الجمعه 19 جمادي الأخر 1430هـ - 12 يونيو 2009م - العدد 14963

أخيلة الطفولة

متعة عابرة، نتيجتها سمنة قاهرة!!

د.أنوار عبد الله أبو خالد

    صدقوني!! لو كان الطعام يجلب السعادة، لكان أصحاب الكروش المترهلة، والأوزان المرتفعة هم أكثر الناس سعادة، ولأصبح ارتفاع القيمة الرقمية التي يحكيها لنا الميزان هو المعيار الثابت للسعادة!!.

ولكن الحقيقة أن أصحاب الأجسام الثقيلة هم أكثر الناس إحباطاً وعزلة، وأعمقهم قلقاً وكآبة وأشدهم عجزاً وسخطاً على ال نفس..

مشكلتنا اننا نخلط الفهم بين متعة عابرة ولذة سريعة الانقضاء، وبين سعادة تحس بها بين شغاف القلب وجوانب الروح، وسعادة تجلبها لك رشاقة الحركة، وخفة النفس، ورضا عن النفس، ومتعة بارتداء وشراء الملابس المناسبة، سعادة تحس بها كلما وقفت أمام المرآة تنظر فيها إلى نفسك، وسعادة حين لا تحمل هم الأمراض المزمنة بسبب السمنة، وهذه المزايا لا يعرف قيمتها إلا من فقدها بسبب ترهل الشحوم على جسده، فهؤلاء هم أكثر الناس فهماً لما أعنيه من إحباط وألم نفسي وكراهية للنفس..

قد يشتكي بعض البدناء من وقوعه فريسة لسوء الحالة المزاجية، أو هبوط الروح المعنوية، أو الحزن، أو القهر، أو الخذلان، فيبحث عن لقمة هنا أو هناك تطفئ هذه المشاعر السلبية وتنسيه واقعه المرير!!..

ولكن هذه المبررات التي أسمعها دائماً من مريضاتي، ما هي إلا نوع من التحايل النفسي للحصول على اللذائذ بحجة الهروب من الألم، فالنفس عندما ترى الأكل في متناول يدها فإنها سوف توجد المبررات المنطقية وغير المنطقية لتقنعك بالقاء هذا الطعام في بطنك..

ولكن الحقيقة بأن أفخر الشوكولاتات البلجيكية، وأفخم الايسكريمات السويسرية، وأفضل البيتزا الإيطالية، وألذ المعجنات اللبنانية، أغلى المكسرات الإيرانية لن تساعد في تحسن الحالة المزاجية، إلا كما تفعل السيجارة من تخدير مؤقت لكنه يجر عليك في المستقبل ويلات النيكوتين ومشاكله، فإن كنت سميناً وتبحث عن السعادة فإنك لن تجدها خلف تلك الأطعمة، بل ابحث عن سعادتك في الرشاقة وخفة الحركة وعدم القلق من الأمراض المزمنة الناتجة من السمنة..

إن تناول الطعام تحت تأثير الحالة المزاجية يمكن التوقف عنه أو التحكم فيه لأنه سلوك مكتسب، وتعليل نفسي ضعيف، يمكن تصحيحه أو تعديله...

انظر إلى نوعية الطعام الذي يؤكل وقت الاحباط أو الملل والحالة المزاجية السلبية، إنه ليس وجبة رئيسية ولا طعاما صحيا ولا عشاء فاخرا، بل هو مما يسهل تناوله من المقرمشات أو السكريات عالية السعرات التي تتوفر في محيط الشخص، والتي لولا توفرها في مطبخه أو أدراجه لقام تلقائياً باشغال نفسه بشيء آخر غير الأكل!!..

إنها حيل نفسية، وإلا لماذا لا نرى محبطاً أو حزيناً يأكل تفاحة بقشرها أو خساً أو جزراً أو صحنا من الشوربة؟ وهل إذا أصيب الإنسان بمصيبة حقيقية فمات له قريب أو خسرت تجارته يهرع إلى المطبخ ليأكل أم يصاب بعزوف عن الأكل وصد في الشهية..!!

وإنها يا صاحبي العادة، فإذا عودت نفسك على الربط بين الاحباط وبين رد فعل عكسي كتناول قطعة من الكيك أو وصلة من الشوكولاته، فسوف يكون هناك لزمة شرطية بينهما بدون أن تعرف، فتتكون العادة، كما يتعود الشخص حين يحبط أو يقلق على قضم أظافره ونتف شعره أو كسر ما بيده أو شتم من حوله، فطريقة التنفيس أنت تختارها، فهل ترضى لنفسك طريقة تزيد في آلامك واحباطك ومرضك؟؟..

فإذا عرفت هذا فابحث عن نشاط آخر تقوم به حين تكون محبطاً أو غضباناً، بعيداً عن تناول الطعام، قم بأداء بعض التمارين الرياضية، اخرج للتسوق، قم بالاستحمام لتحصل على الانتعاش، أو ابحث عن معلومة من خلال الانترنت، أو ارسل رسائل الكترونية مفيدة أو اقرأ كتاباً مفيداً، فإن أحسست برغبة جامحة للأكل فيمكنك أن تسمح لنفسك بتناول طعام قليل السعرات كثير الألياف، وكمية من البروتين قليل الدسم تساعدك على الشبع، وتوقف لديك النهم..

وعلى دروب الخير نلتقي...