قبل أن ابدأ بالحديث عن هذه القضية لا بد وان اعرّف المقصود بالثقافة في هذا المقال وهي بحسب تعريف علماء الاجتماع تعني جوانب الحياة الإنسانية جميعها من تراث ومنتج مادي وغير مادي ومن فنون وأفكار وتراث وقيم وعادات وتقاليد تحكم العلاقات الاجتماعية وعلاقات الأفراد كل هذه المكونات هي من يشكل الثقافة ويعطيها هذا المدلول الذي نستخدمه اليوم.
يقول ابن خلدون "ومن الغلط الخفي في التاريخ، الذهول عن تبدل الأحوال في الأمم والأجيال بتبدل الاعصار ومرور الأيام.." وهذا المعنى يمنحنا الحكم على أن الثقافة ليست ثابتة بل هي متغيرة بتغير الزمن والأحداث.
في مجتمعاتنا الإسلامية مرت الأيام وطوى التاريخ الكثير من الزمن في سجلاته ولازال بيننا من يصور الحياة وكأنها يجب أن تكون مشهدا يختار هو فقط أحداثها ووفق ثقافته الخاصة.
لقد اكتشفنا عبر الكثير من حوادث الاعتراض الفكري التي تعرّض لها مجتمعنا أن من أهم معوقات التغيير هو شعورنا بالذنب العقدي تجاه التجديد والتغيير مما جعل فكرة التغيير عرضة للحكم الديني بينما هي سنة بشرية فلا احد يبقى على حاله، لقد أصبحت فكرة التحديث في مقابل فكرة المعصية والذنب في خطابنا الاجتماعي لذلك أصبح من الصعب تجاوزها سواء على المستوى الشخصي أو الاجتماعي وهذا هو سبب الاعتراض الدائم والمصاحب لفكرة التغيير والتحديث في المجتمع.
هذه الحقيقة تثبت عبر التاريخ إلى مساحة تتسع إلى أكثر مما تصوره سكان الجزيرة العربية مع بداية الإسلام ويمثل ابو حنيفة وهو احد الأئمة واحد اكبر التجار دليلا قاطعا على أن فكرة التوافق مع الجديد منهج إسلامي أصيل. قال بعض منتقدي أبو حنيفة عن كتاب (الحيل) كلاما يدل على أن استيعاب الثقافات للأديان اكبر من استيعاب الأفراد. الأديان بجميع أشكالها أكثر حذرا من غيرها في احترام الثقافات التي تنشأ فيها ومنها الإسلام الذي قبل الكثير من القيم المجتمعية لمجتمع مكة والمدينة بل إن الإسلام لم يتطرق إلى القيم والعادات التي تشكلت منها الثقافة العربية فظلت القيم القبلية والعلاقات الاجتماعية تمارس دورها الطبيعي قبل وبعد الإسلام.
الثقافة المجتمعية ظلت محل احترام الأديان في أسسها المعتمدة على القيم والعادات والتقاليد، والإسلام بشكل دقيق عمل على تنقية الثقافة العربية السائدة قبل الإسلام وإعادة وهجها من خلال احترام قيمها والاعتماد على صورة المجتمع من خلالها، بل حفظ الإسلام للمجتمعات صورتها وصورة رموزها بشكل دائم وهذا انعكس بشكل مباشر على جميع المراحل التاريخية التي مر بها الإسلام سياسيا.
لم يكن الإسلام دين ثورات اجتماعية يقلب الموازين الثقافية كما يتوقع الكثيرون بل ظل أكثر الأديان احتراما وتقديرا للأركان الأساسية المكونة للثقافة المجتمعية، ومع هذا الإثبات التاريخي الكبير يفاجئنا الكثير من المتشددين بقراءة غير صحيحة للواقع تتمثل في الدخول إلى منطقة خطيرة في الثقافة، فالتدخل في الثقافة تجنبها الإسلام منذ بدأ.
واستطيع هنا وانطلاقا من هذه الحقيقة أن أقول إن جميع الحركات الإسلامية التي حاولت اجتياح العالم الإسلامي وخصوصا القرنين التاسع عشر والعشرين ومنها الصحوة كما يسمونها واجهت الفشل ليس فقط لمشروعاتها السياسية وتبنيها الإسلام السياسي، ولكن لأنها قامت على التدخل بالثقافة المجتمعية رغبة في إعادة صياغتها وفق آلية محددة لذلك عملت على اتهام الثقافات المجتمعية بأنها جاهلية وصدر كتاب معروف في ذلك بل إن كل خطابات تلك الحركات هي تكرس نفس الفكرة ولم تدرك تلك الحركات ومع فشلها المتكرر أن الثقافة رمز وتكوين لبناء اجتماعي متراكم عبر التاريخ البشري عملت الأديان على إضافة محسنات إليه ولم تعمل على هدمه.
الثقافات في المجتمعات هي نتاج لاتفاق بشري طبيعي يفرض المصالح المشتركة ويرفض المصالح الفردية على حساب المجموعة ومن علماء المسلمين كثير ممن فهم هذا المدلول ومنهم شيخ الإسلام الحنفي المذهب (محمد بيرم الاول) الذي قال في مقدمة "اقوام المسالك" في تفسير السياسة الشرعية بأنها " ما يكون الناس معه أقرب إلى الإصلاح وأبعد عن الفساد وإن لم يضعه الرسول ولا نزل به الوحي "، الخطورة إذن تمكن عندما تصبح الثقافة رمزا للورع الديني يتم من خلالها مصادرة الثقافة المجتمعية.
خلال الأيام الماضية تداول المجتمع فكرتين رئيسيتين الأولى استخدام التقنية في مراقبة الأفراد والثانية الاعتراض على دخول السينما إلى المجتمع بغض النظر عن الصحيح والخطأ في القضيتين دعونا نقدم سويا تحليلا منطقيا لما سوف تنتجه هاتين الحالتين مستقبلا واثر ذلك على الثقافة السائدة.
التشدد في مراقبة المجتمع من خلال الأفراد لضبط سلوكه هو عمليا أسهل من مراقبته عبر الثقافة فإذا مارست رقابة على سلوك مجموعات بشرية في موقع تجاري أو تجمع سكاني فأنت هنا تراقب الثقافة وتراقب السلوك الاجتماعي وليس السلوك الفردي وهنا مكمن الخطر فلن تراقب الفرد لنفسه ولكنك سوف تراقب ثقافة كاملة تتحكم فيها قيم وعادات وتقاليد تتحكم بالمجتمع وقد تدخل في أزمة كبيرة لفهم ما يحدث.
وعبر المراقبة قد تتدخل في قيم كبرى اجتماعية وطبقية وقبلية وهنا سوف تظهر الأزمة لان تفسيرات المراقبة لن تستطيع تفسير كل ما تشاهده في كاميراتها إلا من خلال الخطأ والصواب بينما هناك قيم وعادات وتقاليد تختلف مع المراقب في تفسير الخطأ والصواب.
وإذا كان الهدف هو الانتقال من المواجهة الشخصية للمواجهة التقنية فإن المواجهة مع الثقافة هي النتيجة الحتمية لذلك وخصوصا عندما يتم تطبيق النظام على مدن ومجتمعات ذات بنية ثقافية دائمة وأصيلة، الثقافة ليست مصدرا للورع وإذا تحولت كذلك فسوف يسهل كسر الورع من خلالها.
الأفراد الذين يوجهون خطابهم النقدي إلى الثقافة السائدة بأنها على خطر إنما هم يمارسون دورا معاكسا على واقع واسع يصعب تحديد الخطأ فيه وشكله، الحقيقة التي يجب أن نعيها لقياس قبول الثقافة لقضية محددة سواء فكرية أو اجتماعية تتمثل في صوت الرفض أو القبول المطلقين أو الانقسام أو اللامبالاة من جانب الثقافة، (فالإصلاح الاجتماعي مهمة الثقافة السائدة وليس مهمة المؤدلجين أو المتشددين فالبشر مفسرون للدين وليسوا هم الدين نفسه).
اتهام الثقافة والمجتمعات بالانحراف أو الخروج عن الخط السليم إنما هو فهم مقلوب للمجتمع حول آلية تصحيح الأخطاء المجتمعية على مستوى الأفراد بل هو عجز تربوي واضح لكل أولئك الذين لم يستطيعوا قراءة الثقافة بشكل جيد وكيف كان الإسلام حذرا من المساس بالثقافة السائدة فلم يتهم الإسلام القيم العربية ولم يتهم الإسلام التكوين الاجتماعي ولم يصادر سلوكه وبقي كبار قريش كبارا قبل الإسلام وبعده.
إن ظاهرة إصلاح المجتمع عبر النصيحة اللفظية والتحذير المطلق مهما كان شكلها ثبت عدم صلاحيتها لأنها ليست الوسيلة المناسبة للثقافة السائدة وإلا سوف تتحول إلى منهج مرفوض يقاومه المجتمع يوما بعد يوم إلى أن يزيله وقضية البث الفضائي والسينما خير شاهد على ذلك فكل ما يتم التحذير منه وفق تلك الأساليب سوف يقبله المجتمع قريبا.
1
وهل يعد حضور خمسون شخصاً لاول عرض سينمائي بعاصمة تحوي تسعة ملايين نسمه هو اختيار المجتمع ؟؟
سماهر - زائر
07:32 صباحاً 2009/06/15
2
مقال رائع...
ربما يكون عذر اصلاح المجتمع من قبل بعض الافراد ومنهم في بعض الجهات عن طريق المراقبة اللصيقة هو الأقرب للنفوس المريضة و المحبة للتسلط والايذاء
Ahmed Abdullah - زائر
07:45 صباحاً 2009/06/15
3
شكرا للكاتب الكريم، لقد قدمت لنا وجبة صباحية مميزة حول مفهوم الثقافة وتحولها وتأثرها بعوامل الزمان والمكان. والعبارة الورادة في المقال( الثقافة ليست مصدرا للورع وإذا تحولت كذلك فسوف يسهل كسر الورع من خلالها) بحق تشخيص واقعي لما يحدث في المجتمع. اتمنى لكم التوفيق دائما
مواطن بسيط - زائر
07:55 صباحاً 2009/06/15
4
دكتور علي انا لا اتفق معك فيما طرحته في مقالك وهذا حق اصيل لي
إذ يجب عليك ان تتسائل عندما تقوم بهذه القراءة الفكرية
ما هي الأديان إذا كانت مجرد إضافة للثقافات
ثم هل كان الإسلام الذي الغى اليهودية والنصرانية وحطم الاصنام
واجبر الشعوب على دفع الجزية يكترث للثقافة حينما لا تنصاع له ؟؟؟
تحياتي
محمد العتيبي - زائر
08:30 صباحاً 2009/06/15
5
مقال مليء بالمغالطات والإسقاطات غير المبررة
عدم تدخل الإسلام في الثقافة غير صحيح ولا أعرف ممن استقيت المعلومة.
الدين والقيم ثابتة والعادات والأفكار متحولة فما كان مرفوض بالأمس قد يكون مقبولاً اليوم والعكس بالعكس وقد يتحول في المستقبل.
العبرة بالجديد النفع والضرر الناتج منه على الأمد البعيد.
أبو البراء - زائر
08:30 صباحاً 2009/06/15
6
نحتاج للتسامح والصبر وتقبل بعضنا لبعض وعدم محاكمة النوايا وزرع بذور الخير بين جميع شرائح المجتمع وطبقاته بعيداً عن التشدد المقيت والحرية المنفلته وسنجني من وراء ذلك كل ثمار الحب والاخاء فنحن في النهاية أخوة جففت ثيلبنا شمس واحدة
علي بن عواجي محمد مهجري - زائر
08:46 صباحاً 2009/06/15
7
على العكس من ذلك د الخشيبان فالثقافة المجتمعية تتقبل خطاب النصح أكثر من استماعها لثقافة التنوير، والتنوير والثقافة التي ينشدها المجتمع لا تتم عبر السينما بل لا بد من استزراع قيم وسلوكيات عبر نماذج مختلفة لكافة شرائح المجتمع.
منطق الغالب والمغلوب وفي مسائل الثقافة خصوصا منطق غير مقبول البتة، فالرهان للمستقبل والعمل على الجد في اصلاح الحاضر
أحمد المخيدش - عضو
09:17 صباحاً 2009/06/15
8
جنت على نفسها براقش
اولا لكل امه ثقافه و تطور بحسب ثقافتها اما انها تتطور بطريقة غيرها هذا يعني ان البلاد محتله ثقافين و احنا تابعين لهم
الثاني ان اول ما جاء التلفزيون كان محرم ليه لانه ما كان يمشي مع الثقافه الاسلاميه لكن بعد وجود قنوات اسلاميه و علميه و ليس بضروره تتكسلم عن الدين بس تم قبولها
مسلم - زائر
09:52 صباحاً 2009/06/15
9
ثالثا الاسلام دين من الله و عطانا اسباب التفوق من اجتماعيه الخ
رابعا اللي تسميه نصح هو امر بالمعروف و نحن ما عندنا مانع ان نطور ((التسليه )) بالثقافه الاسلاميه اذا ما ترضى نقومك بالقوه الحق يعلوا و لا يعلوا عليه
خامسا ليس من قال لا اله الا الله اسلم لبد من ان يؤمن من نفي و اثبات و ولاء و براء
مسلم - زائر
10:11 صباحاً 2009/06/15
10
هكذا يتكون المجتمع السكيزوفريني،فالمراقبة تقمع ظهور التحولات الطبية والعفوية على السطح ولكنها لا تستطيع منع تكونها في المجتمع وهو تكون يكون نتاجا طبيعيا لعمليات التحول الكامنة قواه في العديد من مكونات المجتمع وإن قصرها ماركس على قوى الاقتصاد
مواطن - زائر
12:46 مساءً 2009/06/15
11
والله ما أدري لكني أقول كم نحن بحاجة إلى تنويريين يخاطبون جيل
هذا القرن بمايتفق مع روح العصر ولا شك أنك منهم وأجدني بعد
قراءة موضوعك أكرره للمره الثانيه فواصل عطائك
أبو سته - زائر
01:08 مساءً 2009/06/15
الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة