الرئيسية > مقالات اليوم

أهمية الاستفادة من كراسي اليونسكو العلمية


د. حمد بن عبدالله اللحيدان

استجابة لرؤية وتطلعات الملك عبدالله بن عبدالعزيز - حفظه الله - نحو تعليم متميز يستجيب لمتطلبات العصر ويتوافق معها قامت وزارة التعليم العالي بتشجيع الجامعات على التحديث والحراك الذي يفي بتلك الرؤى والتطلعات والتي تعتمد على أساس ان اصلاح وتطوير التعليم العالي وقبله التعليم العام هما اللبنتان الأساسيتان في عملية الاصلاح الأشمل والأعم.

هذا وقد استجابت الجامعات لتلك التوجهات من خلال تبني مجموعة من المنظومات التي كان من أبرزها تبني مفهوم الكراسي البحثية وقد حققت جامعة الملك سعود قصب السبق في هذا المجال حيث وصل عدد الكراسي البحثية فيها حوالي (٥٠) كرسي بحث أصبح لكل منها نشاطه وتخصصه وأصبح لكل منها نجاحاته النسبية ومع ان عددا من الجامعات السعودية الأخرى مثل جامعة الملك عبدالعزيز وجامعة الملك فهد للبترول والمعادن وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، بالإضافة الى عدد من الجامعات الأخرى قد تبنت اتجاهات مماثلة إلا أن الملفت للنظر أن الجميع قد تجاهل دور وأهمية كراسي اليونسكو العلمية والتي استفادت منها جامعات عالمية عريقة في كل من اليابان وأوروبا وأمريكا وعدد غير قليل في دول العالم الثالث. ولذلك فإن اعادة طرح مثل ذلك الموضوع على ساحة البحث والتقصي يصبح ذا أهمية لأنه يعزز التعاون مع منظمة أممية ذات خبرة واسعة وطويلة وتجربة ميدانية في دول متقدمة ونامية.

من هذا المنطلق سوف أستعرض دور منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم في توثيق التعاون الدولي في مجالات عديدة منها كراسي اليونسكو العلمية لذلك فإن منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم والتي تعرف اختصاراً باسم اليونسكو تعنى بالعمل على تشجيع وحماية السلم والأمن العالميين عن طريق توثيق التعاون الدولي في مجالات اختصاص هذه المنظمة وهي التربية والثقافة والعلوم.

وحيث أن تلك المنظمة تهدف من خلال فرع التربية إلى نشر التعليم عن طريق مكافحة الأمية وتعليم الكبار والارتفاع بمستوى مناهج التعليم عن طريق تبادل رجال التربية بين الدول المختلفة ناهيك عن تطوير المناهج من حيث الكم والكيف، أما الفرع الثاني من منظمة اليونسكو فهو يهتم بالثقافة والفنون وتشجيع التبادل الثقافي وحماية حقوق المؤلفين والمخترعين والاهتمام بالآثار وحمايتها ناهيك عن تسهيل نشر وسائل الثقافة من كتب ومجلات وبرامج بالاضافة الى اقامة دورات دراسية لتحسين النواحي الثقافية المختلفة ناهيك عن تسهيل الالتحاق بالجامعات وتقديم المنح الدراسية وغيرها.

أما الفرع الثالث من هذه المنظمة الإنسانية فهو فرع العلوم البحثية والتطبيقية والذي يهدف الى تعزيز التعاون العلمي بين الدول المختلفة ونقل التقنية عن طريق تسهيل الاتصال بين العلماء ودعم الهيئات العلمية بالإضافة الى نشر العلوم وتشجيع البحث العلمي عن طريق إقامة كراسي علمية في الجامعات المختلفة وقد استفادت دول مختلفة من مثل تلك الكراسي بما فيها الدول المتقدمة لذلك يحسن بنا أن نستعرض أهمية تلك الكراسي العلمية والطرق الأمثل للاستفادة منها..

وضع برنامج استحداث الكراسي العلمية برعاية اليونسكو في الجامعات ومؤسسات البحث العلمي والتعليم العالي تطبيقاً لقرار المؤتمر العالمي لليونسكو الصادر عن دورته السادسة والعشرين في عام ١٩٩١م وقد عزز هذا التوجه المؤتمر العالمي حول التعليم العالي والذي عقد في هذه المنظمة عام ١٩٩٨م الذي دعا الى ضرورة تعزيز التعاون الدولي في مجال التعليم العالي. وبناء على ذلك تقرر تقديم المساعدة بغرض دعم انشاء مراكز علمية متطورة عالية في البلدان النامية وغيرها وذلك عن طريق استحاث كراسي اليونسكو، وكل ذلك جاء نتيجة انتباه تلك المنظمة الى اهمية التعليم العالي في العالم الجديد حيث أن النمو الاجتماعي والاقتصادي يتطلب معارف متزايدة كما انه يحتاج الى كفاءات ذات قدرات متميزة خصوصاً أننا نعلم أن لحاق الدول النامية بركب الصناعة والتطور وتحررها من التبعية التقنية والعلمية يحتاج الى قيام تلك الدول بإنشاء مؤسساتها البحثية والعلمية الخاصة بها وإعدادها لبرامج الدراسات العليا والبحث العلمي مما ينعكس ايجاباً على جني ثمار التقدم العلمي وفهم التقنيات المتطورة الحديثة والإفادة منها لذلك فإن اليونسكو تولي هذا الموضوع اهتمامها من خلال استحداث برنامج كراسي اليونسكو والذي يولي أهمية كبرى لتوطين التقنية عن طريق النقل السريع للمعارف والتقنية ودعم تطور مؤسسات البحث العلمي والتعليم العالي في البلدان المختلفة.

ولكي يتسنى لليونسكو تحقيق هذا الهدف بدأت بإنشاء قاعدة معلومات بالإضافة الى انشاء شبكة دولية تربط مؤسسات البحث العلمي والتعليم العالي في جميع أنحاء العالم بعضها البعض ومن خلال ذلك الجهد تبين أن تبادل الأساتذة بين الجامعات المختلفة يساعد على وضع هذا التصور موضع التنفيذ ناهيك عن تحسن وضع برامج التعليم العالي والبحث العلمي اللازمة والمناسبة والتي تتوافق مع الاحتياجات الكمية والكيفية لنمو كل بلد ومن خلال ذلك تعززت فكرة كراسي اليونسكو وأصبحت أكثر فائدة مما شجع على التعاون الدولي بين مؤسسات التعليم العالي في البلدان النامية وهذا بدوره حد من هجرة العقول المتميزة من الدول النامية الى الدول المتقدمة ومما يجدر ذكره أنه حتى عام (٢٠٠٤) تم استحداث أكثر من ٣٥٠ كرسيا بالإضافة الى ٦٠ شبكة ربط بين الجامعات في مختلف أنحاء العالم وهذه الكراسي تعنى بمختلف الفروع النظرية والعلمية وتغطي ميادين عديدة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر العلوم البحتة والتقنية وعلوم البيئة والتنمية وعلوم السكان والعلوم الاجتماعية والإنسانية وقضايا السلم والديمقراطية وحقوق الإنسان وعلوم التربية والثقافة، ولقد حظي هذا البرنامج بدعم الدول الأعضاء في منظمة اليونسكو والجامعات والمؤسسات والمنظمات الأخرى في الأمم المتحدة والمنظمات الحكومية وغير الحكومية ومؤسسات دعم التنمية بالاضافة الى القطاع الخاص والعام لذلك أصبح لمنظمة اليونسكو دور مهم في مجال التعليم العالي والبحث العلمي في جميع أنحاء العالم.

ومما يجدر ذكره هنا أيضا أن كراسي اليونسكو لم تقتصر على الدول النامية بل انها شملت أكثر من ٩٨ دولة تشمل دولاً متطورة مثل النمسا والسويد وسويسرا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا واليابان وغيرها ومنها دول فقيرة ومنها دول متوسطة النمو أما الدول العربية التي يوجد بها كراسي لليونسكو فهي كل من سورية ومصر واليمن والبحرين ولبنان والسودان والأردن والجزائر وتونس والسلطة الفلسطينية والمغرب وعمان.

هذا وقد أشار مدير عام اليونسكو آنذاك إلى أن هناك ٣٩ كرسي يونسكو في الدول العربية وحدها.

وحيث أن عدد الجامعات لدينا في المملكة العربية السعودية قد وصل إلى أكثر من (٢١) جامعة ولكل منها فروعه المختلفة بالإضافة إلى مؤسسات التعليم العالي الأخرى مثل المؤسسة العامة للتعليم الفني ناهيك عن مؤسسات البحث العلمي مثل مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية وفي جميع تلك المؤسسات العلمية والبحثية يسير البحث العلمي على قدم وساق ويتلقى تشجيع ودعم الدولة سلمها الله إلا أنه يحتاج أكثر ما يحتاج الى الدعم العلمي المتمثل بتسهيل الاتصال بالمتخصصين وأصحاب الخبرة الطويلة في الجامعات العالمية العريقة وهذا له عدة وسائل وطرق منها الاتصال العلمي ومتابعة ما ينشر من بحوث والتفرغ العلمي وغيرها وحيث أن كراسي اليونسكو من أنجع الوسائل للاتصال العلمي والتعاون الدولي في هذا المجال وبما أن المملكة من بين الدول القلائل التي لم تستفد من مثل هذا البرنامج حتى الآن لذلك فإن جامعاتنا ومؤسسات التعليم العالي المختلفة لدينا وكذلك مؤسسات البحث العلمي تعتبر اليوم مندوبة لتقوم بالعمل على الحصول على مثل تلك التسهيلات التي تقدمها تلك المنظمة والدخول معها بمحادثات جادة لكي تحظى بالمشاركة والإفادة من مثل تلك الكراسي التي استفادت منها دول عديدة في جميع القارات منها أكثر من عشرين دولة عربية وإسلامية وعليه فإن:

استحداث كراسي برعاية اليونسكو (كرسي اليونسكو) في الجامعات السعودية ومؤسسات البحث العلمي والتعليم العالي الأخرى يعتبر مهما وفرصة يجب أن لا تفوت خصوصا أن المملكة من أكبر الدول الداعمة والممولة لتلك المنظمة الإنسانية.

إن برنامج كراسي اليونسكو استفادت منه حوالي مائة دولة ما بين فقيرة ومتوسطة النمو وغنية حول العالم منها دول متقدمة جداً مثل الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا واليابان وإنجلترا وغيرها وبالتالي نحن أولى بالحصول على مثل تلك الخدمة في مجال البحث العلمي والتدريب والنهوض بالدراسات العليا إلى الأفضل خصوصاً في مجالات العلوم والتقنية مما يمكننا من جني ثمار التقدم العلمي والتقنيات المتقدمة الحديثة ويصبح الحافز أكبر اذا علمنا أن كراسي اليونسكو تولي أهمية كبرى للنقل السريع للمعارف والتكنولوجيا ودعم نمو وتطور مؤسسات التعليم العالي في تلك المجالات وهذا لا يتعارض مع الكراسي الوطنية المقامة في بعض الجامعات بل انه يعززها.

يحبذ أن تقوم لجنة من الجامعات بوضع تصور ودراسة لأهم المواضيع التي تحتاجها تلك الجامعات وتحتاج إلى دعم اليونسكو على أن تكون الأهداف محددة بصورة جيدة وبحيث يصبح لدى كل جامعة سعودية كرسي لليونسكو غير مكرر في جامعة سعودية أخرى مما يساعد على التكامل بين تلك الكراسي بدلا من الازدواجية والتكرار ناهيك عن تخصيص تلك الكراسي لبرامج البحث والتطوير والتدريب والتدريس لأهم المستجدات العلمية في مجال التقنيات المتقدمة مما يجعل كرسي اليونسكو في كل جامعة حلقة وصل مع منظومة من الجامعات العالمية التي تتعامل معها منظمة اليونسكو كما يفتح قاعدة المعلومات لدى منظمة اليونسكو وخبرائها أمام الباحثين السعوديين وإذا كان هناك تعاون قائم حالياً مع منظمة اليونسكو فهو محدود جداً ويحتاج الى مزيد من التفعيل والتحفيز، كما تجدر الإشارة إلى أن هناك أسلوب تعاون آخر لليونسكو يتمثل في إنشاء شبكة تعاون بين عدة جامعات والذي يسمى برنامج التوأمة وهو عبارة عن خطة عمل دولية تهدف الى تعزيز التعاون بين الجامعات بالاضافة الى تعزيز الحركة الأكاديمية. ومن الجدير بالذكر ان برنامج التوأمة موجود في جامعة الملك سعود حاليا.

يحبذ فتح مكاتب ارتباط مباشرة مع منظمة اليونسكو في المؤسسات الجامعية والعلمية الكبيرة مما يسهل عمليات الاتصال المباشر معها وعدم الاقتصار على مكتب واحد فقط مثل ذلك الملحق بوزارة التربية والتعليم والذي قدم ويقدم خدمات جيدة.

التعاون مع المنظمة الدولية للتربية والثقافة والعلوم في مجال النشر العلمي وحث تلك المنظمة على المساهمة بإنتاجها الفكري والعلمي على شكل أجنحة داخل مكتباتنا الجامعية والعامة خصوصاً ذلك الذي يتوافق مع ثقافتنا وعقيدتنا ويثريها.

يحبذ توسيع قاعدة للتعامل والتكامل مع تلك المنظمة الدولية لتشمل كل فروعها وتخصصاتها والاستفادة من التسهيلات الأخرى التي تقدمها في مجالات التدريب والمنح الدراسية وتقديم الدعم المادي لمشاريع الأبحاث الفردية والجماعية التي يقوم بها أعضاء هيئة التدريس. كما ان تبادل المعلومات مع كراسي اليونسكو القائمة في كل من الدول المتقدمة والدول النامية سوف يكون له مردود على الأسلوب والاطر التي تجعل استفادتنا من تلك المنظمة أكثر نجاحاً وأكثر ملاءمة حيث ان ذلك يمكننا من اختيار التخصصات المناسبة والقائمة على شكل كراسي في الدول التي لها ظروف مشابهة خصوصاً ما يتعلق منها بالتصحر وشح المياه وغيرها من الأمور التي نحن في أمس الحاجة إليها.

نعم إن الاستفادة من أخطاء الآخرين وتجاربهم يقصر علينا الطريق ويمكننا من تلافي السلبيات قبل وقوعها وفي نفس الوقت يعطي مزيداً من الوقت لتعميق الايجابيات وتطويرها كما أن تنوع مصادر التعاون مفيد وذلك لأن لكل مصدر ايجابياته وسلبياته لذلك فإن علينا الاستفادة من منظمة الأمم المتحدة للثقافة والتربية والعلوم (اليونسكو) ومن تجاربها ونجاحاتها في مجالات كثيرة ومنها كراسي اليونسكو العلمية خصوصاً ان المملكة من أكبر الداعمين لها ومن أكثر الدول التزاما بتسديد معوناتها لتلك المنظمة الانسانية والله المستعان.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 2

  • 1
    بارك الله بك وزادك الله علماً نافعاً ونفع به الجميع. نعم ما أحوجنا إلى الإنفتاح على العالم وخاصه المنظمات والجمعيات العلمية العالمية ذات التوجه الجاد والرزين لخدمة العلم والبشريه. ما أحوجنا للإستفادة من تجارب الغير وتطعيم هذه المؤسسات بكوادر سعودية والتوئمه من أجل نقل الخبره وتبادل الأفكار الإيجابي

    أبو عبد الرحمن الشافعي - زائر

    10:17 صباحاً 2009/06/12


  • 2
    بارك الله في جهودكم

    sarah - زائر

    03:32 مساءً 2009/06/12



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة