية ] تستجدي الغرب لتنضم للإتحاد الأروبي.
المشكلة أن الكاتب يرى أن السنة هم عدو التنوير الأول قبل الشيعة !
محمد الرويلي - زائر
02:32 مساءً 2009/06/18
10
الجيل الجديد في أيران يريد أن يعيش كغيره من البشر حياة ملؤها الاستقرار ويرفض بعثرة ثرواته علي تحريك الفتن وعزل ايران عن العالم ويرفض سيطرة الآيات والملالي علي العقول والمقدرات , لقد سئم من هذا النهج ويريد التغيير, وان شاء الله نري ايران اكثر استقرارا وافترابا من جيرانها والعالم.
ماجد - زائر
03:11 مساءً 2009/06/18
11
لم لم تكتب عن أبي عبد الله الشيعي في المغرب العربي
ولا عن الفاطميين وماذا فعلوا في الاسكندرية على زمن أبي بكر الطرطوشي
أبو عبد الله - زائر
03:12 مساءً 2009/06/18
12
إدعاء الدين في مجتمعنا يعطي صاحبه الحماية والقداسة ويسخر الآخرين لخدمته.
خذ هذا المثال : الهجوم على الصحفيين اللذين ينتقدون جهاز الهيئة.
ميهاف - زائر
03:20 مساءً 2009/06/18
13
ربما ان غياب الكاميرا يخفي كثيرا من حقائق التاريخ الأوربي وفي ظني أن عيون الأوربيين طايره وهم يهتفون ويتظاهرون في عصور ماقبل نهضتهم مثل حادثة حملة الأطفال التي استخدمها الكهنوت السياسي للحروب في الشرق الأوسط.
(الحضارة بالمفهوم المجازي العام؛ لأنه ليس ثمة حضارة حقيقية قبل الحضارة الغربية) الأسباب؟
عبدالله - زائر
04:00 مساءً 2009/06/18
14
الاقدم هو التقليدي
2/ لماذا الاعتقاد طبقا لمبادئ الاسلام تقليدي واذا كان (الاعتقاد) مخالفا فهو غير تقليدي؟ مع ان المخالف ( اعتقاد عاد وثمود مثلا ) هو الاقدم وعليه يجب ان يكون هو التقليدي اي ان المنطق يقول الاقدم هو التقليدي.
moatad - زائر
05:07 مساءً 2009/06/18
15
( لم أجد مشهدا يجلد أعصابي كرؤيتي لمشهد الذكاء منطرحا تحت أقدام الغباء , ممجدا له مثنيا عليه ) المفكر الكبير عبدالله القصيمي واهديها الى التيارات الدينيه كافه.
رجال الدين يكرهون الورد والحب لانهما ليسا أداة للقتل.
واصل استاذ محمد فجمهور ابن رشد وابن حزم العقلاني لازال معك
بندر الاسمري - زائر
09:10 مساءً 2009/06/18
الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة