
بقدر ما يثير الاهتمام نقل الآداب من شعوبها شرقيها وغربيها إلى العربية يثيرنا أيضاً نقل أدبنا إلى لغة العم سام، وهي الإنجليزية، ويتقدم اسم المترجم البريطاني أو الخواجة الرائع كما يفضل دنيس جونسون ديفز (مواليد كندا 1922) الذي بدأ ترجمة الأدب العربي، خاصة مختارات من القصة القصيرة والرواية منذ منتصف أربعينيات القرن الماضي (اختار وترجم قصة: زعبلاوي، من مجموعة همس الجفون 1945 لنجيب محفوظ).
لم تكن جائزة الشيخ زايد، جائزة شخصية العام الثقافية التي حصل عليها عام 2007، التي علَّق عليها بعتب "قد أسعدني كثيراً أن تأتي هذه المبادرة الكريمة في هذا الوقت بصفة خاصة، فمن يدري.. ربما لو أنهم تأخروا أكثر من هذا لما وجدوني"!، ولا تبني إحدى المؤسسات الثقافية بدبي مشروع نشر سلسلة كتب الأطفال، من وحي قصص التراث ولكن محدثة ومطورة، مثل : "أبرز معارك الرسول" "قصص الخلفاء" و"سيف بن زي يزن" و"علاء الدين" و"حكايات جحا" وسواها، وهذه السلسلة التي فاقت رقم الخمسين إلا محاولة للمكافأة على مستويين معنوي ومادي لهذا الرجل.
الآن، يعيش ديفز في مصر بمحافظة الفيوم حيث بنا بيتاً له يسكنه مع زوجته، بعد أن أكمل ترجمات جديدة مشتركة مع عز الدين إبراهيم من متون الكتب الإسلامية، مثل: مختارات من صحيح البخاري ومسلم (مجموعة من الأحاديث القدسية)، ومختصر الكلم الطيب لابن تيمية، ومختارات من فصول إحياء علوم الدين للغزالي، ويواصل اكتشاف أسماء جديدة في الأدب العربي تكتب الرواية والقصة القصيرة.
من هو هذا الخواجة الرائع؟
يصدر كتابه: ذكريات في الترجمة" (دار اليربوع – 2009) ويتحدث عن رحلة في الترجمة هي رحلة في الحياة كما عرفنا هو بريطاني ولد في كندا. عاش فترة من طفولته في القاهرة ثم وادي حلفا بالسودان ثم تنقل بين أوغندا وكينيا فاضطره المرض الانتقال إلى لندن فدرس في كمبردج، وزامل إبا إبيان وزير خارجية إسرائيل الأسبق، ولويس عوض.
لم يشجعه أستاذه نيكلسون على دراسة اللغة العربية باعتبارها لغة ميتة كاللاتينية!، فدرس القانون وعمل محامياً لفترة ثم موظفاً في شركة بترول ولكن عمله في هيئة الإذاعة البريطانية – القسم العربي بين عامي 1940-1945 أتاح له التواصل مع الموظفين والموظفات العرب.
درَّس في جامعة الملك فؤاد الأول (القاهرة حالياً)، وعمل مترجماً في المجلس الثقافي البريطاني بالقاهرة، وعاش في إحدى قرى الصعيد مع صديق مصري يدعى محمد حبيب، فعايش الثقافة المصرية في عاداتها وتقاليدها.
وانتقل إلى حي السكاكيني في القاهرة، ونتيجة لقراءات وعلاقات وحضور ندوات ومحاضرات أدبية مع المثقفين المصريين، مثل يحيى حقي وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ، ترجم ديفز مجموعة من القصص وأصدرها في كتابه الأول: "أقاصيص من الحياة المصرية" لمحمود تيمور، وكتب المقدمة عبد الرحمن عزام أمين جامعة الدول العربية آنذاك.
ترك القاهرة عام 1949، وانتقل إلى بغداد فتعرف على مثقفين عرب آخرين، مثل: جبرا إبراهيم جبرا وتوفيق صايغ وبلند الحيدري وعبد السلام العجيلي، ولكنه انشغل بترجمة قنديل أم هاشم ليحيى حقي. لم تكن عملية نشر الأدب العربي المترجم إلى الإنجليزية سهلة، فلم يقبل الناشرون في بريطانيا أو الولايات المتحدة بسهولة، حيث تحكمت فيهم صورة انعدام وجود ثقافة، فما بالها بأدب عربي!
أسس وأدار مكتب إذاعة ال BBC في الإمارات نهاية الستينيات ثم عمل مترجماً في قطر، وكان يحضر كتاباً عن الأدب العربي (سينشره لاحقاً عام 1967).
عاش ديفز في بيروت بين عام 1970-1974، وكان منشغلاً بترجمة رواية "زقاق المدق" لنجيب محفوظ وقصص أخرى له، وترجم معظم أعمال توفيق الحكيم الروائية والمسرحية.
ويتعجب ديفز من تلك الازدواجية اللغوية بين لغة الكتابة العربية ولغتها المنطوقة، وكان يثير في أحاديثه مع نجيب محفوظ مسألة كتابة أعماله السردية باللهجة المصرية بينما أوضح له محفوظ أن الكتابة بالفصحى تتيح القراءة لأكثر من عربي في مختلف الأقطار العربية، ولم يقتنع بذلك ديفز.
تعرف ديفز على أبرز مثقفي العالم العربي منذ منتصف القرن الماضي وظل على تواصل معهم رغم تنقلاته، ولم يقطعه عنهم إلا وفاتهم حيث أسف كثيراً على وفاة يحيى الطاهر عبد الله الذي يرى ديفز أنه لم يأخذ حقه لا أديباً ولا إنساناً بحكم وفاته المبكرة، وقد ترجم له ديفز مبكراً وطلب وساطة من توفيق الحكيم لدى وكيل وزارة الثقافة آنذاك لتشتري نسخاً تدعم إكمال ترجمة أعماله الباقية، ولكن يعلق ديفز "المسؤولون عن الثقافية في العالم العربي غير مهتمين بالثقافة، ولهم اهتمامات أخرى، بالطبع شخصية، لا ترتقي مشاكل الثقافة إليها".
عاد إلى القاهرة وعمل في مركز النشر بالجامعة الأمريكية، فأسس جائزة نجيب محفوظ، فواصل الإشراف عليها، وتبعه مترجمون آخرون مثل أنتوني كالدربانك في ترجمة الأدب العربي حيث ترجم ميرال الطحاوي ويوسف المحيميد.
ويعلق عن الجيل اللاحق له من مترجمي الأدب العربي فيقول :" وفي هذا الصدد يرد الى ذهني مثال محدد، فهناك إحدى المترجمات الجيدات للأدب العربي قامت بترجمة روايتين للأديب إدرار الخراط. على الرغم من صعوبة النص الروائي كما يكتبه الخراط، حيث يشتغل على النثر كما لو كان عملا نحتيا دقيقا، وغالبا ما نجد لديه فقرات بكاملها في نصوصه يكاد يكون من المستحيل أن تترجم، وقد خاضت هذه المترجمة غمار صعوبات كبيرة الى أن تم نشر هذين العملين، ولكن ما حدث أن لم يتم بيع ما يتجاوز الخمسمائة نسخة من هذين العملين ولما كان المترجم في الغرب يعامل من الناحية المالية بنسبة محددة من سعر الغلاف على اجمالي عدد النسخ المباعة، فإن علينا أن نتصور مدى شعور هذه المترجمة بالاحباط عندما نجد أن العائد المادي لما بذلته في الترجمة لا يكاد يذكر، ولا يتوازى مع الجهد الذي بذلته، وبالفعل فإنها انصرفت الى كتابة روايات من تأليفها، وبحسب ما أبلغني به إدرار الخراط في آخر لقاء لنا فإن هذه الأديبة لن تستمر في ترجمة الأدب العربي، على الرغم من المستوى الرفيع الذي وصلت اليه في هذا المجال".
ومن جراء تجربة طويلة مع دور النشر والمؤسسات الثقافية العربية يخبرنا ديفز أنها "تتصور أن عملية النشر جوهرها أن تكون لديها مطبعة تنتج لها الكتب، وتتجاهل جوهر عملية النشر بمفهومها الحديث، والذي يدور حول عملية التوزيع بمعنى توصيل الكتاب الى أوسع قطاع ممكن من القراء.
ولذلك فإنني لا أتصور أن هناك جدوى كبيرة من أن تكون للمؤسسات الثقافية العربية مطابع وأجهزة انتاج وعمل لإصدار كتب بالانجليزية والفرنسية داخل العالم العربي، وانما المهمة الأساسية هي أن توثق هذه المؤسسات علاقاتها بدور النشر الموجودة خارج العالم العربي وتستغل هذه العلاقات لتوصيل الأدب العربي المترجم على مستوى رفيع وبطباعة جيدة الى القارئ الأجنبي".
وهذه من إشكاليات المؤسسات الثقافية العربية حين لا تستطيع أن تجسر الهوة العميقة، والتي تزيد أكثر فأكثر، بين الكتاب والقارئ في العالم العربي، والسبب هو البعد الاستراتيجي لعملية النشر والتوزيع والتسويق.
وهذا ما دعا ديفز إلى أن يطأ أرضاً أخرى فيقول :" وبالنسبة لي فقد اكتشفت شيئا مدهشا، فقد انصرفت مؤخرا، الى كتابة قصص للأطفال ذات خلفية عربية وشرقية بشكل عام وفوجئت بأن العائد المادي من تأليف كتيب صغير للأطفال باللغة الانجليزية يفوق العائد من ترجمة رواية عربية ضخمة تستغرق وقتا وجهدا وحوارات ممتدة مع المؤلف والنقاد".
ويدرك ديفز أن طباعة الكتاب العربي وتسويقه قلما يفيد منها المؤلف بل تهدر حقوقه بسبب ذهنية الطمع لدى الناشرين، الذين لا يتعدون أن يكونوا، في غالبهم، وسطاء مطابع، لا ناشرين بالمفهوم الحديث للناشر.
ويبقى عند ديفز أنه "هناك جانب آخر أود أن ألفت النظر اليه، وهو أن الأديب أو الكاتب العربي نفسه قلما يحظى بعائد يذكر من أعماله وهذه المعادلة تتغير عندما تتم ترجمة كتاب أو أكثر من أعماله، فهذه المسألة -أي ترجمة الأعمال الأدبية العربية- لا تقتصر بالنسبة للمؤلفين العرب على الشهرة وذيوع الميت بين أقرانهم وانما هناك العائد المادي الذي يعود عليهم".
ومن آخر أعمال ديفز أنه ترجم عملا صعبا حافلا بالتحديات هو "أصداء السيرة الذاتية" لنجيب محفوظ. وأصدرت الترجمة دار دوبلداي الأمريكية.
المصادر:
مجلة الدوحة، العدد18، 2009، وموقع الويكبيديا العربية، موقع مجلة نزوى العدد 11.
ar.wikipedia.org/wiki ، http://www.nizwa.com.
1
جميل
حمزة مشرف - عضو
09:42 صباحاً 2009/06/11
2
والصورة وش علاقتها مافهمت ياجماعه منو هالرجال مافي حالي اقرى كل المقال خخخ
غدووو - عضو
03:13 مساءً 2009/06/11
3
الحديث عنه جميل والاجمل انه خطته يداك
تسلم اخوي ^*
لمياء - زائر
03:15 مساءً 2009/06/11
الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة