
بين القارئ وكاتب الرواية يوجد السارد، وهذا السارد في رواية محمد برادة
"حيوات متجاورة" دار الآداب، يصبح موضع معاينة لفك ارتباطه بالمؤلف. فالناقد والروائي المغربي يبدو في مطلع عمله الجديد وكأنه يتخلى عن مهمة الروائي إلى السارد، بل ينظر إلى دوره من خلال منظار النقد، كي يدخل القارئ مسرحاً خلف مسرحه. كل ما يبتغيه كما يقول، ان يتيح للساردين "الشخصيات" فرصة أن تروي حكايتها أي وجهة نظرها، أو هكذا يريد أن يعقد حلفا مع قارئه. يضع على هذا الأساس مدخلين للرواية: الأول "على عتبة النص" يقول فيه "أسارع القول بأنني لست الكاتب المفترض، أو على الأصح لسته تماماً، وإنما أنا أقرب إلى السارد المسرود له". وفي الثاني وعنوانه "توضيح من الراوي" يذهب إلى اثارة سؤال يشغله : "وفق أي مقاييس سأسائل ما عاشه الآخرون وكيف أحقق حداً أدنى من الحياد المطلوب".
هل يحتاج العمل الروائي إلى توضيحات استباقية، وهل تدخل توضيحات برادة في باب اللعبة الروائية، أم هي مجرد توجس يعلن فيه الناقد خوفه من دور الراوي العليم؟ ربما تصح كل الاعتبارات في معاينة هذا العمل، فالكاتب من خلال استهلاله يعين النقطة الزمنية التي ينطلق منها السرد، وهي غيرها التي يتعين فيها الفعل الروائي، وهذا الفصل يقتضية اجراء الرواية، حيث يصبح الزمن معياراً لاختبار القيم المجتمعية، موضوع الرواية المحوري، فلا يمكن ادراك نسبية الأخلاق إلا بتعدي القيمة الأخلاقية زمنها. بيد أن هذا الموقف لا يقدم التصور الغائي للزمن، أي علاقة النتيجة بسببها، بل ما يشغل الناقد الروائي، هو فك الارتباط بين من يتكلم ومن يسرد الزمن "من أي موقع يُنجز ذلك؟ أين يوجد الروائي حين يلاحق أزمنة متكلمين وفاعلين داخل فضاء روايته. وأين يوجد السارد؟" هكذا يشرح برادة مقاصده، او هكذا يحاول أن يدير حكاية تاريخ مجتمع مر منذ سبعينيات القرن المنصرم إلى مطلع القرن الحالي.
ربما يصبح لتداخل العلاقة بين الناقد والروائي أثر في ترك انطباع مسبق عن النص، فالمؤلف حريص على صوته قدر ما يحاول انكاره، ولكنه حريص على قدرته على ازالة اللبس عنه كروائي يدير الحبكة باتجاه مشوق، لأن التشويق وسيلته لشد المشاهد إلى موضوع الجنس أو الجسد المبيع والمشترى في المعادلة الاجتماعية.
يتحرك النص بين ثلاثة أصوات تمثل بسلوكها خلاصة ما يمكن أن نسميه الصراع حول مفاهيم القيم والأخلاق. الجنس والمال والسياسة، ثلاث قضايا تطرحها الرواية عبر شخصيات ضالعة في تجارب خارج المتعارفات: المرأة المتغربنة او المتفرنسة التي تستخدم جمالها وجسدها وخبرة سبر السلوكيات التي تعلمتها من خلال ادمانها على قراءة الروايات الفرنسية، كل تلك المواهب تستخدمها لبناء الثروة والقوة، حيث يكون بمقدورها أن تصبح عشيقة لمتنفذ او رجل أعمال، أو لأكثر من رجل من اصحاب النفوذ. لم تكن من بائعات الجسد بهذا المعنى، بل كانت متواطئة مع جسدها كي تعيش كما تريد وتستمتع بمن تشاء. الشخصية الثانية، الشاب الفقير والأميّ الذي يعاشر ألمانياً مع أنه غير مثلي، ولكن الفقر والتهميش والفراغ يدفعه الى استخدام جسده. والشخصية الثالثة، الفقيه والسياسي المداهن والنجم والمثقف الذي يرمم شيخوخته بالبحث عن حياة اباحية في السر كي يدرك فلسفة العيش. أما الشخصية الرابعة الذي يمثل دور السارد، فيبقى دوره هامشياً، أو هكذا شاء له المؤلف.
ينقسم النص إلى وحدات سردية يتولى فيها الأبطال تقديم أنفسهم الى القارئ، ويتوسط السارد في ربط الخيوط بين عوالمهم وعالمه الخاص، وبهذا يجنّب نفسه من احالة القول إلى قيمة معيارية، فهم يسردون حيواتهم معقبين ومصححين الأفكار المسبقة التي يمكن أن تتشكل في متون النص. وعلى الرغم من أن البطل المستمع الذي يقوم بدور السارد، يتدخل في تلك المسرودات، سواء بتقاطع تجاربه مع تجربة كل شخصية ، أو من خلال تعقيباته التي يحاول عبرها أن يصحح او يعدّل الصورة التي تموضعت من خلالها الأفكار، بيد أن سعيه هذا لا يشكل الرابطة التي تمسك ببنية السرد. فالشخصيات في كل أحوالها، نماذج قولية أو نماذج مجتمعية، تكاد تكون سيرة كل واحد فيهم تشكل بنية مكتفية بنفسها، فهم يعيشون مغامرة الحياة ويخرجون بحكمة منها، أوفياء لأنفسهم وخياراتهم. وبين الأبطال الثلاثة لا يبدو الشاب على رغبة في توضيح رأي أو قول، فهو يسرد حياته كما هي وبالمحكية المغربية، ولكنه يقدم نفسه شخصية تؤمن بقيم تخصها وبينها فهمها للجنس على أنه علاقة يمكن أن تتحول من الحب إلى الكسب. انه يعرف قدرات جسده التي يستغلها الألماني حين يصطحبه إلى بلده، ويوفر له وظيفة وحياة مريحة، ولكن حبه للنساء يثير غضب الألماني، فيكتشف حدود السجن الذي وضع نفسه فيه.
وهكذا تصبح عبودية الجسد وحريته أحد مواضيع الرواية اللافتة، ومع أن الشخصية النسائية تتصدر القص وتصبح محوره، غير أن السرد يجد للشاب دوراً موازياً ومكملاً لدورها. فالمرأة الحرة والمتعلمة والجميلة، مثل الشاب الأمي تكاد توازيه في هشاشة ما تملك من حرية هي الوجه الثاني لعبودية الحاجة والفقر.
تستكمل الحكاية من خلال فاعلية الأبطال في فاصلة التحول المجتمعي، حيث يرتبط مصير الشاب بالمرأة التي تشبهه، إذ تختاره وهو الحارس في بار هو أقرب الى ماخور للطبقات العليا، كي تأتمنه على أموالها وجسدها. الخسارات تدفعها الى البحث عن هذا الشبيه، فهي بعد أن حاولت انتشال نفسها من عالم الأثرياء السري بزواج ووظيفة، تخسر الاثنين لتتورط في ادارة شبكة مخدرات بين المغرب وأسبانيا.
أما البطل الثالث رجل السلطة المتنفذ، فهو يمر بتحولات الايمان من رجل الدين إلى رجل المسرات الجسدية، ويلتقي البطلة في سهراته المخملية والفتى في البار الذي يخدم فيه، ولكن صلته بهما تبقى هامشية، فهو يمثل ثبات واستمرار المواقع، في حين يمثل الاثنان الوجود الطارئ الذي يتغير بتغير الأفراد.
تصبح المرأة في الرواية مركزاً لا للفعل الجنسي فقط، بل للقوة التي تستمدها من خبرتها وثقافتها التي تنقلها إلى السجن بعد اكتشاف شبكتها. لن يكون هذا المآل مأساويا، كما تطرح الرواية، فالبطلة تلامس عبر السجن حياة الفقر التي هربت منها، والنساء اللواتي يشكلن فسيفساء المجتمعات المغربية التي أهملتها ذاكرتها المتغربنة وحجبتها أقنعة الطموح إلى مجتمع الثروة.
قول الرواية يلامس قضايا الصراع الطبقي والسلطة وقضية المرأة ومشكلة التثاقف في مجتمع تبقى كل أسئلته معلقة ضمن احتمالات القول الروائي، حين يسعى إلى اكتشاف الصوت المحايد في مسروداته. ولكن محمد برادة الناقد لا يقوى على اقناع قارئه بفكرة حياد المؤلف، فالمرارة التي تغلف نبرة السارد تكشف هوية للقول أبعد ما تكون عن وجهة نظر تقف على مبعدة من موضوعها.
1
جميل
حمزة مشرف - عضو
09:42 صباحاً 2009/06/11